٣-في حوار سياسي ثقافي لا علاقة للموضوعات التقليدية لشعر المحاورة به ؛هذا الشعر أوالفن الذي بدأ لدى بادية الحجاز لم يكن معروفا لدى قبائل بني مرة ولا بلي حتى زمن قريب. الذي سنلاحظه أن شعر المحاورة امتد خارج الحجاز في زمن مقارب لبدايات انتشار ظاهرة الصحوة في نهاية الستينات وبداية
٤- السبعينات بسبب انتشار الكاسيت وكانت محاورات الشعراء المسجلة صوتيا ذائعة الصيت إلى جانب ألوان الغناء الطربي منذ بدايات الأغنية السعودية المسجلة لكن ليس الأمر عائدا إلى انتشار تقنية الكاسيت قدر ما هو نابع من ظاهرة تمدين البدو (بدايات نشأة المدن السعودية الحديثة ) كنوع من
٥- تحقيق التثقيف للأجيال البدوية المتمدنة حديثا ولذا انتشر بصورة كبيرة جدا لدى الشباب فالضرورة ولأجل الحفاظ على الهيكل الاجتماعي و هوية الجماعة group identity من الذوبان في المجال الحضري الجديد كانت اجراءات المحافظة على السلالة والهيكل من ناحية ثقافية مهمة جدا وضرورية
٦- ولأجل أن نوعية فن المحاورة/القلطة تختص بتذكر مآثر الجماعة في دفاع الشاعر عن قبيلته وكأنها درس حضوري لالاف الشخص في فن الفتل والنقض ودفن المعنى والبلاغة للشاعر وسرعة بديهته،انتشر هذا الفن لدى الأغلبية الساحقة من القبائل البدوية وسنلاحظ أن امتداد هذا الفن توقف عند الحدود
٧- الجغرافية أو ما يسميها الأنثروبولوجيون العرب بالخطوط الفاصلة بين البداوة والحاضرة ففن المحاورة مثلا في بادية قحطان انتشر حتى توقف على حدود طريب في حين انتشر فن القزوعي لدى أبناء القرى من قحطان في السراة وتهامة رغم أن القزوعي يعتقد أنه نشأ لدى قبائل سنحان وشريف لكنه هو الاخر
٨- انتشر منذ الستينات وما قبلها كونه فن حربي يستنهض همم الجماعة/السلالة لتحافظ على كيانها وهويتها خصوصا بعد تباعد أبنائها في مختلف المدن والمناطق وحيث أن نشوء المدن خلق هناك نمطان للثقة والتعاون أحدها الدين(السلفية) والآخر الأعراف/التقاليد فكان البدو/القبائل هي أكبر كتلة اجتماعية
٩- متجانسة ثقافيا كنتاج لتشابه البيئات ونتاج الاحتكاك الثقافي الكبير عبر ما يسميه سعد الصويان "بعلوم العرب" عكس المجموعات الحضرية/القروية التي كانت شديدة التنوع ثقافيا واجتماعيا وحتى دينيا، هذا التشابه والتجانس صارت له نقلة كبرى وهو تحول البداوة من ظاهرة صلبة
١٠- تعيش البداوة مكانيا وجغرافيا وكنمط حياة وسلوم إلى ظاهرة أسميها "البداوة السائلة" عبر رافعة ثقافية تسمى المثاقفة المركزة hyper-acculturation التي كان أبرز تمظهراتها فن المحاورة والذي صار يعبر عن الشاعر البدوي المثقف الذي يتناول عددا من المواضيع سواء مؤيدا أو معترضا متماهيا
١١- مع ضمير المجموعة والقيم التي تؤمن بها لا يختلف كثيرا عن الداعية/الواعظ لدى المجموعة الحضرية. البداوة السائلة عملت على توحيد اللهجات البدوية في المدن الكبيرة حتى اختفت الفوارق في اللهجات البدوية واتخذت أشكالا معينة تميز بدوي المدينة في سلوكه وحديثه وطرق لباسه
١٢- والأهم أن التواصل الثقافي بات أكثر فاعلية عبر أدوات الحداثة من برامج تلفزيونية وقنوات ومواقع الكترونية ومهرجانات مختلفة وشيلات وصار الشاعر كما في الأزمان القديمة المثقف العضوي المتحدث باسم الجماعة بل وبات يتحدث في مواضيع خارج نطاق السلالة كدفاعه عن وطنه ودفاعه
١٣- ضد الهجمات المغرضة بحقه وهذا مثلما حدث مع منيف المنقرة في هجومه على قناة الجزيرة ودفاعه عن وطنه ضد افتراءات القناة. هذا الحديث وأمثاله يجعلنا نقول أن منيف وأمثاله هم آخر شعراء البدو المخضرمين الذين عاشوا زمن البداوة الصلبة والبداوة السائلة ثم سينشأ بعدهم شعراء مثقفون
١٤- عاشوا زمن البداوة السائلة وكل ذاكرتهم هي ذاكرة مدنية (نسبة للمدن) والأهم من هذا كله أنه صار ولأول مرة نظام ثقة اجتماعي بين البدو لا يمر عبر نمط التدين الحضري حيث كان الحضري قنطرة الثقة والتثقيف بين مختلف قبائل البدو لكن بعد زمن الصحوة لن يكون من مجموعة ذات قدرة على
١٥- الاجتماع والتعاضد سوى القبائل لذلك من المهم حماية جناب هذه الثقافة من أي أدلجة ذات بعد ديني آيديولوجي عبر أنسنتها أولا وكذلك اشراك المرأة كفاعل ثقافي في مختلف المناشط البدوية وهذا ما رأيناه حديثا. المجتمع الحضري في زمن ما بعد الصحوة إما أن يتجه للفردانية وهذا أمر مبتغى
١٦- أو سيحاول أن يعود لجذور بدوية ما ليندمج في الكتلة الاجتماعية الأكبر؛ البداوة السائلة وقيمها ينبغي أن ترشد لتخدم الغايات التقدمية ولا أن تستخدم لأجل حبس الأفراد داخل جماعاتهم كما ويستحق البدو الثناء كونهم كنوع اجتماعي أثبت قدرته على عدم الذوبان في الايديولوجيا الصحوية
١٧- بل كان نوعا مبتكرا لثقافة حية ونابضة بمجال عام خصب للأفراد عكس كثير من المجموعات التي افترستها الصحوة وأحدثت لها قطيعة ثقافية مؤلمة.
جاري تحميل الاقتراحات...