عدم التحيز هو موقف فكري، حالة دفاعية لا أكثر، الحقيقة الفردية محض أفكار تشبه العلاقة بين الرياضيات والفيزياء، الحقيقة أن العالم يُحكم بالدعايات، والتحيزات، والتفكير الجماعي، والمصالح الأنانية المبررة، وصراع القوة والهيمنة والأكاذيب، والخداع. هذه هي حقيقة العالم.
وإن كان الخير ألا تكون ظالما، فالشر هو ما يجعلك مظلوما. ما هو أقصى نصيب لك؟ إما الدخول في لعبة الصراعات والانتصار فيها أو تقبل الهزيمة، أو الدفاع عن مربعك الفردي بكل ضراوة، حتى إن اضطررت للموت من أجله. تُريد دخول اللعبة الكبيرة؟ يجب أن تختار جماعةً، وأن تتقبل أخطاءها وتنازلاتك.
اختيارك لجماعة يُخرجك من عالم الأفكار بما فيه من حدة إلى عالمٍ أدبي بحت، شعري، مليء بالغضب، والهجاء، والمديح، والفخر، والرثاء وكل أغراض الشعر. في عالمك الفردي، تفكر وتعبر عن تفضيلاتك لا موقفك، تعبر [عما تظنه]، لا ما تريده أن يكون حقيقة، تعبر عن نفسك كفرد بما لا تلزم به غيرك.
لا جدوى أن تتشنج بلغة المواقف وأنت عازف عن دخول ميدان الصدام. لا منطق في ذلك، ومن المؤسف أنك في خضم ذاتيتك المفرطة، وإطلاقك العدائي للأحكام لا تُلاحظ مكانَك الذي أنت فيه، حيادٌ من نوع آخر، من نوع صامتٍ وقد يكون مليئا بالخوف، لست جباناً، لكنك قطعا لست مُقاتلاً في ميدانك.
وهي حقيقة مريرة للغاية، المعارك تحدث في ميدانها، ويمكنك أن تعوّض غيابك عن ميدانها بشتى أنواع التبريرات بينك وبين نفسك، كل ما تفعله يعزز أهميتك المعنوية في معركة تنازلت عن قيادتها، والمشاركة فيها، لماذا؟ لأنك تؤمن بصواب أفكارك، أما نتائجها؟ يدفعها غيرك الذين تراهم: خسائر جانبية!
وأنت ترثي العالم متهما الآخرين بالأنانية، تقودكم أحلامك وآمالك، وقطعا أنت تحترم كل الأبطال في الميدان، وتتمنى أن تكون منهم! هل تساءلت، هل أنت معهم؟ ومنهم؟ ألا تتساءل لماذا الذين في الميدان لا ينشغلون بالآخرين؟ لأنهم في معاركهم يطلبون النصر، فما الذي تطلبه أنت تحديدا؟ وماذا؟
حماستك لا تكفي لكي تخفف القيمة الواقعية لموقفك. ومهما كانت قضيتك، مع من، ضد من، لعلك تتساءل عن طابور الخسارات الشخصية الذي تعيشه بسبب تشنجك، وتشددك، السبب هو تناقضُ موقفك، وتضاده مع أبسط شيء اسمه الخيار الشخصي، تتدخل في خيارات الآخرين فيقولون لك: وأنت؟ أينك عن هذا الميدان؟
إن أبسط واجب عليك إن طالبت غيرك بالحرب، هو أن تكون درعا له، وإن لم تستطع أن تكون درعا له، على الأقل ضع سلاحا في يده لكي يحمي نفسه بنفسه، أما أن تتحول إلى حالة ذاتية، تتشنج، يقودها الكبرياء، والتكبر والغرور والغفلة عن قراءة المعطيات. لا تلم غيرك على فعلهم، فأنت تفعل مثلهم تماما!
والفرق بينك وبين من قرر أن يعيش بسلام هو الصدق. فهو لا يخفي عنك قراره، أما أنت فتهنأ بالسلام في حياتك، لكنك في الوقت نفسه بوق سخيف يريد كسب الامتيازات المعنوية للطرفين، هدوء السلام، وفضائل القتال ولا يجتمعان! لا يجتمعان إلا في عقل إنسان واهم لا يعلم أين موقعه من الإعراب!
وختاما، ما دمت قبلت أن تُحاكم الآخرين في مواقفهم، وخياراتهم، وقراراتهم يجب أن تفهم، هذا أيضا يفتح الباب تجاه مواقفك وخياراتك. ستبدو سخيفاً وأنت من بين كل المقاتلين في قضاياهم، تركت حمايتهم، ودعمهم لتنشغل برفع عقيرتك على [القاعدين]، أكبر ما ترتكز عليه هي آمالك لا أفعالك.
إن كنت مترفا وتختار معارك بناء على المفاضلة، فلا فائدة من كل هذا الكلام، ستغالي في ترفك، ولن تذوق طعم المواجهة يوما ما، من الأساس موقفك مضحك وسخيف، وأن تتفرغ لمحاربة الذين أحجموا عن مقارعة عدوك، فهذا موقف أسخف، لم ترق حتى لدور المحرض والمؤلب، حتى هؤلاء دورهم أنبل من موقعك هذا!
وكل ذلك الصوت العالي، والصراخ، والبكاء على العالم، والشعور بالألم، والحزن، وغيرها من المشاعر الأدبية مكانها النصوص الحالمة والرومانسية. قبل أن تجعل من تحيزك مزرعة للخسارات الشخصية فكر قليلا بما يراه الآخر فيك، قد يدهشك أن الجبهة التي فتحتها على نفسك ستؤذيك بقدر ما أنت تؤذيه.
اليائس أنبل من المحرض الجبان، والمعتزل لتناقضات الميدان أنبل من المتناقض الذي يتحدث كمحارب وهو بلا سلاح، وبلا دروع، وبلا منهج، وبلا نظرية، كل عتاده حماسةً بالغة وكأنه مشجع في مباراةٍ يظن أنه مدربها. ليس من السيء أن تعترف أن كل نصيبك من أشياء كثيرة هو أنك: متفرج.
اعترف بذلك لنفسك!
اعترف بذلك لنفسك!
ليس المهم أن تعترف للعالم بيأسك، أو اعتزالك، قد تدين بذلك لأصدقائك إن لم يفهموا دوافعك، المهم أن تعرف بينك وبين نفسك موقعك الحقيقي، وما أنت مستعد لخسارته. انتقاء القضايا لأنها أقل خسارة، ولأن غيرك يدفع الثمن. لقد انشغلت بكل شيء، إلا عدوك!
هنيئا لك تناقضك الكبير!
هنيئا لك تناقضك الكبير!
مثل هذا التعامل مع ذاتك قد يقودك لخسة من نوع آخر،تشبه ذلك الذي يشمت في جندي أصابه الشلل لأنه دخل حربا يعترض على دخولها.
ماذا بعدها؟ ستلف وتدور على كل المصابين والجرحى؟ لا فرق بينك وبين الداعية الذي يقود الناس للموت،لست قائداً لا تتوهم ذلك، أنت مجرد حالم آخر، يظن أن المسدس في يده!
ماذا بعدها؟ ستلف وتدور على كل المصابين والجرحى؟ لا فرق بينك وبين الداعية الذي يقود الناس للموت،لست قائداً لا تتوهم ذلك، أنت مجرد حالم آخر، يظن أن المسدس في يده!
جاري تحميل الاقتراحات...