ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

24 تغريدة 1,625 قراءة Jan 13, 2023
قتل بيديه أكثر من 3000 شخص، وصف بأنه أشد الناس قسوة على الكوكب، هرب مخدرات إلى أمريكا أكثر من أي شخص آخر في التاريخ، بلغ متوسط أرباحه السنوية 3 مليارات دولار، وبسبب القبض على ابنه الأسبوع الماضي تفجر الوضع في المكسيك بشكل كارثي.. من هو وما قصته؟
حياكم تحت
في أجواء يسودها الترقب والحذر، وفي ساعة متأخرة من ليل جامح يلف قرية "خيسوس ماريا" النائية شمال غرب المكسيك، داهمت قوات خاصة من الجيش المكسيكي مدججة بأعتى أنواع الأسلحة، أحد منازل القرية، للقبض على نجل ملك المخدرات المكسيكي "إل تشابو" أوفيديو غوزمان.
استحق الأمر إسناد جوي ودرجة تأهب قصوى كي يتمكن الجيش المكسيكي من تجاوز الدفاعات العتيدة لعناصر كارتل "سينالوا" الذين التفوا حول زعيمهم "أوفيديو"، واشتبكوا مع قوات الجيش، لكن في الأخير أثمرت العملية عن القبض على نجل إل تشابو، ونقل على الفور بمروحية إلى العاصمة مكسيكوسيتي
على مدى أيام تالية من تلك العملية التي جرت فقط الأسبوع الماضي؛ تفجر الوضع، وعمت الفوضى أرجاء ولاية سينالوا، وأضرمت النيران في عشرات السيارات، واستُهِدفت الطائرات المدنية في السماء، وغلّقت مداخل المدن ضمن ردات فعل انتقامية من أفراد الكارتل، وقع خلالها 29 قتيلاً منهم 9 من الجيش.
حرب ضروس اعتادت عصابات "سينالوا" تفجيرها مع كل مساس من الحكومة بأي من أفراد إل تشابو، كان آخرها عام 2019، حين ألقت الشرطة القبض كذلك على أوفيديو جوزمان، قبل أن تضطر إلى إطلاق سراحه تحت وطأة أعمال عنف خطيرة خلفت قتلى وجرحى كثر، ووضعت الحكومة في مأزق.
تزعم أوفيديو مع بعض إخوته كارتل سينالوا خلفاً لأبيهم الذي قبض عليه عام 2017، والذي وصف بأنه أقوى رجل في العالم، وأهم تاجر مخدرات على الإطلاق بحسب مجلة فوربس، وهذا راجع إلى تاريخه العتيد وقصة صعوده الدراماتيكية التي قادته ليكون رأس أقوى إمبراطورية عالمية لتهريب المخدرات.
في الرابع من أبريل عام 1957 ولد غوزمان (إل تشابو) لأسرة بالغة الفقر ضمن مجتمع ريفي منعزل، حيث عاش طفولة قاسية دفعته للانفضاض عن التعليم، وارتكس كمثل كثيرين من أقرانه في زراعة الأفيون، لكن أباه كان يحصل أمواله ويهدرها، الأمر الذي حدا به للانضمام لأبناء عمومته.
وكرد فعل انتقامي طرده أبوه وهو في سن الخامسة عشر، وفي تلك الأثناء كان قد اكتسب لقبه الذي ظل معه إلى الآن وهو "إل تشابو" وهي كلمة عامية مكسيكية تعني القصير، وفي ظل هذه الظروف اختار مغادرة قريته نحو مدينة باديراغواتو حيث انتظم في عصابات التهريب بدعم من أحد أعمامه.
عمل إل تشابو بداية مع سيد المخدرات "إل جويرو" في نقل وتهريب المخدرات من منطقة سييرا مادري جنوب المكسيك إلى المناطق القريبة من الحدود مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ مراحله الأولى كان شغوفاً بالسيطرة وإحكام الأمور، ناجحاً في مهماته ضاغطاً على رؤسائه لزيادة شحناته.
بجانب تصميمه وإرادته في الترقي وتوسيع جهوده، اتبع الرجل نهجاً عنيفاً وقاسياً في التعامل مع أعوانه في التهريب، القتل فيه هو مصير كل من يخلف شحنة عن موعدها، ومصير كذلك كل من يفكر في الاصطفاف مع عصابة أخرى دونه، وهو ما ولد لدى أفراد عصابته ولاءً مطلقاً له.
في أوائل الثمانينات التقى إل تشابو مع العراب الشهير "إل بادرينو"، والذي شكل كارتل غوادالاخارا وسيطر به حينذاك على كامل ممرات التهريب ونقل المخدرات من كولومبيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كان لقاء لا يبلغه سوى أفذاذ التهريب، ويؤشر بشكل أو بآخر على المرتبة التي وصل إليها الرجل.
في نهاية الثمانينات ونتيجة جهود حكومية استخباراتية اعتقلت الشرطة إل بادرينو بعد مواجهات مباشرة شديدة العنف مع الحكومة، مواجهات استغلها "إل تشابو" لكسب أرضية جديدة له داخل الكارتل، حيث سيطر على المزيد من عمليات التهريب، وتوسع في عمله، وتضخم موقعه بين العصابات يوماً بعد آخر.
بعد اجتماع لأباطرة المخدرات في المكسيك قُسمت المناطق التي كانت تخضع لسيطرة إل بادرينو، وهو الأمر الذي سمح لـ إل تشابو مع آخرين تكوين كارتل سينالوا شمال غرب المكسيك، مستمراً في الوقت نفسه في زيادة نفوذه وحصته من المناطق مدعوماً بإجراءات حكومية صارمة ضد الكارتلات الكولومبية.
لم يكن تراجع الخصوم هو السبب الوحيد في صعود إل تشابو، بل ترافق هذا مع ابتكارية غير مسبوقة في طرق التهريب، ومن الأمثلة على ذلك تهريب مسحوق الكوكايين داخل طفايات الحريق وكذا في علب "الفلفل الحار"، ولم يمضِ وقت طويل حتى صار لكارتل سينالوا عمليات في 50 دولة حول العالم.
الأمر الذي وضع هذا الكارتل منذ بداية التسعينيات كأقوى منظمة لتهريب المخدرات في العالم، لكن تلك الجهود قُوِضت قليلاً حين ألقي القبض على إل تشابو عام 1993 وحكم عليه بـ 20 عاماً، ومع استمرار حبسه تكفلت عصابته شديدة الولاء بمهمة إدارة الأمور دون أي تأثر.
حافظ إل تشابو على أسلوب حياته الفخم حتى داخل السجن، وذلك على إثر الرشى الكثيرة التي كان ينثرها على الحراس والضباط، وهو ما مهد له الطريق عام 2001 كي يستلقي في إحدى عربات الغسيل مختبئاً، لتُجر العربة بكل سهولة ويهرب معها إلى خارج السجن.
عاد إل تشابو إلى تزعم إمبراطوريته، واستعصى على الحكومة المكسيكية وكذا الأمريكية القبض عليه على مدى 13عاماً تالية، ما رفعه إلى مرتبة البطل الشعبي بالنسبة لكثير من المكسيكين وبات رمزاً للمقاومة، وأعلنت أمريكا عن 5 مليون دولار مكافأة والمكسيك عن 3 مليون نظير معلومات تساهم في اعتقاله
قُدِرت أرباحه السنوية عام 2012 بنحو 3 مليارات دولار، وتوسعت أعماله بشكل لم يسبق لأي كارتل أن وصل إليها من قبل، وبات أكبر مهرب للمخدرات لأمريكا في كل العصور، لكن صعوده إلى تلك الأرقام الإجرامية جاء على جثث آلاف مؤلفة من مواطنيه الذين سقطوا ضمن حروب المخدرات.
ومع حلول يوم الـ 22 من فبراير 2014، وقع أخيراً إل تشابو في قبضة الأمن المكسيكي، حينها تدخلت الولايات المتحدة مطالبة المكسيك بتسليمه إليها خوفاً من هروبه مرة أخرى، لكن المكسيك رفضت ذلك وبشدة، وبعد حوالي عام ونصف من هذا التاريخ عزز إل تشابو صورته كرمز وبطل كلاسيكى خارق...
حين تمكن كارتل سينالوا الخارق ذو الخبرة في حفر الأنفاق، من حفر نفق لزعيمه إل تشابو على عمق 10 أمتار من الأرض بطول 1.7 كيلومتر، ومجهز بإضاءة كاملة وأنابيب هواء، يبدأ من منزل في حي سانتا خوانيتا، وينتهي إلى دورة المياه الخاصة بالزعيم داخل محبسه، والتي كانت مستثناة من الكاميرات
لاحظ الحراس غياب إل تشابو من على شاشاتهم مدة 25 دقيقة، وهو ما دفعهم للدخول لمحبسه، ليفاجأوا بالنفق ودراجة نارية في منتهاه، يعتقد أنه إل تشابو استخدمها في الوصول إلى نهاية النفق ومن ثم الخروج والهروب، لكن لم يدم هروبه طويلا هذه المرة حيث قبض عليه بعد أقل من عام.
استفادت المكسيك من درس الهروب المتكرر للرجل، حيث استجابت لطلب الولايات المتحدة الأمريكية تسليمه، ومع تسلمه، أودعته واشنطن في سجن سوبرماكس بولاية كولورادو، وهو أشد السجون تأمينا لديها، وقد أدين الرجل في عام 2019 بجميع التهم المنسوبة إليه، وهو يقضي حالياً عقوبة السجن المؤبد.
لا يزال التأثير الثقافي والإعلامي لـ إل تشابو حاضراً إلى اليوم، فبالإضافة لكونه أيقونة خارقة لكثير من المكسيكين، فقد صنعت لأجله أغانٍ تحكي مآثره، كما قدمت قصته في مسلسل تلفزيوني مكسيكي عالمي تبثه منصة نتفلكس تحت عنوان El Chapo.
يأتي اعتقال أوفيديو نجل إل تشابو الأسبوع الماضي، في إطار صفقة سياسية، تترافق مع زيارة بايدن إلى المسكيك لحضور قمة قادة أميركا الشمالية، ومع استفحال الوضع الأمني وردات الكارتل الانتقامية، لا يعرف بعد هل ستستمر الحكومة في احتجاز أوفيديو، أم ستطلق سراحه مثل حادثة عام 2019.

جاري تحميل الاقتراحات...