سامح عسكر
سامح عسكر

@sameh_asker

31 تغريدة 15 قراءة Dec 30, 2022
في هذا الثريد أشرح العلاقة بين السلفية الأصولية والرأسمالية المتوحشة..والتحالف الوثيق بينهم في التاريخ الإسلامي، وكيف حكموا على كل فرقة أو رأي أو مجتهد ضد هذه العلاقة بالكُفر والمجون، وكيف أن العصر الحديث شهد على عدة صور لهذا التحالف ومعاناة المسلمين منه لدرجة تدمير عدة دول
يتبع
أولا: المقصود بالسلفية الأصولية هي الفكر التقليدي الجامد والمدافع عن العُرف السائد ومصالح السلطة ضد أعدائها، وهذا المعنى لا ينطبق فقط على التيار السلفي المعروف بل يشمل تيارات دينية كثيرة منها سنية وشيعية ، بل ينطبق على بعض الحُكام الذين رفعوا شعارات الدين بالعصر الحديث..
ثانيا: أما المقصود بالرأسمالية المتوحشة فهو أول نموذج مطبق من الرأسمالية في القرنين 18، 19 والذي أدى لثورات فرنسا والعبيد في هاييتي وأمريكا، ويتميز باستغلال الضعفاء والفقراء والأجور الزهيدة والحقوق المهدرة وهو معنى مختلف عن الرأسمالية التي في كثير من جنباتها فكر اقتصادي جيد وعملي
ثالثا: مشهد صغير في مصر أوائل القرن 21 حيث أٌقدمت عائلة (غبور) المسيحية على إنشاء مستشفى 57357 لعلاج سرطان الأطفال، ومن ثم جمع التبرعات الهائلة حتى ظهرت المستشفى عام 2007 في وقت كان فيه التيار السلفي يجمع التبرعات ولكن لقنوات فضائية ومواقع إنترنت وجماعات للسيطرة السياسية والهيمنة
رابعا: انشغل السلفيون والجماعات في جمع التبرعات ليس لإنشاء مستشفيات ومدارس ومصانع بل لإخوانهم المقاتلين في الشيشان وكشمير وكوسوفو وغزة، ولإنشاء عشرات القنوات الفضائية والمواقع الألكترونية لغزو العقل الإسلامي العربي والسيطرة عليه، إضافة لدعم التبشير بالجماعات وزيادة نفوذها..
خامسا: انشغال السلفيين بالسياسة وإنفاق التبرعات عليها هو (لُبّ) التفكير الرأسمالي المتوحش الذي ينصب على مبدأ واحد هو (السيطرة) لا (الخدمة) فلو أنفقوا أموالهم على خدمة المجتمع لتغيرت أحوال المسلمين فمن جانب يكفون فقرائهم شر الحاجة ومن جانب آخر يكفونهم عناء وأذى الحرب والسياسة..
سادسا: جذور الفكر الرأسمالي المتوحش عند المشايخ والأصوليين بدأ من موقفهم من الصحابي "أبي ذر الغفاري" أشهر الشخصيات الإسلامية مناداة للفكر الإشتراكي..وهو الخصم اللدود للرأسمالية المتوحشة، وكذلك من ثورات المانويين والزنوج في القرنين 2، 3 الهجريين في زمن السلطة العباسية..
سابعا: الدين المانوي هو دين اشتراكي بالأساس ومعارض شرس لسيطرة رأس المال، لكن أصحابه كانوا ضعفاء سياسيا وعسكريا فبطش بهم المسيحيون بالقرون الأولى للميلاد وبطش بهم المسلمون العباسيون في القرن 2 هـ وتم الاصطلاح على وصفهم بالزنادقة، فعندما يوصف أحد بالزنديق فهو مانوي غالبا..
ثامنا: أما ثورة الزنوج ما بين عامي 255- 270 هـ فهي ثورة عراقية على السلطة العباسية أشعلها العبيد والفقراء ضد الحكم العباسي الجائر، والتحالف بين الخليفة ورجال الدين من المُحدّثين الذين نشطوا هذا الزمن في تأليف الكتب كالبخاري ومسلم وأصحاب الكتب الستة..وغيرهم في المذهب السني
تاسعا: بعد هزيمة ثورة الزنج في العراق ظهرت ثورات إسلامية أخرى في الغرب.. فكانت الدولتان الفاطمية والموحدين، وكلاهما دول رفعت شعارات تحرير الفقراء بالبداية لكن طبيعتهما الدينية لم تساعد في إضعاف العلاقة بين السلطة ورجال الدين ومن ثم ظلت الرأسمالية المتوحشة وأحوال العبيد كما هي..
عاشرا: تقوم فلسفة الشيوخ والأصوليين في دعم الرأسمالية المتوحشة، أن القوة وحدها هي الضامن للهيمنة (لا الفكر) وبالتالي أفكارهم التي اجتهدوا في صياغتها لن تسود ولن تحكم سوى بدعم ونفوذ الأقوياء..وهذه الفئة النافذة تكون من الأعيان والحكام دائما وهم عناصر الرأسمالية المتوحشة في التاريخ
حادي عشر: بعد نفاذ الوثيقة القادرية سنة 408 هـ ونجاح الخليفة العباسي في السيطرة وإنهاء الفكر الديني المعارض وقمع كل من يختلف معه، بدأ الفقهاء بالتودد للخليفة فظهرت كتب (السياسة الشرعية) وكثر التأليف في بند الشريعة الإسلامية، وكان من أهم ثوابتها (طاعة الحاكم) والإيمان بقدسيته..
ثاني عشر: الرأسماليون المتوحشون في العصر العباسي استفادوا من بقاء العبودية، ونجحوا في إقناع الفقهاء في إبقاء العبيد على أحوالهم لدرجة تكفير كل عبد يخالف سيده أو يهرب منه ، وظلت هذ العلاقة طوال العصرين المملوكي والعثماني الذين اشتهروا بتقليد فقهاء القرن الخامس الهجري بالخصوص..
ثالث عشر: طوال العصرين المملوكي والعثماني كانت أحوال العبيد مذرية وأقدم الأتراك على استعباد شعوب أوروبا الشرقية، فلم يعد العبيد من الجنس الأسود فقط بل دخل العبيد البيض في السوق، وانتشرت مهنة النخاسة التي كان يقوم بها أعيان وأثرياء لديهم ميليشيات للقبض على العبيد وبيعهم في السوق
رابع عشر: مهنة النخاسة هي أوضح تعبير للرأٍسمالية المتوحشة في العصرين المملوكي والعثماني، فكل تاجر يمكنه استئجار مجموعة مقاتلين للقبض على الضعفاء في البلاد البعيدة واستقدامهم للبيع، ولم يتصدى الفقهاء لهذا الإجرام المتوحش بل شجعوه بفتاوى طاعة العبد لسيده وهددوه بسلاح الكفر إذا تمرد
خامس عشر: أما من حيث الجانب الطبقي فالأثرياء والتجار كانوا أقرب لبلاط المُلك من الضعفاء والفقراء والفلاحين لأسباب سياسية تخص طبيعة المجتمع القرووسطي الذي كان فيه رجل الدين والتاجر هما أقوى مراكز للسيطرة الاجتماعية وإقناع الشعب الكادح بشرعية السلطة وشيطنة المعارضين السياسيين..
سادس عشر: أما في العصر الحديث وبعد تحرير العبيد في القرن 19 عارض الشيوخ والأعيان هذا التحرير ولم يخرجوا عن خط أسلافهم..لكن السلطة السياسية اضطرت لهذا القرار بإنهاء العبودية للضغط الدولي وبدء غزوات الاستعمار الذي كان يبشر بإنهاء العبودية وإلزام الشعوب المستعمَرة بهذا القرار..
سابع عشر: القرن 19 مشهور بأنه (قرن القومية) أي العصر الذي بزغت فيه الروح القومية الوطنية القائمة على تميز خاص للغة والعشيرة فظهر القوميون الأتراك لإنهاء الخلافة العثمانية، والقوميون العرب والمسلمين لمقاومة الاستعمار فوقف الشيوخ والسلفيون ضد هذا المد القومي وحكموا عليه بالكفر أيضا
ثامن عشر: كان تكفير الشيوخ والسلفيين للقوميين سببه تبني القوميين للفكر الاشتراكي، فالقوميون الألمان والطليان والأتراك رفعوه، حتى قوميين مصر تبنوا الفكر الاشتراكي والذي يكافح هذا التحالف القديم بين رجل الدين والأعيان والسلطة، ويطالب بانتخاب الرئيس والملك من جموع الشعب دون تمييز
تاسع عشر: الفكر الاشتراكي الحديث تولّد في القرن 19ونشط جدا على يد أتباع "كارل ماركس" ردا على مساوئ الرأسمالية المتوحشة آنذاك، واستفاد من ثورات فرنسا وهاييتي وأمريكا..وتبناه معظم قوميين العالم كروح إنسانية جديدة تهدف لتحقيق العدالة التي حُرمت منها البشرية طوال التاريخ..
عشرون: كان العالم في بدايات القرن العشرين ثائرا على النظام السياسي القديم، وغزوات الديمقراطية تنجح في كبرى الدول، والفكر الاشتراكي يغزو أيضا في الولايات المتحدة وروسيا..حتى حدثت نكبة 1929 الاقتصادية فتغير العالم ونجح الاشتراكيون في أمريكا بالقضاء على الرأسمالية المتوحشة
حادي وعشرون: كان النظام الاقتصادي الأمريكي الجديد بعد نكبة 1929 يجمع بين حسنات الفكر الاشتراكي والرأسمالي، وهو ما يعني القضاء على الرأسمالية المتوحشة، فكان إعلانا عالميا قويا بقرب القضاء على التحالف الذي يغذيها (سلطة + رجال دين + أعيان) وتطورت تجارب الديمقراطية بشكل ملحوظ..
ثاني وعشرون: بعد نهاية الرأسمالية المتوحشة في الثلاثينات اصطلح على النظام الاقتصادي الجديد ب (الليبرالية الاجتماعية) وعدها المؤرخون خلفا لليبرالية الكلاسيكية التي تعني في مفهومهم الرأسمالية المتوحشة التي طبقت في التاريخ وأشعلت حروبا دينية وسياسية وطبقية كبيرة..
ثالث وعشرون: بدأت حقوق العمال في الظهور منذ الثلاثينات وتحسنت ظروف بعض الدول التي عانت من الحروب ، ويمكن اعتبار حقبة الثلاثينات من القرن العشرين هي العصر الذهبي للاشتراكية السياسية فانتشرت جدا مع دعوات عنيفة ضد رجال الدين وتذكيرهم بتحالفهم القديم مع الحكم والرأسماليين المتوحشين
رابع وعشرون: في هذا التوقيت تحولت بعض الجمعيات الدينية للسياسة ومنها الإخوان المسلمين ردا على الخطر المحدق الذي يتهددهم، فبدأوا في تكفير الاشتراكيين والشيوعيين وشيطنتهم في المجتمع العربي والإسلامي لا لذنب سوى أن هذا المد الاشتراكي يعادي رجل الدين ويذكره بخطاياه الكارثية في الماضي
خامس وعشرون: الإخوان المسلمون تأسسوا في البداية كجمعية دينية لكنها تحولت للسياسة بأمر حسن البنا وصمت الملك فؤاد ومباركة حزب الوفد الذي رأى في الإخوان حلفاء ضد جمعية "مصر الفتاة" التي تحولت هذا التوقيت أيضا لحزب سياسي منافس ينادي بالاشتراكية ، وكان من هؤلاء الرئيس جمال عبدالناصر..
سادس وعشرون: كانت مصر في ثلاثينات وأربعينيات القرن العشرين مسرحا لمواجهات بين (الشيوعيين والقوميين والاشتراكيين + حزب مصر الفتاة) من جانب، ضد (الشيوخ والأصوليين والإخوان المسلمين والقصر الملكي + حزب الوفد) من جانب آخر، ومن يقرأ صراعات هذه الحقبة على ذلك النحو يفهم ما حدث بوضوح..
سابع وعشرون: اشتعلت الحرب العالمية الثانية وانتهت بانتصار زعماء الاشتراكية والرأسمالية في العالم، لكن كلاهما له موقف عدائي ضد الرأسمالية المتوحشة وهو النظام العالمي السائد منذ هذا التوقيت إلى اليوم، ويكافح السلفيون والشيوخ لتغييره إلى نظام الخلافة لإحياء التوحش الرأسمالي من جديد
ثامن وعشرون: نظام الخلافة عند الشيوخ ليس إسلاميا ولكنه موروث من العصرين الأموي والعباسي كتجربة حكم، جعلوه إسلاميا ليُعيدوا هذا التحالف بين (رجل الدين + الأعيان + السلطة) وهو التحالف الشيطاني الملعون الذي أنتج الدولة الدينية الكهنوتية في التاريخ وحرم معظم الشعوب من حقوقها الأساسية
تاسع وعشرون: الآن يكافح معظم الشيوخ لإحياء نظام الخلافة، فهو من ناحية يُعيد السلطة مرة أخرى لرجل الدين، ومن ناحية أخرى ينتقموا من الاشتراكيين الذين كانوا سببا في (تقليص ثرواتهم بالماضي) والناظر لأحوال الفقهاء يجد ثرواتهم ما زالت مرتفعة ويستغلوها في الدعايا والسيطرة والسياسة أكثر
ثلاثون وأخيرا: الإصلاح الديني وشيوع الفكر والاجتهاد لن يكونوا سوى بفهم العلاقة بين (رجل الدين والرأسمالية المتوحشة) على هذا النحو الذي شرحته، أو بطريقة أخرى تربط بين حكم الأئمة وشيوع الظلم الطبقي، ومن ثم يكون القرار الفوري بإبعاد هذه الفئة عن السياسة ومقاومة تغولهم في المجتمع..

جاري تحميل الاقتراحات...