1
لص الاستهلاك سرق منا خلسة جزءا كبيرا ونفيسا من حاضرنا.
أحيانا وأنا أنظر لحجم الاستهلاك الذي وصلنا إليه-ولا أستثني نفسي- اسائل نفسي أي ذكرى ترانا نصنع لأنفسنا ولأبنائنا هل هو الجري؟
الخوف؟
أم لعلها ضوضاء المطاعم والمحلات؟
مالذي نفعله بحاضرنا والآتي؟
نحن الذين أصبحنا
لص الاستهلاك سرق منا خلسة جزءا كبيرا ونفيسا من حاضرنا.
أحيانا وأنا أنظر لحجم الاستهلاك الذي وصلنا إليه-ولا أستثني نفسي- اسائل نفسي أي ذكرى ترانا نصنع لأنفسنا ولأبنائنا هل هو الجري؟
الخوف؟
أم لعلها ضوضاء المطاعم والمحلات؟
مالذي نفعله بحاضرنا والآتي؟
نحن الذين أصبحنا
2
شركاء في الازدحام والاصطفاف في الطوابير، كلنا نجري خيفة فوات الفرصة..خيفة نفاد الرغيف..خيفة إغلاق المحل الفلاني.. و إذا ما اصطفت أمامنا الخيارات وأُشرعت وإذ بسيناريو الحيرة، التردد والشتات يأتينا على عجل هو الآخر يخبُر فوضى الاهتمامات والرغبات في دواخلنا..
شركاء في الازدحام والاصطفاف في الطوابير، كلنا نجري خيفة فوات الفرصة..خيفة نفاد الرغيف..خيفة إغلاق المحل الفلاني.. و إذا ما اصطفت أمامنا الخيارات وأُشرعت وإذ بسيناريو الحيرة، التردد والشتات يأتينا على عجل هو الآخر يخبُر فوضى الاهتمامات والرغبات في دواخلنا..
3
نحن الذين نريد كل شيء من أي شيء، لا سقف لحاجاتنا؛ نريد من هذا وذاك احتجنا إليه أم لا. لا يهم إطلاقا، ما يهم أن يكون ملك اليد وإن كان مستقره الأخير هو القمامة لربما!
لا شيء عاد يسرنا لا من القلة أو الكثرة..كل شيء أصبح مريبا منزوع البهجة،
نسير في الطرقات والتأفف لا يغادر
نحن الذين نريد كل شيء من أي شيء، لا سقف لحاجاتنا؛ نريد من هذا وذاك احتجنا إليه أم لا. لا يهم إطلاقا، ما يهم أن يكون ملك اليد وإن كان مستقره الأخير هو القمامة لربما!
لا شيء عاد يسرنا لا من القلة أو الكثرة..كل شيء أصبح مريبا منزوع البهجة،
نسير في الطرقات والتأفف لا يغادر
4
محيانا من ذاك الذي سرق الدور..والآخر الذي عجل صاحب المحل لخدمته وترك باقي الزبناء في الانتظار..
هذا الروتين الممل الخانق أصبح هو ما يشكل دقائق يومنا من الصباح وحتى المساء!
أتذكر ليالي العيد، هناك حيث كان يمتلئ الحي عن آخره بالصغار نلعب و نتهافت فرحة بالغد حيث سيتسنى لنا أخيرا
محيانا من ذاك الذي سرق الدور..والآخر الذي عجل صاحب المحل لخدمته وترك باقي الزبناء في الانتظار..
هذا الروتين الممل الخانق أصبح هو ما يشكل دقائق يومنا من الصباح وحتى المساء!
أتذكر ليالي العيد، هناك حيث كان يمتلئ الحي عن آخره بالصغار نلعب و نتهافت فرحة بالغد حيث سيتسنى لنا أخيرا
5
ارتداء الملابس الجديدة المعلقة لفترة من الزمن داخل الخزانة، بعدما طال بنا الأمد ونحن نسترق مجرد النظر إليها بين الحين والآخر تحت شعار "ممنوع اللمس حتى إشعار آخر"، بروح الصبا نتوق لارتدائها ونحزن في الآن ذاته؛ إذ ارتداؤها يساوي انتهاء ليالي رمضان، التراويح،
ارتداء الملابس الجديدة المعلقة لفترة من الزمن داخل الخزانة، بعدما طال بنا الأمد ونحن نسترق مجرد النظر إليها بين الحين والآخر تحت شعار "ممنوع اللمس حتى إشعار آخر"، بروح الصبا نتوق لارتدائها ونحزن في الآن ذاته؛ إذ ارتداؤها يساوي انتهاء ليالي رمضان، التراويح،
6
وانتظار آذان المغرب بلهفة!
الأمر الذي كان يبعث على بعض الحزن في قلوبنا..وهو ماكنا نتحاشاه ما استطعنا.
بينما كنا صغارا لم نكن نعلم أن أمهاتنا وهن يعددن الحلوى كنّ يصنعن لنا الذكرى التي سنحملها معنا في قابل الأيام، نعم، تلك الحلوى المكورة البسيطة أمدتنا بطفولة محملة بالمعنى
وانتظار آذان المغرب بلهفة!
الأمر الذي كان يبعث على بعض الحزن في قلوبنا..وهو ماكنا نتحاشاه ما استطعنا.
بينما كنا صغارا لم نكن نعلم أن أمهاتنا وهن يعددن الحلوى كنّ يصنعن لنا الذكرى التي سنحملها معنا في قابل الأيام، نعم، تلك الحلوى المكورة البسيطة أمدتنا بطفولة محملة بالمعنى
7
لاتزال معنا حتى اللحظة.
و حتى من فاته خبر " العيد غدا" كان يدرك ذلك بنفسه عندما يرى فرن الحي وقد امتلأ عن آخره لساعات متأخرة من الليل وهو يستقبل صواني الحلويات، والجارات بعضهن يذيق بعضا مما صنعن بأيمانهن..
أما اليوم جرب أن تسير ليلة العيد في الشوارع والزقاق، الق نظرة عن يمينك
لاتزال معنا حتى اللحظة.
و حتى من فاته خبر " العيد غدا" كان يدرك ذلك بنفسه عندما يرى فرن الحي وقد امتلأ عن آخره لساعات متأخرة من الليل وهو يستقبل صواني الحلويات، والجارات بعضهن يذيق بعضا مما صنعن بأيمانهن..
أما اليوم جرب أن تسير ليلة العيد في الشوارع والزقاق، الق نظرة عن يمينك
8
وشمالك.. لعلك سترى الكل يسير من حولك مهرولا!
لكن إلى أين؟ هل يحمل بين يديه آنية حلوى معدة لتوها؟
لن تتأخر كثيرا حتى تعلم الإجابة بنفسك عندما تمر أمام إحدى المحلات لبيع الحلوى، ستختنق وانت ترقب من بعيد تلك الحشود من الناس المصطفة على أعتابها تدفع بعض الدراهم مقابل علبة تحوي
وشمالك.. لعلك سترى الكل يسير من حولك مهرولا!
لكن إلى أين؟ هل يحمل بين يديه آنية حلوى معدة لتوها؟
لن تتأخر كثيرا حتى تعلم الإجابة بنفسك عندما تمر أمام إحدى المحلات لبيع الحلوى، ستختنق وانت ترقب من بعيد تلك الحشود من الناس المصطفة على أعتابها تدفع بعض الدراهم مقابل علبة تحوي
9
قطعا تشبه أو لعلها أجمل بكثير من تلك التي صنعتها أمي وأمك بالأمس وصفّتها في الصواني لتطهى على مهل في فرن بيتكم أو الحي، نفس القطع الساخنة التي جربت أن تتذوق إحداها لجمال رائحتها لكنها لشدة سرعتك احرقت لسانك وأهدتك ذكرى..هي نفسها يمكنك اليوم أن تتذوقها وأنت هانئ البال دون أن
قطعا تشبه أو لعلها أجمل بكثير من تلك التي صنعتها أمي وأمك بالأمس وصفّتها في الصواني لتطهى على مهل في فرن بيتكم أو الحي، نفس القطع الساخنة التي جربت أن تتذوق إحداها لجمال رائحتها لكنها لشدة سرعتك احرقت لسانك وأهدتك ذكرى..هي نفسها يمكنك اليوم أن تتذوقها وأنت هانئ البال دون أن
10
تخاف مثقال ذرة أن تحرقك..لأنها أساسا باردة!
باردة شحيحة إلا مِن شيءٍ واحد: إكرامك بإعفائك من الاحتراق، فأهدتك قطعة جاهزة منزوعة المعنى.
وأي معنى ذلك في الاحتراق تراه يكون؟
احتراق لسانك يعني الحضور، الآن، الاحتراق هو ترجمان لحظات الاعداد، الانتظار؛ انتظار القطع وهي تتحمر
تخاف مثقال ذرة أن تحرقك..لأنها أساسا باردة!
باردة شحيحة إلا مِن شيءٍ واحد: إكرامك بإعفائك من الاحتراق، فأهدتك قطعة جاهزة منزوعة المعنى.
وأي معنى ذلك في الاحتراق تراه يكون؟
احتراق لسانك يعني الحضور، الآن، الاحتراق هو ترجمان لحظات الاعداد، الانتظار؛ انتظار القطع وهي تتحمر
11
الواحدة تلو الأخرى حتى تطعم بإحداها وتستلذ..
اما اليوم فقد امتلأت الجيوب، أُطفئت مواقد البيت، تفرق المجموع، وامتلأت المطاعم والمحلات في الخارج!
صحيح ملابسنا الأنيقة بالأمس كانت معدودة، حلوانا وأطباقنا كانت عادية وبسيطة..إلا أنها كانت تهدينا مع كل قطعة أو لقيمة الكثير
الواحدة تلو الأخرى حتى تطعم بإحداها وتستلذ..
اما اليوم فقد امتلأت الجيوب، أُطفئت مواقد البيت، تفرق المجموع، وامتلأت المطاعم والمحلات في الخارج!
صحيح ملابسنا الأنيقة بالأمس كانت معدودة، حلوانا وأطباقنا كانت عادية وبسيطة..إلا أنها كانت تهدينا مع كل قطعة أو لقيمة الكثير
12
من الدفء والمعنى
صحيح أن ما نريده اليوم بتنا لربما نتحصل عليه في دقائق معدودة من هذا المحل أو ذاك، لكن ما قدمناه مقابل ذلك لم يكن مجرد دراهم معدودة
امتلأت الجيوب لربما..لكن لص الاستهلاك سرق منا خلسة جزءا كبيرا و نفيسا من حاضرنا.
أهكذا تُصنع الذكرى
كوثر الفراوي
من قراءة اليوم
من الدفء والمعنى
صحيح أن ما نريده اليوم بتنا لربما نتحصل عليه في دقائق معدودة من هذا المحل أو ذاك، لكن ما قدمناه مقابل ذلك لم يكن مجرد دراهم معدودة
امتلأت الجيوب لربما..لكن لص الاستهلاك سرق منا خلسة جزءا كبيرا و نفيسا من حاضرنا.
أهكذا تُصنع الذكرى
كوثر الفراوي
من قراءة اليوم
جاري تحميل الاقتراحات...