منذ شهرين تقريبًا أعدتُ قراءة كتاب كيليطو عن الشاعر، وكتبت بضعة أفكار عن الكتاب، يبدو لي أن الوقت مناسب الآن لنشرها لمواكبة الأخبار وإثارة الجدل وما نحو ذلك من مقاصد صادقة ودوافع خبيثة وإلخ.
لسبب مجهول أعدتُ قراءة كتاب "أبو العلاء المعري ومتاهات القول" لعبد الفتاح كيليطو. أذكر أنني انكببت منذ سنوات على أعمال كيليطو وانبهرتُ بعبقريته ونظرته الثاقبة حتّى وصلتُ إلى كتابه عن الشاعر وشعرتُ أنه كان دون مستوى كتبه الأخرى. تأكّد موقفي مع هذه القراءة الثانية.
في الكتاب - بطبيعة الحال - التقاطات كيليطو الدقيقة وتحليلاته العميقة وربطه بين النصوص (اللزوميات والرسائل والغفران إلخ). ومع ذلك، يراودني شعور غريب بأن كيليطو كان مستعجلًا أو كسولًا في كتابه هذا، أشعر أنه أراد أن يكتب عن الشاعر بسرعة دون أن يعيش معه ومع أعماله قليلًا.
في حديثه عن علاقة الشاعر بالدنيا وبوالديه يركّز على شجب الشاعر لجناية الأب وذمّه لأمنا الدنيا، ولا ينظر لزوايا أخرى، فمثلًا لم يتوقف إلا عند بيت واحد من قصائد الشاعر في رثاء والديه! ومما شعرتُ أنه يوضح استعجاله، ذكره لتاريخ وفاة والد الشاعر الذي ردّته د.عائشة عبد الرحمن.
بلا شك مشاعر الشاعر تجاه والديه والدنيا معقّدة، وكيليطو يبرع في اقتباس أبيات من اللزوميات توضّح هذا التعقيد، ولكنه أهمل جزءًا من هذا التعقيد حين انطلق وراء فكرته (رفض هدية الحياة) وراهن على الشعور بالذم وربما بالضغينة، متغافلًا عن حبّ الشاعر لوالديه وقصائده التي تصارع حب الدنيا.
يقول كيليطو أيضًا إن مقدمة رسالة الغفران (نصفها الأوّل) قد لا تكون جاءت بتخطيط ولعلّ الشاعر فوجئ بها وانساق معها. وهذا يتعارض مع تحليلات كيليطو وكلامه عن دقّة الشاعر ومقاصده الخفيّة التي تظهر في الفرق بين النصف الأوّل للرسالة والنصف الثاني، ويتعارض أيضًا مع كلامه عن مقدمة اللزوم.
مثال آخر نجده في ذكره لقصة سفر التبريزي إلى الشاعر طلبًا للعلم وكيف ذاب حبر الكتاب الذي كان يحمله على ظهره بفعل العرق من كثرة المشي. يحلل كيليطو القصة تحليلًا لطيفًا ويربطه بفكرة ضرورة محو العلم الأوّل للحصول على العلم الجديد. وهذا تحليل لا علاقة له بأي شيء، شطحة حلوة وخلاص.
يشير كيليطو إلى أن منتقدي الشاعر غالبًا يذكرون قصائده الجدلية (ويلمح قليلًا إلى أن في ذلك مشاغبة منهم أو تأييد)، ولا يذكرون قصائده "صحيحة العقيدة"، وكذلك مادحيه يفعلون العكس، ولكن كيليطو يفعل ذلك أيضًا ويورد لزوميات ثمّة لزوميات أخرى تعارضها! (باستثناء فصل "بين الجهر والسر").
لا بدّ من الإقرار بأنه طبيعيٌّ (وربّما حتمي) أن تتلوّن الكتابة عن الشاعر بغموضه، وأظن أن كيليطو يدرك ذلك ولا يسعى أبدًا إلى تحليل الشاعر تحليلًا قطعيًّا، بل يبدو -كعادته- ميّالًا إلى استلهام الشاعر للتفكير ولقراءته على نحوٍ إبداعيّ (ومثال ذلك شطحاته اللطيفة التي لا حاجة لها).
ولكن ربّما هناك حدود للقراءات الإبداعيّة؟ مثل زعم كيليطو (أو تحزيره) في نهاية الكتاب بأن الشاعر على فراش الموت باح أخيرًا بسرّ خطير، وأن كلّ المحيطين به ومن يكتبون له كتموا هذا السر. هذه قراءة بورخيسيّة لطيفة، لكنها تتجاهل واقع أن أقارب الشاعر المحيطين به كتبوا كل ما قاله أصلًا!
كتبوا كلّ ما انتُقد عليه في اللزوميات ورسالة الغفران ورسائله مع داعي الدعاة الفاطمي والفصول والغايات، إلخ. كيليطو ذاته يقرّ أن الشاعر لم يصمت دائًما بل نطق كثيرًا وكتب بين السطور. فأظن أنه من غير المنطقي أن يسقط كلّ هذا من أجل قراءة تشوّقنا إلى كتاب سريّ!
أعجبني الكثير مما كتبه كيليطو عن الشاعر، لكنني شعرتُ بوجود شطحات أو تحليلات ناقصة، ربّما يعتريني تعصّب غير مبرّر يجعلني أرفض الاختلاف حول الشاعر! ولعلّي أستشعر النقص أو التسرّع بسبب المقارنة مع كتابات أخرى تناولت الشاعر بحميميّة وجهد أكبر، لعلّ أبرزها كتابات عائشة عبد الرحمن.
وفي الختام القول ما قاله الشاعر:
أقررتُ بالجهل فادّعى فهمي / قومٌ، فأمري وأمرهم عجبُ
وهذا هذا وإلخ وما إلى ذلك.
أقررتُ بالجهل فادّعى فهمي / قومٌ، فأمري وأمرهم عجبُ
وهذا هذا وإلخ وما إلى ذلك.
جاري تحميل الاقتراحات...