د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

10 تغريدة 13 قراءة Jan 07, 2023
يوجد نقطة جوهرية يجب أن نفهمها جيداً، وهي أنّ فلاسفة المسلمين لا يفهمون الخطاب الديني (بما فيه القرآن) كما يفهمه الحشوية.
هم ينظرون إليه ككتاب تربوي له غرض وظيفي، ولا يقدم الحقيقة العلمية.
وهذه النقطة إذا تأملتها جيداً تقتلع جذور المفاهيم الحشوية من أساسها.
هم ليسوا مثل الملاحدة الذين يقولون بأنّ القرآن اخترعه محمد وجمعه من أساطير الأولين.
وفي نفس الوقت ليسوا مثل الحشوية الذين يعتقدون بأنّ القرآن كتاب مطلق الصحة والصلاحية.
يقولون: هو كتاب تربوي وظيفي سياقي له غرض تأسيسي فقط، وموجّه غالباً إلى عامة الناس.
والحقيقة تكمن في الفلسفة.
تخيل أن لديك ولد فاسد عمره 8 سنوات وكتبت له كتاباً لإصلاحه.
كيف ستصوغه؟
ستقدمه بطريقة تناسب عقل الطفل، وربما تقدم له قصص خيالية، وأساليب ترغيب وترهيب نفسية، وشيء من الحقائق العلمية؛ ليستقيم ويهتدي.
هكذا يقول الفلاسفة.
يقولون: القرآن وحي من الله إلى النبي، ولكنه كتاب باطني وتربوي.
ويعتقد الفلاسفة بأنّ آل بيت النبي وخواصّه من الصحابة يعرفون هذه الحقيقة جيداً.
وأنّ هذه الحقيقة مجهولة عند العوام ومرفوضة عند الحشوية؛ لأنّ عقولهم غير قابلة لاستيعابها.
هذه النقطة هي أعمق خلاف فكري وقع فيه المسلمون، وهي في هذا العصر شبه مطموسة، ولا يعرفها إلا آحاد من الناس.
وأنا شخصياً أعتقد بأنّ هذه النقطة هي القادرة على إصلاح عقل المسلم حالياً، وإخراجه من حالة التخبط والجنون التي صنعها فيه الحشوية، حتى ولو لم يقتنع بها.
المهم أن يعرف عامة الناس بأنّه يوجد اتجاه فلسفي قديم لم يكذب بالنبي ولم يجحد رسالته، ولكنه يقول بأنّ خطابه وظيفي وباطني.
هذا المحتوى الباطني لم يتعمّد أحد أن يجعله باطنياً، وكونه باطنياً لا يعني أنه مستحيل.
هو نتيجة طبيعية لطبيعة الحياة، ويستطيع أي أحد أن يفهمه من خلال فهم الحياة.
تربية الجماهير وقيادتهم نحو الفضيلة لن تتم بغير هذا الأسلوب.
هو ضرورة تربوية تفرضها الحياة بدون اختيار.
هذه الظاهرة مطموسة في الفكر الحشوي طمساً تاماً.
عندهم كل شيء واضح وبيّن والنبي تركنا على المحجّة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.
بينما العقل والمنطق والتجربة والواقع تقول بأنّه مستحيل لظاهرة كبيرة مثل الدين أن تكون بدون حكمة باطنية تحكم النص الظاهر.
الحشوية فقط هم من ذهب إلى أنّ النص وحده يكفي لفهم الدين، ولذلك اعتنوا بالنصوص والآثار وحفظوها.
مذاهب كثيرة وقديمة ترى بأنّ النص لا يكفي، بل هو مضلل إذا استبعدت الحكمة الباطنية التي تحكم معنى النص ومغزاه.
أبيات لحفيد الإمام علي تؤكد بأنّ وراء الأكمة ما وراءها:
إنّي لأكتم من علمي جواهرَه
كي لا يرى الحقّ ذو جهلٍ فيفتتنا
وقد تقدّم في هذا أبو حسنٍ
إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا
ورُبّ جوهر علمٍ لو أبوح بهِ
لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحلّ رجالٌ مسلمون دمي
يرون أقبح ما يأتونه حسنا
أطياف كثيرة وكبيرة من المسلمين قديماً ترى بأنّ الدين ليس صفحة بيضاء يستطيع أي أحد فهم حقيقتها من خلال النصوص فقط.
بل هناك أبعاد باطنية مخفية وتحتاج إلى حكماء يتعرفون عليها من خلال فهم الحياة نفسها.
رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...