عائد للتو من زيارة طبيبي النفسي العتيد، ذلك الرجل اللطيف الذي عاصرَ حالتي من أشد حالاتها هياجا وضياعا، إلى مرحلة الهدوء والاستقرار، سبحان الله! كيف لمثل هذه الزيارة أن تكون شأنا روتينيا لا أكثر. لم يعد المرض النفسي يؤطر حياتي، لم يعد غامضا، ولم يعد يطرأ على بالي موضوعه وذكرياته!
سنوات وسنوات وهذه الوصمة هي الإطار العام الذي يقدمني للمجتمع الذي أعيش فيه، المحبُّ يغالي في اعتبار المرض عذرا لكل شيء ولكل خطأ، وكأن خصال النفس ليست جزءأ من المشكلة. والمبغض يبذل كل جهده لينفي أي دور للمرض. حياة مؤطرة بكلمة واحدة [جريمة نشر]، أما حياتك، فمنسية من كل هذا الجدال!
سنوات العشرين! يا إلهي! أصعب سنوات العمر، ذلك النشاط الذهني المُرعب والشطحات المتتالية! كان يمكنني النجاة مع ثنائي القطب لولا دخولي عالم المخدرات، كان يمكنني الحفاظ على حياة شبه مستقرة لولا هذا الخطأ الكبير، والخطأ الكبير الآخر، اهتمامي بالخارج أكثر من الداخل، هذا خطأ آخر!
بدأت أنتبه لصحتي بعد سنوات من اللخبطة الكُبرى. عندما هدأ كل الضجيج حولي، الخارج ليس مهما، فكل الآثار الخارجية تأتي من مشكلة في الداخل، هذا الذي يجب أن أهتم به، ومنها بدأت خطوات الرحلة إلى الاستقرار، الرياضة، الإقلاع عن المخدرات، تناول الأدوية بانتظام والأهم: الثقة بالطبيب.
أتذكر نصائح البروفيسور علاء الله يذكره بالخير. ومرت عشرون سنة تقريبا على لقائي الأول به.الآن! كل شيء تغير، وهذا أجمل ما في العُمر، يهدأ العقل الجامح، ويأخذ السلوك نزعة للاستقرار، ورزقني الله عناية العائلة والتفافها. لم تعد حياتي مؤطرة في مربع اسمه [المرض النفسي]، لم يعد هو حياتي.
كم هو مفزع أن تفقد السيطرة على عقلك، شعورٌ قاسٍ ومفزع أن تفقد قدرتك على فرملة جموحه، مع الوقت والعمر، لم أعد أخشى من عقلي، ولم أعد أخاف منه، أستخدمه بحذر شديد، وأستمد من موجات نشاطه القليل المتيسر، أتجنب اشتعال نيرانه، وكل همي هو أن أتمسك بحياتي الاجتماعية المستقرة.
شتان بين زيارات الأمس وزيارات الحاضر، لم تعد المشكلة غامضة، ولا الدواء أصبح يزعجني، أعرف الداء وما عليه، وأعرف الدواء وما له وما عليه، تأقلمت مع حالتي لدرجة أنني نسيت وجودها، لم أعد ملفا مُهما في مضغة لسان الغرباء، لا أحد يعبأ، ولا يهتم، وذلك خير، كل الخير في ذلك.
لم يعد مهما، جنون معاوية، ومرضه النفسي،وإدمانه، وإلحاده، وخمره، ومخدراته، وصداماته مع السلطة، كل ذلك ملف انتهى، ما أجمل الحياة العادية المملة،تلك التي تتحول إلى روتين يحفظ لك هدوءك ويجعل الزمن يبني بدلا من اللحظة التي قد تهدم كل شيء!
جزاك الله كل الخير أيها الإنسان هيثم بن طارق.
جزاك الله كل الخير أيها الإنسان هيثم بن طارق.
جاري تحميل الاقتراحات...