عبدالمحسن السبهان
عبدالمحسن السبهان

@abdmsn_alsabhan

29 تغريدة 17 قراءة Dec 21, 2022
حاتم الطائي - عفيف
كان عفيفًا عن كل ما يشين، وكف نفسه عن المطامع، وصانها عن الدنيّات. وبين الاقتصاد والإسراف في حديث الغواني يرتفع صوت حاتم علويًا جليلا، يتخطى قيم العصر الوثني، مُرهصًا بقيم نبيلة، سيدعو إليها الإسلام بعدُ:
إذا ما بتُّ أختل عِرْس جاري
ليخفيَني الظلام فلا خفيتُ.
٢ أي جُرْم أشنع من أن يخون الإنسان جاره، يعتمد على ما بينهما من قرب وجوار، يسهلان له التردد على الجار وعِرْفان أحاول بيته، ثم يتسلل إليه في بهيم الظلام ليصل إلى زوجه، فيفضح المرأة، ويغدر بجاره الذي اطمأن إليه وائتمنه، ليس هذا من فعل "الكريم":
كريمٌ لا أبيتُ الليل جاذٍ
أعدد…
٣ كريمٌ لا أبيتُ الليل جاذٍ
أعدد بالأنامل ما رُزِيتُ
أأفضح جارتي وأخون جاري
مَعاذ الله أفعل ما حييتُ.
٤ وبلغ من استحيائه من جاراته، وحفاظه على شرفهن، وعدم خدش حيائهن، ودرء شبهة التقرب إليهن، أنه ما مر بإحداهن إلا وتغافل أو تعامى، كأنه لا يراها أو لا يعرفها:
وما أنا بالماشي إلى بيت جارتي
طُرُوقًا أحيّيها كآخرِ جانِبِ.
٥ وبلغ من تعفف حاتم أنه أغمض عينيه وأغلق سمعه، فلم يتطلع من كُوَى منزله إلى جاراته، ولم يتابع أخبار فلانة أو فلانة ليتعرف أسرارها، فهذا شر شيء يأتيه الرجال، فأسقاطهم لئامهم لا هَم لهم إلا تعقب النساء، والنيل منهن لتحقيق مآربهم الخبيثة، متناسين ما يوجبه الجوار من العفة وعدم الغدر:
٦ إِذا أَوطَنَ القَومُ البُيوتَ وَجَدتَهُم
عُماةً عَنِ الأَخبارِ خُرقَ المَكاسِبِ
وَشَرُّ الصَعاليكِ الَّذي هَمُّ نَفسِهِ
حَديثُ الغَواني وَاِتِّباعُ المَآرِبِ.
٧ ولقبح ذلك الفعل وشناعة تَسَقُّط أَخبار الجارات؛ أقسم حاتم ألا يأتيه ما عاش:
فَأَقْسَمتُ لا أَمشي على سِرِّ جارتي
يدَ الدَّهرِ ما دامَ الحَمَامُ يُغَرِّدُ.
٨ وإذا كان هَمّ لئام الرجال هو حديث الغواني وفضيحتهن وخَتْل أزواجهن، فإن همّ حاتم هو رعايتهن -خاصة في غياب أزواجهن- ومدُّهن بما يحتجن إليه، فلا يطرق بابهن ليلًا لريبة، وإنما حرصًا على إبائهن، فلا يرى من حولهن ما قدّم لهن:
لا نَطرُقُ الجاراتِ مِن بَعدِ هَجعَةٍ
مِنَ اللَيلِ…
٩ لا نَطرُقُ الجاراتِ مِن بَعدِ هَجعَةٍ
مِنَ اللَيلِ إِلّا بِالهَدِيَّةِ تُحمَلُ
وَلا يُلطَمُ اِبنُ العَمِّ وَسطَ بُيوتِنا
وَلا نَتَصَبّى عِرسَهُ حينَ يَغفُلُ.
١٠ فحاتم إذن لا يختل جاره عن زوجه، ولا يتصبّاها حين يغيب. أبعد هذا مراعاة لحق الجار تفوق ما فعله حاتم؟ أفوق هذه العفة مرتبة يطمح إليها طامح؟ قد يمسك الإنسان عن فعل شيء خوفًا أو رهبة، فيمتنع الرجل عن صلة النساء متظاهرًا بالتعفف، وقد تكون حقيقة امتناعه أن الفرصة لم تمكنه، أما إذا
١١ أما إذا توافرت الدواعي، ونهجت سبل الإغراء، سقط القناع المصطنع. أما العفيف حقًا فاستعصم مهما كانت قوة الاغراء؛ لأن العفة إحدى شمائل "الكريم"، وكذلك حاتم، فكم من امرأة بيضاء الجسم، لدنة العود، صبيحة الوجه، يُشتهى وصالها، تصدت لحاتم ودعته إليها، فأبى، واستحى أن يدير الأمر بفكره،
١٢ أليس خِدْنًا لزوجها؟ أيخون صديقه؟ كلا "فالحق يعرفه الكريم":
رب بيضاء فَرْعها يتثنَّى
قد دعتني لوصلها فأبَيتُ
لم يكن بي تحرّج غير أني
كنتُ خدْنًا لزوجها فاستحيْتُ.
١٤ النعمان ابن المنذر ينزل عليها من يريد إكرامه، فأعجبتها وسامة حاتم؛ فراودته عن نفسه، فسّوف وماطل، فأرادت أن تلينه فأتته بخمر، فجعل يتظاهر بشربها، وهو يُرِيقها، ولا تراه تحت الليل، ثم استاذنها في الذهاب ساعة من الوقت، فأذنت له، فلم يعد إليها. وقال شعرًا يذكرها فيه:
١٥ "وما حبس نفسه عن الريبة، وأنه عفيف ليس ممن يأتي الريب".
وهذه العفة تظهر أوضح ما يكون في شعر حاتم الغزلي، فالصفات الحسية للمرأة تكاد تنعدم، حتى ليقترب شعره كثيرًا من شعر المتيمين والعذريين، ولعل ذلك هو السبب في أن حاتمًا لم يهتم كثيرًا بالمقدمات الغزلية،
١٦ تخلّص منها في أكثر قصائده، أما القصائد القليلة التي بدأها بالمقدمة الغزلية، فهذه المقدمة غالبًا ما تكون قصيرة خاطفة لا تتجاوز البيتين، يذكر حاتم المرأة ذكر رجلٍ لا تلهيه النساء ولا تفتنه، فالقصيدة الثلاثون تبدأ بمقدمة غزلية من بيت واحد:
ألا إنني قد هاجني الليلة الذِّكَرْ…
١٧ ألا إنني قد هاجني الليلة الذِّكَرْ
وما ذاك من حبّ النساء ولا الأشرْ
ولكنني مما أصاب عشيرتي
….. ….. ….. ….. …..
١٨ وكما كان حاتم عفيف الإزار، كان عفيف النفس، قنوعًا غير نهم ولا أكول، وإذا تفنن الرجال في ألوان طعامهم وطهيه، وجعلوا فيه التوابل اشتهاء له، وأطفؤوا عَيْمَتهم بجرع اللبن، فإن حاتمًا يقنع بقليل الطعام وخشنه، ويكتفي بالماء:
إذا كنتَ ذا مال كثير موجَّهًا
تُدَقُّ لك الأفْحاءُ…
١٩ إذا كنتَ ذا مال كثير موجَّهًا
تُدَقُّ لك الأفْحاءُ في كلِّ منزلِ
فإن نزيعَ الجَفْرِ يُذهب عَيْمَتِي
وأبلغُ بالمَخْشوب غير المفلفلِ.
فالإنسان إذا لم يكن همه في هذه الحياة سوى إرضاء شهواته، فيصبو إلى النساء، ويقبل في نهم الطعام، كان خسيسًا متهتكًا، جشعًا، خليقًا بالذم:
٢٠ وإنكَ مهما تُعطِ بطنَك سُؤله
وفَرجك نالا منتهى الذمِّ أجمعا.
وبلغ من تعفف حاتم أنه ما آكل أناسًا إلا وأصاب اقل قدر من الطعام، كلما مدُّوا أيديهم مرات إليه مدَّ يده مرة على استحياء، يخزى أن يرى أصحابه مكان يده من الإناء خاليًا من الطعام، ويترك الخوان ولم ينل من الزاد شيئًا
٢١ شيئًا يذكر، ويقضي ليله خميص البطن، وعلى ما في ذلك من ألم، فهو إليه أحب من أن يأكل كما يأكلون حتى يتضَلّع شِبَعًا، فيصير مادة لتندر المجلس وسمره:
وإني أستحيي صحابيَ أن يروا
مكان يدي من جانب الزاد أقْرعا
أقصر كفِّي أن تنال أكفَّهم
إذا نحن أهوينا وحاجتنا معا
أبيتُ…
٢٢ أبيتُ خميص البطن مُضطَمِرَ الحشا
حياءً أخاف الذم أن اتضلَّعا.
ولقد كان الطعام طيبًا، والزاد مُشْتَهى، ولكنه آثر أن يطوي على الخِمْص الحوايا، فهذا من سمة "الكريم"؛ والكريم ينزِّه نفسه عما يشينها، وعما هو بخلق "اللئيم" أشبه:
لقد كنت أطِوي البطن والزَّادُ يُشْتَهَى
مخافة…
٢٤ فلم يأتِ عملًا دنيًّا، فهذا شيء لا يرتضيه من أراد لنفسه السموّ:
فمهلا فداك اليوم أمي وخالتي
فلا يأمرني بالدنِيَّة أسْوَدُ
على حين أن ذكَّيْتُ واشتد جانبي
أُسام التي أعيَيْتُ إذ أنا أَمْرَدُ
كذاك أمور الناس: راضٍ دنيّةً
وسامٍ إلى فَرْع العلا مُتَوَرِّدُ.
٢٧ وبيّن -سبحانه وتعالى- مَغَبّة الزنى وعقوبته الوخيمة. وكل ذلك مشهور معروف لا يحتاج إلى بيان، وإنما قصدت بذكر بعض شواهده الربط بينه وبين عفة حاتم.
٢٨/٢٨ تمّت. - المرجع: كتاب: (ديوان شعر حاتم الطائي وأخباره)، صنعة: يحيى بن مدرك الطائي، رواية: هشام بن محمد الكلبي، دراسة وتحقيق: د. عادل سليمان جمال. آمل أن يحوز هذا المبحث على رضاكم، وينال إعجابكم.
١٣ ولم يصدق حاتم فحسب حين قال لابنه عَدِيّ: "والله ما خاتلتُ جارةً لي قط أريدها عن نفسها"، بل بخس نفسه حقها، ووفاء لما بينه وبين أزواجهنَّ من صداقة، بل كان عفيفًا مع كل النساء جاورهنَّ أم لم يجاورهنَّ. كانت ماوِيّة بنت عَفْزَر امراة بالحِيرة، جميلة واسعة الثراء، وكان النعمان
٢٥ أرأيت إلى عفة حاتم؟ أو دعا الإسلام الرجال إلى شيء أكثر من هذا؟ لقد أمرهم -عز وجل- أن يغضّوا أبصارهم، وأن يحفظوا فروجهم: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}. صدق الله العظيم. وجعل حفظهم لفروجهم سبيلًا لفلاحهم، وقرن بين ذلك وبين…
٢٦ ركنين أساسين من أركان الفرائض؛ وهما: الصلاة والخشوع فيها، وإيتاء الزكاة: {قد أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هم عن اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هم لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هم لِفُروجِهِمْ حَافِظُونَ}. صدق الله العظيم.
٢٣ لقد كنت أطِوي البطن والزَّادُ يُشْتَهَى
مخافة يومًا أن يقال: لئيمُ.
هكذا كان حاتم، عفَّ عن كل ما يدنس نفسه. وعفته كجوده حقيقية غير متصنعة؛ لأنهما دعامتان أساسيتان في صرح "كرمه"، وهي -كسائر صفاته- لازمته منذ أن كان شابًّا يافعا، ولم يتنحّلها بأُخَرة حين علاه الشيب واستحكم،

جاري تحميل الاقتراحات...