الدراسات الدينية R.S
الدراسات الدينية R.S

@ayedh_RS

16 تغريدة 10 قراءة Dec 27, 2022
المقامرة بالإيمان!
أشار المفكر والرياضي الفرنسي المسيحي المعروف بليز باسكال (1662م) في بعض خواطره، في سياق تقديم بديلٍ أكثر جدوى من أجل إثبات الدين المسيحي ووجود الله، إلى رهانٍ ظن أنه الأنجع في تثبيت الإيمان.
وهذا الرهان جاء في سياق ظرف تاريخي يمثل أزمة كانت تعيشها المسيحية في مواجهة العقلانية اللادينية التي تكتب ضد حجية أدلة وجود الله العقلية. ففي تلك الأثناء ظهرت مجموعة من المفكرين والفلاسفة الدينيين حاولوا إعادة بناء الإيمان من خلال طريق أخرى، لحمايته من التزلزل والانهيار.
كان من بين الذين حاولوا تبرير الإيمان بأي وسيلة، بليز باسكال، الذي انتقد جميع أدلة وجود الله ووصفها بأنها صعبة ولا تؤدي الغرض المطلوب، وحاول أن يجد مستمسكًا تبريريًا يُنقذُ به إيمان إنسان الغربي بالمسيحية، فأتى بما عُرِفَ لاحقًا بـِرهان باسكال أو (رهان المقامرة).
رهان ينبع من روح المسيحية التي تشترط أن يُسبق العقل بالإيمان والتسليم من أجل أن يُتَعَقَّل الإيمان، وهو ما ترفضه العقلانية المؤمنة وغير المؤمنة آنذاك وتطالب بالتعقل ثم الإيمان، ولم يخرج باسكال في رهانه هذا عن السياق المسيحي، لكنه غلق رهانه بقشرة رقيقة.
وهذه نقطة مهمة يجب التنبه لها، وهي أن الرهان له مسحة تشير إلى خلفيته واستعداداته مسيحية. إن رهان باسكال يمثل لحظة الضعف والركاكة في محاولة إثبات وجود الله وتأكيد الإيمان، وهو في جوهره مقامرة، يستهدف أهم أسس للإيمان بالاضطراب، وهي: الثقة واليقين.
وتتلخص فكرة هذا الرهان، أنه: إذا كان الصراع المحتدم بين الإيمان والإلحاد قد تمخض عنه شك عقلاني، تساوت فيه أدلة وجود الله مع عدمه، فإننا حينئذٍ في موضعٍ يشبه موقف الشخص المقامر، الذي يريد أن يشترك في سباق قد يربح فيه وقد يخسر.
وبناء على حسابات ’المنطق الرياضي‘ فإن عليه أن يختار الفرصة الأكثر احتمالاً للربح، لأنه ليس بوسعه إلا أن يختار بينهما، لا يوجد خيار ثالث. ولذلك فإن فرصته الوحيدة هي أن يزيد من فرص الفوز ويقلل من احتمالات الخسارة.
لذا –ففي مسألتنا هذه- عليه أن يؤمن بوجود الله وبالدين، لأنه إن اكتشف بعد الموت أن ثمة وجود إله وجنة ونار فقد فاز فوزًا عظيمًا، وأنقذ نفسه من النار، وإن لم يوجد شيءٌ ألبتة؛ فهو لم يخسر شيئًا!
ظن باسكال أنه نجح في الحفاظ على الإيمان، ولم يعرف أنه زاد الطين بله، وأن الملحدين لم يتكلفوا كثيرًا في نقض رهانه، والسخرية منه، حيث إن الإيمان ليس موقفًا يقامر عليه، وفق معادلة احتمالات الرغبة في الربح، فحقيقة الإيمان أنه معتقد هو صواب وحق في نفسه، يقطع به المؤمن دون شك أو ريب.
كما أن رهان باسكال يقوم على البرجماتية والمصلحة الذاتية، كما وصفه ويليام جيمس، لا على الثقة والتصديق والتسليم الذي هو أخص صفات الإيمان. وهذه الحسابات الاحتمالية تنقض مبدأ الإيمان، وهي في ذاتها متهالكة.
وقد أشار لهذا المبدأ قبل باسكال الشاعر الساخر أبو العلاء المعري بانتهازية، حين قال:
زعم المنجم والطبيب كلاهما
لا تبعث الأموات قلت: إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر
أو صح قولي فالخسار عليكما
لقد جاء رهان باسكال كمحاولة يائسة، حاول بها الحفاظ على الإيمان، بصيغة قائمة على احتمال انتهازي، وليس على مثل ذلك يقام الإيمان، فالإيمان ليس مقامرة، ليكون إيمان الملحد الرغبة في الربح المحتمل وليس الإيمان أو اليقين، وتكون عباداته برغماتية لرغبته في ربح الرهان والنجاح في المقامرة!
يقول فردريك كوبلستون: "قد يقال إن المراهنة على الله تعنى المجازفة بما هو مؤكد ويقيني في سبيل ما هو غير مؤكد وغير يقيني؛ فالمجازفة من أجل خير متناه في سبيل خير لا متناه مؤكد مفيدة بصورة واضحة، ولكن اليقين بالخسارة يعادل إمكان الكسب عندما لا يكون هناك شك في التخلي=
=عن خير متناه مؤكد في سبيل خير لا متناه غير مؤكد. وفي هذه الحالة يكون الإبقاء على ما يمتلكه المرء بالفعل وبصورة مؤكدة أفضل من التخلى عنه من أجل خير لا متناه عندما لا يعرف بصورة أكيدة أن هناك خيراً لا متناهيا يمكن أن يكسبه".
ورد باسكال على هذا الاعتراض كان بتقرير: "أن كل مراهن يقامر بيقين ليكسب عدم يقين، وإذا لم يفعل المرء شيئًا سوى ما هو مؤكد ويقيني، فإنه ينبغى ألا يفعل شيئا للدين؛ لأنه ليس مؤكداً ويقينيا"!
ويعلق فردريك كوبلستون بأن "كلمات باسكال تتضمن –أحيانًا- بالفعل أن الدين يعوزه التدعيم العقلي". وهذه إشارة تعكس أزمة تعيشها المسيحية في الغرب زمن باسكال. وبحق ما قاله ويليام جيمس: "[رهان باسكال] قصاصة السلاح اليائسة الأخيرة ضد قلوب غير المؤمنين القاسية".

جاري تحميل الاقتراحات...