أيمن الشمري
أيمن الشمري

@ayman_salman_sh

2 تغريدة 100 قراءة Dec 31, 2022
"نظرية المجاز عند ابن تيمية"
سأكتب سلسلة تغريدات، فيها تلخيص وشرح لكلام شيخ الإسلام في المجاز، وهذا التلخيص هو حصيلة ملاحظات دونتها من قراءات متنوعة، ولن أناقش الأمور الأخرى المرتبطة بهذه النظرية، فالكلام فيها يطول.. إنما سأنظر لها من جهة كونها نظرية لغوية فقط..
أولا النظرية السائدة عند أغلب العلماء والبلاغيين هي أن اللفظ ينقسم إلى حقيقة ومجاز.
ويعرفون الحقيقة: بأنها اللفظ المستعمل فيما وضع له.
والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.
فإذا قيل رأيت أسدا يأكل غزالا، فالأسد حقيقي، ولكن إذا قيل رأيت أسدا يحمل سيفا، فهي مجاز للرجل الشجاع
يرفض ابن تيمية هذا النظرية، ويؤسس عوضا عنها نظرية جديدة. وسواء قبلنا ما قاله الشيخ أو رفضناه، إلا أنه من الخطأ (وهذا ما وقع به كثيرون) أن نسطح نظرية ابن تيمية وننظر لها على أنها مجرد مقولة في نفي المجاز، بل هي نظرية لغوية متكاملة ومحكمة، تنسجم مع رؤية ابن تيمية العقدية والفلسفية.
يقدم ابن تيمية مجموعة اعتراضات على تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز، وهي:
أولا القول بأن المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له. يفترض أن الوضع سابق على الاستعمال، أي أن الألفاظ وُضعت لمعانيها المناسبة قبل أن يستعملها أحد، وكأن مجموعة من الناس اجتمعوا واتفقوا على تحديد معاني الألفاظ
وهذا خطأ لسببين:
١- أنها قضية غير مبرهن عليها، فليس ثمة إثبات على أن مجموعة من العرب مثلا جلسوا ثم وضعوا لكل لفظ معنى، فصار كل لفظ يناسب معنى واحدا، وإذا استُعمل لغير لهذا المعنى كان اللفظ مجازا!
٢- أن الألفاظ لا تكتسب معانيها بهذه الطريقة الوضعية، بل تتحقق في الاستعمال نفسه.
فكما أن المولود لا يكتسب اللغة بأن يعلّمه الأبوان كلمة كلمة ومعناها، بل يفهم الكلمات من خلال الاستعمال ( وهذا المثال لابن تيمية) ، كذلك دلالات الألفاظ عند البشر، تنشأ من استعمالهم للغة عمليا، وليس بطريقة وضعية كأن يتفق مجموعة من الناس على تحديد الألفاظ لمعانيها المناسبة.
إذن ليس هناك وضع أول للألفاظ، حتى نقول أن هذا اللفظ استُخدم في غير ما وضع له.. لذلك بحسب ابن تيمية يصح أن يستخدم نفس اللفظ في معنيين أو أكثر دون أن يُقال أن اللفظ في هذا الموضع هو حقيقة وفي غيره مجاز، بل كلها حقيقة بالنظر إلى السياق الذي استعملت فيه.
الاعتراض الثاني الذي يقدمه ابن تيمية:
أنهم قالوا أن المجاز هو استخدام اللفظ في غير ما وضع له بقرينة، وأما اللفظ إذا استُخدم مجردا عن القرائن فهو معناه الحقيقي، فإذا قيل: يد، هكذا بدون قرينة فهي اليد الحقيقي. وأما إذا قيل: مد له يد العون، فهذا مجاز.
يقول ابن تيمية أن هذه طريقة خاطئة في فهم الخطاب، إذ الألفاظ لا تُفهم ولا يتحقق معناها إلا بالقرائن. فما يسمونه الألفاظ الحقيقية حتى هي لا تنفك عن القرينة، وبدون قرينة أو سياق لا يكون للألفاظ معنى، لذلك يقول ابن القيم: "فاللفظ عند تجرده عن القرائن بمنزلة الأصوات التي يُنعق بها".
لتوضيح الفكرة، تخيل مثلا أنك جالس بين مجموعة من الناس وفجأة نطق أحدهم بكلمة "ظهر" دون مناسبة ودون أن يقول كلمة أخرى معها، هل يكون لهذه الكلمة معنى؟ بالتأكيد لا، أما إذا قال انشق ظهر السفينة وكان يشاهد التلفاز مثلا، فهنا يتضح مراده. أو إذا قال ظهر فلان يؤلمه، نفهم المعنى..
وبالتالي كلمة "ظهر" في الاستعمالين لن تُفهم إلا بقرينة، سواء كانت كما يدعون لفظ حقيقي "ظهر الإنسان" أو مجازي "ظهر سفينة".. فالقرينة جزء أساسي من الخطاب، ولن تفهم دلالات الألفاظ إلا وهي موجودة في سياق تخاطبي معلوم.
الاعتراض الثالث:
قالوا في التمييز بين اللفظ الحقيقي والمجازي، أن اللفظ الحقيقي إذا نُطق مجردا فهو أول ما يتبادر إلى الذهن.. فإذا قيل "أسد" فيتبادر إلى الذهن الحيوان المفترس، ولن يتبادر إلى الذهن الرجل الشجاع، لأن هذا إطلاق مجازي..
ورد ابن تيمية هو كالتالي :
لا ينكر ابن تيمية حقيقة أن ثمة معان محددة قد ترد في الذهن عند سماع لفظ ما، ولا أن بعض الألفاظ شاع استعمالها في معان معينة، ولكنه يقول أن قضية التبادر إلى الذهن ليست معيارا منضبطا ومطردا للتمييز بين اللفظ الحقيقي والمجازي، فمثلا إذا قال رجل أكلت بيضة في الصباح=
فغالبا يتبادر إلى الذهن أنها بيضة دجاجة، ولن يتبادر إلى الذهن أنها بيضة سمك. لكن مع هذا لا يقال أن لفظ البيض في السمك مجاز وفي الدجاجة حقيقة. من هنا فمسألة "التبادر إلى الذهن" خاضعة للعرف والاستعمال الشائع، ولكنها ليست معيارا صحيحا للتمييز بين اللفظ الحقيقي والمجازي.
إذن يرفض ابن تيمية هذا التقسيم الثنائي للألفاظ بأنها حقيقة ومجاز، ويقول أن كل لفظ هو حقيقي في موضعه.. وحين ينفي ابن تيمية المجاز، لا يعني أنه يحد من اتساع اللغة أو أنه يدعو إلى فهم سطحي للكلام، كما يتوهم هذا البعض، ولا يلزم هذا.. فمثلا في تفسير الآية: "فإنك بأعيننا"=
لا يفسر ابن تيمية الآية بأن الرسول حال في عين الله (معاذ الله) بل يفسرها التفسير المعروف بأن الله تعالى يقول نحن نراك ونراقبك ونعتني بك. ولكن الفرق أن ابن تيمية لا يقول هذا مجاز ولا يؤخذ على ظاهره، بل هو حقيقي وعلى ظاهره، وظاهره كما يفهمه كل عاقل لا يعني حلول الرسول في عين الله.
هذا ملخص اعتراضات شيخ الإسلام على تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز.
ولكن قد يرد سؤال مهم، ما الذي يريده ابن تيمية من رفض هذه الثنائية التي استقر عليها أغلب العلماء واللغويين والبلاغيين. ويمكن أن نلخص مقاصد ابن تيمية وغرضه من رفض هذه الثنائية إلى ثلاث مقاصد:
المقصد الأول:
أن هذه الثنائية من حيث هي، تعاني من خلل منهجي، وتأسيسها يقوم على افتراضات واعتبارات مغلوطة، أولا من جهة افتراض الوضع منعزلا عن الاستعمال، وثانيا من جهة التمييز غير المنضبط بين اللفظ الحقيقي والمجازي.. لذلك يرفضها ابن تيمية أولا لهذا السبب المنهجي
المقصد الثاني:
قد يقال أن ابن تيمية ينفي المجاز، لأن المجاز صار ذريعة عند أغلب المتكلمين لتأويل آيات الصفات، حيث صُرفت كثير من الآيات عن ظاهرها بدعوى أنها مجاز وغير حقيقة، فأراد ابن تيمية أن يؤسس نظرية في فهم الكلام أكثر انضباطا من القول بثنائية الحقيقة والمجاز.
المقصد الثالث:
أن رفض ابن تيمية لثنائية الحقيقة والمجاز متسق مع رؤيته الفلسفية كاملة، فابن تيمية دائما ينظر إلى الأمور نظرة واقعية، من جهة تحققها العملي، ولا ينظر إلى الأشياء نظرة مثالية، فالألفاظ مجردة من كل قيد وقرينة لا معنى لها، إلا حين تنزل إلى مستوى الخطاب الفعلي.
انتهى ..
ومن أراد التوسع، فليراجع فتاوى شيخ الإسلام 20 / 400 .. كتاب الإيمان لابن تيمية تحقيق الألباني من ص٧٣ إلى ٩٩ . مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم فصل “طاغوت المجاز” . وأيضا استفدت من كتاب الدكتور محمد محمد يونس علم التخاطب الإسلامي في فصل خاص عن نظرية المجاز عند ابن تيمية.

جاري تحميل الاقتراحات...