في العشق والإلف وجملة الكلام في اللذّة 🗞💊
- أمّا الرجال المذكرون الكبار الهمم والأنفس فإنهم يبعدون من هذه البليّة من نفس طبائعهم وغرائزهم. وذلك أنه لا شئ أشدّ على أمثال هؤلاء من التذلُّل والخضوع والاستكانة وإظهار الفاقة والحاجة واحتمال التجني والاستطالة.
- أمّا الرجال المذكرون الكبار الهمم والأنفس فإنهم يبعدون من هذه البليّة من نفس طبائعهم وغرائزهم. وذلك أنه لا شئ أشدّ على أمثال هؤلاء من التذلُّل والخضوع والاستكانة وإظهار الفاقة والحاجة واحتمال التجني والاستطالة.
فهم إذا فكروا يلزم العُشاق من هذه المعاني نفروا منه وتصابروا وأزالوا الهوى عنه وإن بُلوا به، وكذلك الذين تلزمهم أشغال وهموم بليغة اضطرارية دنيوية أو دينية.
فأما الخَنِثون من الرجال والغَزِلون والفُرّاغ والمُترفون والمؤثِرون للشهوات الذين لا يهمهم سواها ولا يريدون من الدنيا إلاّ
فأما الخَنِثون من الرجال والغَزِلون والفُرّاغ والمُترفون والمؤثِرون للشهوات الذين لا يهمهم سواها ولا يريدون من الدنيا إلاّ
إصابتها، ويرون فَوتها فَوتاً وأسفاً، وما لم يقدروا عليه منها حسرةً وشقاءً، فلا يكادون يتخلصون من هذه البلية لا سيما إن أكثروا النظر في قصص العُشاق ورواية الرقيق الغزِل من الشعر وسماع الشجي من الألحان والغناء. فلنقل الآن في الاحتراس من هذا العارض والتنبيه على مَخاتله ومكامنه بقدر
ما يليق بغرض كتابنا هذا. ونقدِّم قبل ذلك كلاماً نافعاً مُعيناً على بلوغ غرض ما مرّ من هذا الكتاب وما يأتي بعده، وهو الكلام في اللذّة.
فنقول: إن اللذة ليست بشيء سوى إعادة ما أخرجه المؤذي عن حالته إلى حالته التي كان عليها. كرجل خرج من موضع كنين ظليل إلى صحراء ثم سار في شمس صيفية
فنقول: إن اللذة ليست بشيء سوى إعادة ما أخرجه المؤذي عن حالته إلى حالته التي كان عليها. كرجل خرج من موضع كنين ظليل إلى صحراء ثم سار في شمس صيفية
حتى مسّه الحر ثم عاد إلى مكانه ذلك، فإنه لا يزال يستلذ ذلك المكان حتى يعود بدنهُ إلى حالته الأولى، ثم يفقد ذلك الاستلذاذ مع عَود بدنه إلى الحالة الأولى، وتكون شدّة التذاذه بهذا المكان بمقدار شدّة إبلاغ الحرّ إليه وسرعة هذا المكان في تبريده.
وبهذا المعنى حدّ الفلاسفة الطبيعيون اللذّة، فإنّ حدّ اللّذة عندهم هو رجوع إلى الطبيعة. ولأن الأذى والخروج عن الطبيعة ربما حدث قليلاً في زمان طويل، ثم حدث بعقبه رجوع إلى الطبيعة دفعة في زمان قصير صار في مثل هذه الحال يفوتنا الحسُّ بالمؤذي ويتضاعف بيان الإحساس بالرجوع إلى الطبيعة،
فنسمي هذه الحال لذةً.
ويظّن بها مَن لا رياضة له أنها حدثت من غير أذى تقدمها، ويتصورها مفردةً خالصة برية من الأذى. وليست الحال على الحقيقة كذلك بل ليس يمكن أن تكون لذّة بتّة إلا بمقدار ما تقدمها من أذى الخروج عن الطبيعة.
فإنه بمقدار أذى الرجوع والعطش يكون بالالتذاذ بالطعام
ويظّن بها مَن لا رياضة له أنها حدثت من غير أذى تقدمها، ويتصورها مفردةً خالصة برية من الأذى. وليست الحال على الحقيقة كذلك بل ليس يمكن أن تكون لذّة بتّة إلا بمقدار ما تقدمها من أذى الخروج عن الطبيعة.
فإنه بمقدار أذى الرجوع والعطش يكون بالالتذاذ بالطعام
والشراب، حتى إذا عاد الجائع والعطشان إلى حالته الأولى لم يكن شئ أبلغ من عذابه من إكراهه على تناولهما بعد أن كانا ألذّ الأشياء عنده وأحبها إليه. وكذلك الحال في سائر الملاذّ فإن هذا الحد بالجملة لازمٌ لها ومحتوٍ عليها، إلا أن منها ما نحتاج في تبيين ذلك منه إلى كلام أدق وألطف وأطول
من هذا. وقد شرحنا هذا في مقالة كتبناها "في ماهية اللذة"، وفي هذا المقدار الذي ذكرناه هاهنا كفاية لما نحتاج إليه. وأكثر المائلين مع اللذّة المنقادين لها هم الذين لم يعرفوها على الحقيقة ولم يتصوروا منها إلا الحالة الثانية، أعني التي من مبدأ انقضاء فعل المؤذي إلى استكمال الرجوع إلى
الحالة الأولى. ومن أجل ذلك أحبوها وتمَّنوا أن لا يخلوا في حال منها، ولم يعلموا أنّ ذلك غير ممكن لأنها حالة لا تكون ولا تُعرَف إلا بعد تقدُّم الأولى لها.
وأقول أن اللذة التي يتصوروها العُشاق وسائرُ مَن كلِف بشيء وأُغرمَ به - كالعُشاق للترؤس والتملُّك وسائرِ الأمور التي يفرط
وأقول أن اللذة التي يتصوروها العُشاق وسائرُ مَن كلِف بشيء وأُغرمَ به - كالعُشاق للترؤس والتملُّك وسائرِ الأمور التي يفرط
ويتمكن حبها من نفوس بعض الناس حتى لا يتمنوا إلا إصابتها ولا يروا العيش إلاّ مع نيلها - عند تصوُّرهم نيل مرادهم عظيمةٌ مجاوزة للمقدار جداً. وذلك أنهم إنما يتصورون إصابة المطلوب ونيله مع عظم ذلك في أنفسهم من غير أن يخطر ببالهم الحالةُ الأولى التي هي كالطريق والمسلك إلى نيل مطلوبهم.
ولو فكروا ونظروا في وعورة هذا الطريق وخشونته وصعوبته ومخاطره ومهاويه ومهالكه لمر عليهم ما حلا وعظُم ما صغر عندهم في جنب ما يحتاجون إلى مقاساته ومكادحته.
وإذ قد ذكرنا جملة ماهية اللذة وأوضحنا من أين غلط مَن تصُرها محضة برية من الألم والأذى فإنا عائدون إلى كلامنا ومنبِّهون على مساوئ هذا العارض أعني العشق وخساسته.
- أبو بكر الرازي ( رسائل فلسفية )
- أبو بكر الرازي ( رسائل فلسفية )
جاري تحميل الاقتراحات...