* الجزء الثاني : في العشق والإلف وجملة الكلام في اللذّة 🗞💊
فنقول: إن العُشّاق يجاوزون حدّ البهائم في عدم ملكة النفس وزمّ الهوى وفي الانقياد للشهوات. وذلك أنهم لم يرضوا أن يصيبوا هذه الشهوة، أعني لذّ الباه - على أنها من أسمج الشهوات وأقبحها عند النفس الناطقة التي هي الإنسان على
فنقول: إن العُشّاق يجاوزون حدّ البهائم في عدم ملكة النفس وزمّ الهوى وفي الانقياد للشهوات. وذلك أنهم لم يرضوا أن يصيبوا هذه الشهوة، أعني لذّ الباه - على أنها من أسمج الشهوات وأقبحها عند النفس الناطقة التي هي الإنسان على
الحقيقة - من أيّ موضع يمكن إصابتها منه، حتى أرادوها من موضع مّا بعينه فضمّوا شهوةً إلى شهوة وانقادوا وذّلوا للهوى ذلاً على ذلّ وازدادوا له عبوديةً إلى عبوديّة. والبهيمة لا تصير من هذا الباب إلى هذا الحدّ ولا تبلغه، ولكنها تصيب منه بقدر ما لها في الطبع مما تطرح به عنها ألم المؤذي
المَّهيج لها عليه لا غير، ثم تصير إلى الراحة الكاملة منه. وهؤلاء لمّا لم يقتصروا على المقدار البهيمي من الانقياد للطباع، بل استعانوا بالعقل - الذي فضّلهم الله على البهائم وأعطاهم إيّاه ليروا مساوئ الهوى ويزمّوه ويملكوه - في التسلُّق على لطيف الشهوات وخفّيها والتحُّيز لها
والتّفوق فيها، وجب عليهم وحقَّ لهم ألاّ يبلغوا منها إلى غاية ولا يصيروا منها إلى راحة، ولا يزالوا متأذّين بكثرة البواعث عليها ومتحسِّرين على كثرة الفائت منها غير مغتبطين ولا راضين - لنزوع أنفسهم عنها وتعلُّق أمانيهم بما فوقها وبما لا نهاية له منها - بما نالوه أيضاً وقدروا عليه
منها.
ونقول أيضاً: إن العُشّاق مع طاعتهم للهوى وإيثارهم اللذّة وتعبدَّهم لها يحزنون من حيث يظنون أنهم يفرحون، ويألمون من حيث يظنون أنهم يلذّون. وذلك أنهم لا ينالون من ملاذهم شيئاً ولا يصلون إليه إلاّ بعد أن يمسّهم الهمّ والجهد ويأخذ منهم ويبلغ إليهم. وربما لم يزالوا من ذلك في
ونقول أيضاً: إن العُشّاق مع طاعتهم للهوى وإيثارهم اللذّة وتعبدَّهم لها يحزنون من حيث يظنون أنهم يفرحون، ويألمون من حيث يظنون أنهم يلذّون. وذلك أنهم لا ينالون من ملاذهم شيئاً ولا يصلون إليه إلاّ بعد أن يمسّهم الهمّ والجهد ويأخذ منهم ويبلغ إليهم. وربما لم يزالوا من ذلك في
كُرَب منُصِبة وغُصَصٍ متصلة من غير نيل مطلوبٍ بتّةً. والكثير منهم يصير لِدوام السهر والهم وفقد الغذاء إلى الجنون والوسواس وإلى الدِقّ والذبول. فإذا هم وقعوا من حِبال اللذة وشِباكها في الرديء والمكروه، وأدتّهم عواقبها إلى غاية الشقاء والتهلكة. وأمّا الذين ظنّوا أنهم ينالون لذّة
العشق كَمَلاّ ويصيبونه مّمن ملكوه وقدروا عليه فقد غلطوا وأخطئوا خطاً بيّناً. وذلك أنّ اللذّة إنما تكون إذا نيلة بمقدار بلاغ ألم المؤذي الباعث عليها الداعي إليها، ومَن ملك شيئاً وقدر عليه ضعف فيه هذا الباعث الداعي وهدأ وسكن سريعاً. وقد قيل قولاً حقّاً صدقاً إنّ كل موجود مملوك وكل
ممنوع مطلوب ونقول أيضا: إن مفارقة المحبوب أمر لا بد منه اضطرارا بالموت، وإن سلم من سائر حوادث الدنيا وعوارضها المبددة للشمل المفرقة بين الأحبة. وإذا كان لا بد من إساغة هذه الغصة وتجرع هذه المرارة فإن تقديمها والراحة منها أصلح من تأخيرها والانتظار لها، لأن ما لا بد من وقوعه متى
قُدّم أُزِيحَ مؤونة الخوف منه مدة تأخيره. وأيضا فإن منع النفس من محبوبها قبل أن يستحكم حُبّه ويرسخ فيها ويستولي عليها أيسر وأسهل. وأيضا فإن العشق متى انضم إليه الإلف عسر النزوع عنه والخروج منه، فإن بلية الإلف ليست بدون بلية العشق، بل لو قال قائل إنه أوكد وأبلغ منه لم يكن مخطئا،
ومتى قصرت مدة العشق وقل فيه لقاء المحبوب كان أحرى أن لا يخالطه ويعاونه الإلف. والواجب في حكم العقل من هذا الباب أيضا المبادرة في منع النفس وزمِّها عن العشق قبل وقوعها فيه، وفطمها منه إذا وقعت قبل استحكامه فيها.
وهذه الحجة يقال إن أفلاطون الحكيم احتج بها على تلميذ له بلى بحب جارية فأخل بمركزه من مجلس مدارس أفلاطون. فأمر أن يطلب ويؤتى به، فلما مثل بين يديه قال أخبرني يا فلان هل تشك في أنه لا بد لك من مفارقة حبتك هذه يوما ما؟ قال ما أشك في ذلك. فقال له فلاطن فاجعل تلك المرارة المتجرعة في
ذلك اليوم في هذا اليوم، قال ما أشك في ذلك. فقال له أفلاطون فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم، وأزح ما بينهما من خوف المنتظر الباقي بحاله الذي لابدّ من مجيئه وصعوبة معالجة ذلك بعد الاستحكام وانضمام الإلف إليه وعَضْدِه له. فيقال إنّ التلميذ قال لأفلاطون إنّ ما تقول أيها
السيد الحكيم حقٌ، لكني أجدُ انتظاري له سلوةً بمرور الأيام عنّي أخفُّ عليَّ. فقال له فلاطن وكيف وثقت بسلوة الأيام ولم تَخَفْ إلفها، ولم أمنت أن تأتيك الحالة المفرِّقة قبل السلوة وبعد الاستحكام، فتشتدّ بك الغُصّة وتتضاعف عليك المرارة. فيقال إن ذلك الرجل شكر في تلك الساعة أفلاطون
ودعا له وأثنى عليه، ولم يعاود شيئاً مما كان فيه ولم يَظهر منه حزن ولا شوق، ولم يزل بعد ذلك لازماً لمجالس أفلاطون غيرَ مُخلٍّ بها بتّةً.
- أبو بكر الرازي ( رسائل فلسفية )
- أبو بكر الرازي ( رسائل فلسفية )
جاري تحميل الاقتراحات...