عندما تُخرج الكتابة من طبيعتها، وكونها "أيضا" علاقة بين الكاتب وقرائه، الذين يعرفهم، ويتواصل معهم، ويتجاذب معهم أطراف الأحاديث، ويناقش الآراء من الطبيعي جداً أن تقف حكماً على تأثير الكتابة فحسب، وعلى مهمتها، ووظيفتها في الحياة، وهدف الكاتب من ورائها، وهُنا يطيشُ الحوار تماما!
أنت تقول: الكاتب يكتب لأن له هدف.
الكاتب يقول لك، هدفي أن أكتب.
وهُنا معضلة حقيقية، عندما يوجد تجاهل تام لفكرة أن الكاتب يريد أن يكتب، الكتابة في حد ذاته هدف له، عادة يومية التزم بها سنين طويلة، كيف يمكن أن يكون الحوار منصفا عندما تُزيل هذا الجانب من المُعادلة؟
الكاتب يقول لك، هدفي أن أكتب.
وهُنا معضلة حقيقية، عندما يوجد تجاهل تام لفكرة أن الكاتب يريد أن يكتب، الكتابة في حد ذاته هدف له، عادة يومية التزم بها سنين طويلة، كيف يمكن أن يكون الحوار منصفا عندما تُزيل هذا الجانب من المُعادلة؟
مُناقشة شيء غير موجود في نص هي مُساءَلة لظنون في النفس. فلانٌ يكتب، وأنت تظن أنه يكتب لتأثير ما يكتبه. وهو يكتب تحت تأثير الكتابة عليه، القارئ يفهم كاتبَه جيدا كما يفهم الكاتب قارئه، الندُّ النقدي لا يفعل ذلك، ينسى هذه الصلة الساحرة في الكتابة وينشغل بواقعيتها فحسب.
لذلك يجدُ الكُتَّاب العزاء في الكتابة، ويجدون في قرائهم السلوى عن الغُربة التي يعيشونها مع الذين حولهم. أن يكون لديك من يفهمك ويناقشك، ويوضح لك أخطائك يختلف عن الذي يحاكمك، ويسائلك ويبتكر أهدافاً ليست في بالك، أو يقرأ شيئا لم تكتبه، أو يحاسبك على شيء يريدك أن تكتبه.
عندما تكون صديقاً لكاتب، من الترف البالغ أن تتعامل معه كمرسل للنص وتغفل عن كونك متلقياً متصلا به. ليس منصفا أن تقول له: أعاملك كمتلقي بالتالي لا تسائل فهمي، ولكنني أعاملك كصديق بالتالي عليك أن تعتبر فهمي حقيقة نقدية!
هذا ليس منصفا، أن تأخذ امتيازات القريب والغريب دفعة واحدة.
هذا ليس منصفا، أن تأخذ امتيازات القريب والغريب دفعة واحدة.
يصاب الإنسان بالسأم من كثرة التوضيح، ولا سيما توضيح الواضحات. ويحدث له ذلك مع أصدقائه أكثر من الغرباء، وهذه طبيعة لا فكاك منها من عالم الكتابة، لن يفهمك القريب منك، فهو قد فقد عنصر الدهشة تجاهك منذ زمن طويل، ولديه استحقاق قد يرهقك بمطالبه، وبآماله الخاصة، هكذا هي الحياة!
إن كان ثمة قانونا مهنيا في الكتابة يجب أن تضعه في ذهنك فهو أن تحافظ على استقلال ذهنك من تأثيرات المقربين منك، أن تكتب لأنك تريد أن تكتب، ولأنك تؤمن بما تريد قوله، هذا لن يمنع إنك قد تكون على خطأ لكنه قطعا سيوقف تأثرك العاطفي برغبات رهنِ قلمِك تحت سُلطة عاطفية ستشتت استقلاليتك.
إن كان في دائرتك المقربة كاتب، سائل طريقتك التعامل معه، إن وجدت نفسك تنساق وراء دافع غامض أن يحقق هو هدفا لك، وأن يكتبَ ما ظننته حقيقة، وما تؤمن أنه عندما يصل للناس فسوف يحقق غرضه فأنت مخطئ مرتين، الأولى في حق صديقك، والثانية في حق نفسك لأنك لم تفهم ماهية الكتابة ولا طبيعتها.
للكتابة طبيعة إضافة لمهمتها ووظيفتها، والكاتب يعلم ذلك جيدا ويعيش التجربة ولا يسمح مطلقا أن يتدخل إنسان في علاقته مع قرائه أو أن يشوش عليه ذلك. ما تفعله من ضغوطات وحصار معنوي قد يؤثر على كاتبٍ في بدايته، يهتم لرأي أصدقائه أكثر من رأي قرائه، لبعض الوقت: الكتاب يستيقظون لاحقا!
ووقتها تبدأ الأسئلة المنطقية، تحاكمني على ماذا؟ ينتهي الحديث إلى مكان واحد: على ما لم تفعل، وما لم تقل، وما لم تكتب!
ولماذا لا تفعل أنت، وتقول أنت، وتكتب أنت؟
هُنا يأتي الصمت الكبير، لأن الإجابة تدور في عالم النفوس الغامض، عالم الحزازات، والوصاية، والتسلط، والإنكار.
ولماذا لا تفعل أنت، وتقول أنت، وتكتب أنت؟
هُنا يأتي الصمت الكبير، لأن الإجابة تدور في عالم النفوس الغامض، عالم الحزازات، والوصاية، والتسلط، والإنكار.
في المجمل، رأيك النقدي له قيمته كرأي، يُحترم .. اسمه [رأي] وليس أمرا تنفيذياً، وما تراه صواباً شيء، وآلية تنفيذ هذا الصواب شيء آخر. العالم هذا لا يقوم على الصوابيَّة نظرا لتعدد أشكال الصواب واختلاف الناس حوله وما يزالون مختلفين!
لا داعي أن تخسر صديقا لأنك ترفض طرح السؤال الصحيح!
لا داعي أن تخسر صديقا لأنك ترفض طرح السؤال الصحيح!
جاري تحميل الاقتراحات...