زرياب العربي ؛-
اللذي تعلم منه الغرب فن اللباس والموسيقى و طريقة الأكل ؟.
أبو الحسن علي بن نافع الموصلي ، المولود 173 هجرية في مدينة الموصل .
موسيقي ومطرب نشأ في بلاد الرافدين زمن الخليفة العباسي هارون الرَّشيد.
كانت إسهامات زرياب كبيرة وبارزة في الموسيقى العربية والشرقية.
لُقِّب بـزرياب لعذوبة صوته وفصاحة لسانه ولون بشرته ، وهو اسم لطائر الشحرور . كان عبقري الموسيقى متعدد المواهب ، ومبتكر فن الذوق العام والذي يسمى اليوم بـ “الإتيكيت”، والذي مثل حلقة وصل هامة في نقل مظاهر الحضارة الإسلامية والشرقية إلى الأندلس ومنها إلى أوروبا والعالم أجمع.
نشأ في بغداد وكان تلميذاً للموسيقار والشاعر والمغنيي إسحاق ابن ابراهيم الموصلي المتوفي 235 هجرية ، فأتقن فن الغناء، قدمه إسحاق للخليفة هارون الرشيد فاستأذن من الخليفة بأن يغني فأذن له:
يا أيها الملك الميمون طائره هارون راح إليك الناس وابتكروا
إلى أن أكمل نوبته، ففرح الرشيد به ؟.
وتعجب منه فطلب من إسحاق أن يعتز به، إلا أن إسحاق داخله الحسد والحقد فهدد زرياب وخيّره إما أن يخرج من بغداد أو أن يغتاله، فخرج زرياب إلى الشام ثم إلى شمال إفريقيا وأقام ردحاً من الزمن في بلاط بني الأغلب في القيروان إلى أن قرر التوجه إلى الأندلس.
فكتب إلى أمير قرطبة الحكم بن هشام الأموي، عارضا خدماته، فوافق الأمير فورا . وصل زرياب إلى الأندلس بعد وفاة الحكم رحمه الله فوجد جد خليفته عبد الرحمن الثاني، وبعد أن دخل بلاط الخليفة وأصبح من حاشيته و غنى بحضرته ، فشغف الخليفة به وقرّبه وأصبح نديمه و أقرب الناس إليه.
فاشتهر زرياب في الأندلس و لقب زرياب بالقرطبي إذ بدأ نشاطه في مدينة قرطبة فأسس أول معهد موسيقي و أول مدرسة أسست لتعليم علم الموسيقى والغناء وأساليبها وقواعدهافي التاريخ وهي :-
دار المدنيات للغناء وللموسيقى في قرطبة .
يضم أبنائه الثمانية وابنتيه إضافة إلى عدد آخر من المغنين .
قام الموسيقار والمطرب زرياب بنقل الكثير من الأشياء إلى الأندلس غير الغناء والموسيقى.. فهو الذي نقل أجمل ما في بغداد إليها . وهو الذي نقل أحسن الأقمشة وأزهى الألوان من بيوت الخلفاء إلى بيوت النبلاء.
ولم يكن أثره مقصوراً على تطوير الموسيقى والغناء ، فسحر الناس بجمال صوته وأدائه وإعجاز فنه، وتبحره فيه، فقيل أن ما حفظه تجاوز ألوف الألحان و الأغاني. بل فتن الناس بآدابه وسعة ثقافته وتنوع معرفته . وكان عالماً بالنجوم. وتقويم البلدان وطبائعها ومناخها، وتشعب بحارها، وتصنيف شعوبها.
اعطى تاريخ الأندلس وكتبه مساحات كبيرة لزرياب فنسبت إليه الرقي بالذوق العام فيها دون غيره ، فوصف بأنه الرجل الأنيق في كلامه وطعامه. وكيف كان يلفت الأنظار إلى طريقته في الكلام والجلوس إلى المائدة أيضا. وكيف يأكل على مهل ويمضغ ويتحدث ويشرب بأناقة.
وكان يضع على مائدته الكثير من المناديل، هذه لليدين وهذا للشفتين وهذا للجبهة وهذا للعنق، وهو أول من لفت أنظار النساء إلى أن مناديل المرأة يجب أن تكون مختلفة اللون والحجم وأن تكون معطرة أيضا.
أدخل زرياب إلى أوروبا وجبات الطعام الثلاثية الأطباق: تبدأ بالحساء (الشوربة)، ثم الطبق الرئيسي ، اللحم، أو السمك، أو الطيور، ثم تختتم بالفواكه والمكسرات، وأسس فيها أول معهد للموسيقى في العالم. وكان له ذوقه الخاص في تنسيق الموائد وتنظيمها واتخاذ الأكواب من الزجاج الرقيق
بدلاً من المعادن، واصطناع الأصص للأزهار من الذهب والفضة. وقد استحسن الناس في الأندلس ذوقه حتى في الأطعمة، فدلٌهم على صنوف محببة منها لم يكونوا على علم بها ؟.
مثل (النقايا) وهو مصطنع بماء الكزبرى محلى بالسنبوسق (نوع من المعجنات المحشوة باللوز والفستق والسكر (يشبه القطائف).
وهو أول من أدخل إلى المطعم الإسباني طعام (الهليون) وهي بقلة لم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله ، وقد سموها بلسانهم (الاسفراج). ومن تلك الأطعمة ما صار منسوباً إليه، معروفاً به. وإلى الآن ينسب إليه نوع من الحلوى في الشرق يسمونه (زلابيه) وهو تحريف عن (زريابيه).
وقد اشتهر عنه إقامة وترتيب وتنسيق الولائم الفخمة وكانت النواة الأولى في فخامة قصور الأندلس وبيوت الأغنياء. و تخير زرياب البساطة والتناسق والرشاقة، وأدخل الشطرنج إلى الأندلس ومنها إلى أوروبا، و (الشاه مات) بالعربية ما زالت مستخدمة في أوروبا والعالم إلى اليوم (Shahmat).
وقد أدخل زرياب على فن الغناء والموسيقى في الأندلس تحسينات كثيرة، فهو السبب في اختراع الموشح فعمم طريقة الغناء على أصول النوبة ، فجعل أوتار العود خمسة مع أنها كانت أربعة .
و أدخل على الموسيقى مقامات كثيرة لم تكن معروفة .
و جعل مضراب العود من ريش النسر بدلاً من الخشب.
وافتتح الغناء بالنشيد قبل البدء بالنقر، كما أنه أول من وضع قواعد لتعليم الغناء للمبتدئين وأهمها ؛-
ميزان الشعر ويقرأ على نقر الدف.
الزخرفة والتغني في الألحان مع الضروب بعد تعلمه الميزان والضرب واللحن. وقد وضع أسسا وقواعد لفحص المبتدئين قبل قبولهم
وقد نقل زرياب من بغداد إلى الأندلس طريقتين في الغناء والموسيقى هما:
طريقة الغناء على أصول النوبة.
تطبيق الإيقاع الغنائي مع الشعري.
فأبدع في تنسيق الألحان، ولا عجب فقد ورث هذا الشعور من أستاذه إسحاق الموصلي الذي ورثه عن أبيه إبراهيم الموصلي وعن عمه أبي لمامه.
لم يأتِ التاريخ العربي على سيرة فنان مثلما أتى على سيرة زرياب الموسيقي الذي عاش فترته الذهبية في الأندلس وطور من الفنون وكتب "النوتات" وزاد العود وتراً خامساً وافتتح معهداً لتعليم الغناء، بل تجاوز الأمر ذلك لتأثيره على أنماط الناس الاجتماعية والصحية
وتأثرهم به على مستوى الأكل والملبس، فكان زرياب أستاذاً أيضاً في الإتيكيت والأناقة، وأصبح في حياته ذو جاه ومال وحظوة ومكانة في البلاط جاوزت الفقهاء والقضاة.
توفي رحمه الله في قرطبة سنة 243 هجرية .