عـبـدالـعـزيـز
عـبـدالـعـزيـز

@AbdulAziz_Mohd

94 تغريدة 26 قراءة Dec 12, 2022
١. موضوعي اليوم عن مسألة تحريف التوراة، كتبت عدة فصول في كتبي للكلام عن هذا الموضوع، و قد استفتحت أول فصل من كتابي (بين الإلهام و الوسواس) بهذا الموضوع لأهميته. هل التوراة محرّفة أم لا؟
٢. هذه المسألة من المسائل المهمة و الحساسة، و ذلك لأني كثيرا ما أقول في بعض أبحاثي و هذا يوافق التوراة أو التوراة تصدّق ذلك. و بنيت على التوراة جمع من الأبحاث نشرتها هنا أو في مقالاتي و كتبي.
٣. و بما أن كثير من الإخوة هنا في تويتر ينزعجون عندما أستشهد بالتوراة أو مجرد ذكري لتصديق القرآن للتوراة و العكس قررت أن أنشر كلامي هنا في تويتر. أريد منك عزيزي القارئ أن تقرأ قراءة موضوعية ولا تقرأ كلامي و قد جعلت عقلك حبيس معتقداتك و أفكارك المسبقة
٤. فإنه إن كان كذلك لن تستفيد كثيرا من كلامي.
عن نفسي، منذ سنوات عديدة و قد حبب إلي النظر في التوراة الموجودة اليوم، و كثيرا ما أستشهد بالتوراة في مقالاتي و حواري مع الناس، فأقول في التوراة كذا و كذا، و كثيرا ما أجدني في صدام مع الناس أو توبيخ منهم لي بسبب نظري في هذا الكتاب،
٥. و الذي يعتبر محرّما عند البعض، أو مكروها إلا بشروط، و بالتأكيد أحد أهم أسباب ذلك ما يكرره المسلمون منذ مئات السنين أن التوراة الذي بين أيدي اليهود محرفة، بل حتى من أيام المدرسة كانوا يعلموننا أن التوراة محرّفة، صحيح أنهم يقولون و يعترفون أن فيها بعض الحقائق إلا أن فيها من
٦. التحريف ما فيها، هكذا كانوا يقولون لنا.
و بما أنه حبب إلي النظر في هذا الكتاب، فمن الطبيعي أن يكون هناك صدام بيني و بينهم، و لم أكن لأترك أمرا لمجرد أن قال الناس كذا و كذا، فقررت أن أبحث المسألة باستقلالية و بعيدا عن التعصّب، فوجدت بعد البحث أن ادعاء التوراة كتاب مُبدّل
٧. ليس هناك دليل من القرآن عليه. و لا أخفيكم أني فرحت عندما لم أجد دليلا على أن التوراة محرّفة (بتعريف القوم للتحريف)، أولا لكونه كتاب أنزله الله سبحانه و تعالى و ثانيا لأني أحب أي كتاب أو نص له علاقة بالله سبحانه و تعالى و فيها من خبر الأنبياء و المرسلين.
٨. أعلم أن قولي ”التوراة غير محرّفة“ تعتبر كبيرة في الأوساط الاجتماعية العربية التي نحن فيها، و لكن سأثبت لك بأن ما يأتون به من الأدلة على تحريف التوراة من القرآن ليست قوية. و قبل أن أبدأ أحب أن أنوّه أني لا أزعم أنه ليس هناك تحريف في ترجمات التوراة إنما أزعم أن التوراة
٩. الغير مترجمة، هي التي ليست محرّفة. لنستعرض أدلة القائلين بأن التوراة محرّفة.
يستدل كثير من الناس على أن التوراة محرّفة من قول الله عز و جل: ((أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا
١٠. عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) وقول الله عز وجل: ((يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)) و قوله: ((قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ...
١١. كَثِيرًا)) و قوله: ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) و قوله:
١٢. ((وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ))
١٣. هذه الآيات معروفة لدينا و لكن انتبه إلى أن ليس فيها أي دليل على أن ”التوراة“ مُحرفة، ففي الآية أنهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه، و ليس فيها أنهم حرفوا ”التوراة“ بذاتها. لا يوجد فيها دليل واحد صريح بأن ”التوراة“ مُحرّفة، إنما قال الله إنهم يُخفون كثيرا من الكتاب الذي جاء به
١٤. ”موسى“ و أنهم كانوا يكتمون الحق. مثال لتبديلهم كلام الله نجده في القرآن نفسه: ((وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
١٥. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)) و شبيهتها الآيات من سورة الأعراف: ((وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ
١٦. وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ (١٦٢) ))
١٧. لنقل إن أحبار اليهود أخفوا التوراة، لكن ذلك لا يدل على أن الموجود بين أيدينا اليوم من ”التوراة“ محرف كذلك! فليس في الآيات التي ذكرتها أي دليل على التحريف. دعني أضرب لك مثلا لعلك تعقل عني، لنفترض أن لدي مائة قطعة نقدية و أنا أعطيتك منها فقط تسعين و أبقيت عشرة منها عندي،
١٨. فهل هذا يعني أن القطع التسعين التي أعطيتك إياها فاسدة؟ ليست فاسدة إنما ناقصة، و النقص غير التحريف. و مثال آخر، لنقل إن القرآن بين يديك أخفى المسلمون سورة الفلق و الناس، فهل هذا يعني السورة من الفاتحة إلى الإخلاص محرّفة؟
١٩. و لنقل إن المسلمين زادوا في القرآن سورة الفلق و الناس و هي ليست من القرآن، فهل السور من الفاتحة إلى الإخلاص محرّفة؟ أم أنّها صحيحة لكن الزيادة هي التي عليها الإشكال؟ أظن هذا واضح لا يحتاج لشرح.
٢٠. في المقابل، دعونا نتأمل ما قاله الله سبحانه و تعالى عن التوراة، نجد قوله: ((وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)) و قال عز و جل:
٢١. ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ))
٢٢. و قوله: ((قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) فإن كانت ”التوراة“ محرفة كما يدّعون لم يكن رب العالمين ينزل في كتابه هذه الآيات! فإنه العليم، يعلم ما حدث في الماضي و في الحاضر و في المستقبل بالنسبة للبشر، فإن وقع التحريف حقا، فإن الله يعلمه
٢٣. فإن كان يعلم ذلك فلِمَ أوحى إلى نبيه بهذه الآيات التي نجدها في القرآن و التي ترفع من شأن التوراة؟
و ليس هذا فحسب بل آيات القرآن تؤكد وجود ذكر النبي الأمي صلى الله عليه و سلم في التوراة عندهم. بكل سهولة كان بإمكانهم أن يقولوا إنا لا نجد ذكر الرسول صلى الله عليه و سلم،
٢٤. و كانت هذه ستكون حجة لليهود على الرسول الكريم أيامها إلا أنها لم تكن كذلك مما يدل إما على أنها موجودة أو أنهم أخفوها، و الاثنان لا يعنيان التحريف ولا التبديل فيما هو موجود و مكشوف لدى الناس من التوراة أيامها. و أضف إلى ذلك، لو كانت التوراة محرّفة و يمكن تحريفها بالسهولة
٢٥. التي يحسبها بعض المسلمين، كان بإمكانهم أن يحرّفوا التوراة و يقيموا التوراة المحرّفة مجددا بعد نزول القرآن، فإن كان بإمكانهم ذلك لم يكن الله ليقول: (لستم على شيء حتى تقيموا التوراة) أو ليقول (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) فإن كان بالفعل مُحرّفا لأتوا
٢٦. و تحدوا الرسول صلى الله عليه و سلم، و لكن بما أنهم لم يفعلوا ذلك علمنا أنها ليست محرّفة و لم يكن باستطاعتهم تحريفها أصلا.
تأمل هذه الآيات من سورة القصص: ((فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا...
٢٧. بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ
٢٨. أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) )) الله سبحانه و تعالى الذي يعلم ما سيكون في المستقبل يقول متحدّيا:
٢٩. (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ما المقصود بمنهما على حسب السياق؟ أليس القرآن و ما أوتي موسى؟ فإن كانت التوراة محرّفة و فيها من الأباطيل ما فيها كما يزعمون، فكيف إذن يجعل الله هذا الكتاب بهذه المكانة
٣٠. الرفيعة بحيث أنه ليس هناك أهدى منهما يمكن للرسول الكريم أن يتبعه يومها.
بل إنك إن تتبعت الآيات التي فيها ذكر التوراة، لن تجد فيها ذم للتوراة أو تنقّص أو أي شيء من هذا القبيل، بل العكس تماما إذ تجدها في مقام تكريم و رفعة. المصيبة عندما يدّعي بعض المفسرين أن المقصود بالكتاب
٣١. في قوله سبحانه و تعالى: ”الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2))) هو التوراة ثم يزعمون أنّها محرّفة! تأمل شؤم التقليد وما يؤدي إلى نتائج تخزي صاحبها و الله المستعان.
٣٢. أمرنا الله سبحانه و تعالى فقال: ((وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ))
٣٣. و في هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً))
٣٤. ماذا تقول الآية؟ آمنا بالذي أنزل إلينا و أنزل إليكم، أليس كذلك؟ ما الذي أنزل إليهم؟ التوراة، أليس كذلك؟ فإن كان الذي أنزل على أهل الكتاب محرّف لا يمكن تصديقه و لا يمكن تكذيبه، فلم أمرنا الله سبحانه أن نقول ”آمنا بالذي أنزل إلينا و أنزل إليكم“.
٣٥. هل يصح أن نقول نحن نؤمن بالقرآن إن كان في القرآن هناك تحريف و خلل؟ لا يصح الإيمان بالكل وقتها، بل سنضطر أن نقول نؤمن ببعض و نكفر ببعض، و الآن هذه الحالة حالة من!؟ أقصد الذي يؤمن ببعض و يكفر ببعض؟ نعم إنه من عمل الكفار، تأمل قول الله سبحانه و تعالى:
٣٦. ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ))
٣٧. و قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا
٣٨. ..لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا)) أما المؤمن فحاله كما ذكر الله سبحانه و تعالى في هذه الآية: ((وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً...
٣٩. أُوْلَـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ))
فإن قال لك مُتعنّت: إن الإيمان المطلوب هو فقط الإيمان بأن الله أنزل الكتاب، نقول له إما أن تأتي بالدليل على كلامك و إما أن نذكّره فنقول له:
٤٠. ((وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)) و ذلك لأننا عندما نقول نحن مطالبين بالإيمان بالقرآن، هل نقول فقط الإيمان بأن الله نزّل كتابا على الرسول النبي محمد صلى الله عليه و سلم؟
٤١. أم أن الإيمان بهذا الكتاب يلزم الإيمان بأن مافيه صحيح؟ بالتأكيد الأخير. ثم ما الدليل أن الله لم يحفظ التوراة كما حفظ الذكر؟ هل هناك أدلة على ذلك؟ لا يوجد أي دليل! أيها الإخوة، كما أن الرسول صلى الله عليه و سلم يصدّق من سبقه من المرسلين فإن القرآن مصدّق للتوراة. و كما أننا
٤٢. نؤمن برسله لا نفرّق بين أحد منهم كذلك علينا أن نؤمن بكتب الله لا نقول عنها محرّفة من دون وحي من الله و برهان من كتابه و لا حتى خبر صحيح من الرسول صلى الله عليه. علينا أن نتأدب قليلا مع ما أنزل الله عز و جل.
٤٣. السؤال الذي سيرد هو أين هذه التوراة التي تقول عنها أنها ليست محرّفة؟ الإجابة عن هذا السؤال هو أن المقصود بالتوراة غير المحرّفة التوراة التي لم تفسدها الترجمات، التوراة التي نزلت بلسان يفهمه أهل الكتاب، الكتب الخمسة الأولى التي يقدّسها اليهود، و ليست ترجماتها الإنجليزية أو
٤٤. العربية و ما إلى ذلك. فإن الترجمات أحيانا تغيّر المعنى حتى في القرآن الكريم، فمثلا تجد الآية الخامسة من سورة يونس: ((هو الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا)) نجد في الترجمة ”Sahih International“ هذه الترجمة التي تغيّر المعنى:
٤٥.
“It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light”
أرأيت كيف جعل من قول الله (و القمر نورا)، إلى أن القمر نوره مأخوذ في قوله Derived Light أليس هذا من تحريف المعنى؟ بالتأكيد لا أظن أن المترجم قصد ذلك، إنما بسبب معتقداته المسبقة و ما يؤمن به قرر أن
٤٦. يوضّح المعنى، متوهما أن نور القمر من الشمس و ليس ذاتيا، ولكن الله عز و جل في كتابه لم يقل ذلك إنما قال ”القمر نورا“. و قد كتبت بالتفصيل عن موضوع نور القمر في كتابي: ”وما أدراك ما الأرض“ فراجعه هناك. ما ذكرته لك هو مثال كيف أن حتى ترجمات القرآن قد تغيّر من المعنى،
٤٧. فما بالك بترجمات قديمة و غير دقيقة للتوراة؟
و لاحظ أن جميع الآيات التي يستدل بها الناس على تحريف التوراة، كلها جاءت بصيغة المضارع، اقرأ هذه الآية ((أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ...
٤٨. بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) و هذه الآية: ((يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)) و هذه الآية: ((قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا...
٤٩. وَتُخْفُونَ كَثِيرًا)) و هذه الآية: ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) و هذه الآية: ((وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ...
٥٠. لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ))
٥١. إذن هم (يحرفونه) و (يحرفون) و (تجعلونه قراطيس) و (تبدونها و تخفون كثيرا) و (ليكتمون الحق) و (يلوون ألسنتهم) فهذه الأفعال كانت من أفعالهم زمن نزول القرآن و قد يكون حتى اليوم، و هذا واقع فهم يفعلون ذلك. و لكن لا يفعلون ذلك بتبديل أحرف التوراة إنما بتغيير معاني التوراة،
٥٢. و لاحظ ليس في هذه الآيات أنهم يبدلونها و في هذا الكفاية إن أنت تفقه العربية و تعرف معنى يبدل و الفرق بين يبدّل و يحرّف.
فإن قلت فما بال تلك النصوص التي نجدها في التوراة و التي فيها تنقيص من الله سبحانه و تعالى أو التقليل من شأن الأنبياء و المرسلين بذكر أخطائهم؟
٥٣. أقول في ذلك أن النصوص التي يُفهم منها ما يبدو فيه تنقيص من جلال الرب ارجع إلى التوراة باللغة العبرية لتكتشف أن كثيرا منها أصلا ليس بتقليل من شأن الله عز و جل إنما ترجمة ضعيفة، فمثلا موضوع استراحة الله، لو أنك رجعت إلى التوراة العبرية و قرأت فيها لعلمت أنه في اليوم السابع
٥٤. توقف عن الخلق أو استوى، و ليس فيها أنه استراح، لكن للأسف الترجمة الإنجليزية المسيحية و العربية بالفعل فيها هذا الخطأ، و فرق كبير جدا بين الاستراحة و التوقّف عن الخلق أو اكتمال الخلق في اليوم السابع و هكذا أكثر النصوص. و بما أن ترجمات التوراة قد توحي بهذا المعنى و صار
٥٥. متداولا بين الناس و منتشرا حتى قبل الإسلام، نجد أن الله يبين في أكثر من آية أنه خلق السماوات و الأرض من دون الحاجة إلى الراحة أو أي شيء من هذا القبيل، مثل قوله عز و جل:
٥٦. ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ))
فإن قلت بأنه ما قال هذا إلا لأن التوراة محرّفة أقول لك لم تُصب، بل العكس، هذه الآية في القرآن دليل على أن المسلمين و غير المسلمين الزاعمين بأن التوراة محرّفة
٥٧. لم يفهموا التوراة جيدا و زعموا أن فيها أن الله استراح و ذلك اتباعا منهم لترجمات التوراة، و إلا فإننا جميعا نعلم أن القرآن مصدّق لما بين يديه من الكتاب، و بما أنه في القرآن هذه الآية العظيمة التي فيها ذكر خلق السماوات و الأرض من دون أن يمسّه لغوب فلزاما ما في التوراة ليس
٥٨. فيها ما حسبه الناس و إلا صار القرآن مكذّبا للتوراة و ليس مصدّقا لها حتى زمن نزول القرآن و انتبه لهذه فإنها من دقائق الفهم.
ثم تأمل قول المسيح الذي:
٥٩. ((وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) فهذا يدل أن التوراة لم تكن محرّفة لا قبل المسيح و لا زمن المسيح و لا أيام الرسول صلى الله عليه.
٦٠. فكتاب لم يتم تحريفه لأكثر من مئات السنين إذ أن المسيح قد صدّق التوراة التي كانت في زمنه و الله أعلم منذ متى كانت التوراة على حالها من قبل المسيح، ثم من زمن المسيح إلى زمن الرسول ما هي المدة؟ فإن كانت التوراة محفوظة و غير محرّفة كل تلك المدة الزمنية ما بالها حُرّفت بعد ذلك؟
٦١. و خاصة أن المتوقع انتشاره و معرفة الناس به بعد كل تلك الأعوام؟ فإن التوراة لم تحرّف في زمن الخلاف القائم بين اليهود و النصارى قبل الإسلام بالرغم من الدوافع الكثيرة للتلاعب بها و بالرغم من ذلك فإن النصارى يؤمنون بالتوراة و أنّها غير محرّفة.
٦٢. إن كان التحريف ممكنا فَلِمَ لم يحرّف اليهود النصوص التي فيها ذكر مخازيهم و التي هي مسجلة كذلك في القرآن؟ أليس من الأفضل تحريف تلك النصوص كي لا يكون كتابهم شاهدا عليهم و مستنكرا عليهم أفعالهم؟ و خاصة أن المحرّف الذي يحرّف لن يكون إنسانا يحبّ الكتاب و يعظّمه حق تعظيمه،
٦٣. و إلا لو كان المحرّف بحق يعظّم كتابه ما كان ليجرؤ على أن يُفكّر في تحريفه، كل هذا يدل على أن هناك خللا في تفكيرنا عندما نقول أن التوراة محرّفة.
فإن قلت إن التحريف وقع بعد زمن الرسول صلى الله عليه و سلم، فسأقول ارجع إلى ما ذكرته لك سابقا، بأن الله هو الحكيم العليم، يعلم ما
٦٤. سيقع في المستقبل بالنسبة للبشر، وبما أنه يعلم مستقبلهم سيعلم أن التحريف سيقع، أليس كذلك؟ فما بال الآيات التي ذكرتها لك؟ ليس هذا فحسب بل تأمل قول الله سبحانه و تعالى في سورة المائدة و هي من آخر ما أنزل من القرآن كما يعلمه الدارسون لعلوم القرآن، نجد في السورة:
٦٥. ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ..
٦٦. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)) و بما أن كثيرا منا يثق بما قاله المفسرون،
٦٧. دعونا نقرأ ما قاله ابن جرير الطبري الملقّب عند القوم بشيخ المفسرين، في هذه الآية:
”(ومهيمنًا عليه)، يقول: أنـزلنا الكتاب الذي أنـزلناه إليك، يا محمد، مصدّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظا لها. * * * وأصل " الهيمنة "، الحفظ والارتقاب.
٦٨. يقال، إذا رَقَب الرجل الشيء وحفظه وشَهِده: ”قد هيمن فلان عليه، فهو يُهَيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن““
تعال نقرأ ما قاله ابن كثير المفسّر المعروف: ”وقوله : ( ومهيمنا عليه ) قال سفيان الثوري وغيره ، عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس أي : مؤتمنا عليه . وقال علي بن أبي طلحة
٦٩. عن ابن عباس : المهيمن : الأمين ، قال : القرآن أمين على كل كتاب قبله . وروي عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد نحو ذلك . وقال ابن جريج : القرآن أمين على الكتب المتقدمة ، فما وافقه منها فهو حق ، وما خالفه منها فهو
٧٠. باطل . وعن الوالبي ، عن ابن عباس : ( ومهيمنا ) أي : شهيدا . وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي . وقال العوفي عن ابن عباس : ( ومهيمنا ) أي : حاكما على ما قبله من الكتب . وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى ، فإن اسم " المهيمن " يتضمن هذا كله ، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله ،
٧١. جعل الله هذا الكتاب العظيم ، الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ، أشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله ، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره ; فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها“.
قال السدي في تفسيره لقوله (مهيمنا عليه): ”شهيدا عليه“ و قال قتادة:
٧٢. ”أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله“ و قال سعيد بن جبير: ”مؤتمنًا على ما قبله من الكتب“. و قال ابن زيد: ”مصدِّقًا عليه. كل شيء أنـزله الله من توراة أو إنجيل أو زَبُورٍ، فالقرآن مصدِّق على ذلك. وكل شيء ذكر الله في القرآن، فهو مصدِّقٌ عليها وعلى ما حُدِّث عنها أنه حق.“
٧٣. و قال عكرمة: ”مؤتمنًا عليه.“.
فإن كان ما قاله المفسرون صحيحا فكيف إذن نقول أن التوراة محرّفة و القرآن مؤتمن و شاهد عليه و ما إلى ذلك من المعاني التي ذكرت؟ ألسنا بهذا القول نكون قد قللنا من شأن القرآن في كونه مهيمنا على الكتب السابقة؟
٧٤. أعط هذا الكلام حقّه من التأمل لتفهم الذي أقصده و بإذن الله ينشرح صدرك. عد مرة أخرى إلى الآية التي فيها ذكر الهيمنة، و اقرأ و تأمل قول الله العظيم (لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا) و جميعنا يعلم أن الكتاب المنزّل هو الذي يحتوي على الشرعة و المنهاج،
٧٥. فإن كانت التوراة محرّفة فهل كان الله سيجعلها شرعة و منهاجا لهم، و إن كان فيها كفرا بواحا كما يقول بعض من لا يعقل هل كان سيقول الله ذلك؟ و هو الذي لا يرضى لعباده الكفر؟
٧٦. ثم عليك أن تعلم أن الله ينكر على أهل الكتاب أو من سبقونا ما هو شائع بينهم و ليس ما هو مكتوب فقط، على سبيل المثال، عندما أنكر الله عقيدة التثليث قال: ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ...
٧٧. عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ...
٧٨. مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا))
لو أنك قرأت ما في أيدي أهل الكتاب من الكتاب الذي يسمونه ”المقدّس“ أو ”البايبل“ من الصفحة الأولى إلى الأخيرة لن تجد فيها عقيدة التثليث كنص مكتوب و لكن نجد أن الله أنكر عليهم ذلك، و السبب تداول هذه
٧٩. العقائد و الأفكار الفاسدة فيما بين الناس. و هكذا خذ كل نص يستنكره المسلمون و غير المسلمون على التوراة و أعني بالتوراة الكتب الخمسة الأولى لموسى عليه السلام، و أن فيها تقليل من شأن الله ستجد أن الأمر بخلاف ما ظنوا و زعموا و لكن أنت بحاجة لتعرف أن تقرأ التوراة و تفهمها جيدا
٨٠. و تكون على دراية بها و بكلماتها و فيم تستخدم وما إلى ذلك. فإن المسلم اليوم إن قرأ قول الله عز وجل: ((فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ)) قد يظن أن الله آسف على ما فعله قوم نوح، و لكن عندما يفهم معنى الكلمة باللغة العربية و موارد استخدامها
٨١. يدرك المعنى، فكذلك افعل مع التوراة.
أما فيما يتعلّق بالأنبياء و ذكر أشياء قد تعيبهم، فنعم هناك شيء من ذلك عن بعض الأنبياء، و لكن علينا أن نفهم أن عصمة الأنبياء و أنهم لا يذنبون و يخطؤون ليست من المسائل المجمع عليها عند (المسلمين) قبل أن يكون ذلك مجمعا عند أهل الكتاب.
٨٢. و لست أجدني مضطرا لأستعرض الخلاف في المسألة عند المسلمين، فإن المسألة أبين في كتاب الله من استعراض الخلاف، فكم آية فيها ذكر ما وقع فيه نبي، من آدم و يونس بل حتى الرسول صلى الله عليه و سلم وهذا مشهور و متداول بين الناس، فإن كان كذلك و علمت أن الأنبياء ليسوا بمعصومين، علمت أن
٨٣. ذكر ما بدر من الأنبياء لا يعني بالضرورة أن التوراة محرّفة من أجل ذلك و إلا فإنّهم سيتهمون القرآن بالتحريف لأن فيها ذكر معصية آدم و أن يونس أبق و ما إلى ذلك…
فإن قلت و ما سبب ذكر الله عز وجل أخطاء الأنبياء في كتبه؟ الإجابة يسيرة و الحكم لا يحيط بها إنسان، لكن من الأمور
٨٤. المفهومة الاعتبار. نعم لنعتبر، فإن الله لا يذكر محاسن الأولين و قصصهم للاعتبار فقط بل حتى الأخطاء فإننا جميعا من البشر، و يعترينا ما اعتراهم، فعندما نتعلّم من القصص القرآني نتيجة الأفعال الخاطئة الأجدر بنا أن نعتبر. ثم إنه بذكر هذه الأخطاء تعرف أن الأنبياء غير الله عز و جل،
٨٥. فلا يتم تقديسهم و رفعهم إلى مقام يعبدهم الناس، و غير ذلك من الحِكَم التي من أجلها قد تجد أن في الكتب التي أنزلها الله ذكر لذلك.
على كل لن أستطيع أن أقف عند كل نص استنكره المسلمون على التوراة و جعلوها محرّفة من أجلها، فإن ذلك يطول و بحاجة إلى كتاب أو كتب كما أن لدينا كتب في
٨٦. دفع شبهات غير المسلمين عن القرآن. ما يفعله العوام أن المسلمين اليوم عندما تأتيهم الشبهة من هنا و هناك يعودون لعلمائهم و العالمين بالقرآن للرد عليها، فكذلك التوراة، لا يصلح أن تدفع الشبهات الموجهّة للتوراة بكلام كارهي التوراة، بل عليك أن تقرأ ما يقوله علماء التوراة و العالمين
٨٧. بها لتجد الإجابة المناسبة.
أحب أن أعيد نقل هذه الآية العظيمة: ((كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)) لاحظ كيف أن الله نفى عنهم الإيمان لأنهم تركوا التوراة و جعلوا
٨٨. الرسول صلى الله عليه و سلم حكما في المسألة، ففي هذه الآية من البيان على عظيم شأن التوراة.
ثم إن هناك أمر مهم جعلته منهجا شخصيا لي، إن كان هناك شيء أمرنا الله بالإيمان به، فإني لا أبالي كثيرا بالبحث عن أدلته بالطرق العلمية النقلية و العلمية التجريبية إنما بالإيمان المحض.
٨٩. فمثلا أنا لست أبالي إن وصلني القرآن بالسند أو بغير السند، لست أبالي إن كان السند فيه خلل أم لا، لست أبالي إن كان هناك شبهات في نسخ و جمع القرآن، و لست أبالي إن كان هناك نسخة من القرآن مكتوبة برسم و نسخة أخرى في صنعاء تختلف في أشياء أو في السودان في كلمة أو اثنتان أو أكثر لست
٩٠. أبالي البتة، فإن الإيمان بالقرآن مسألة إيمانية و بما أن الأمر كذلك فلست بحاجة إلى كل ذلك إذ تستطيع أن تميّز هل هذا الكلام وحي أم لا. كذلك التوراة، أنا لا أبحث في سند التوراة و اختلاف مخطوطة اليمن عن مخطوطة القدس أو ما شابه ذلك، و لست أبالي كيف وصلنا و مصداقية الناقلين هذا
٩١. كلّه لا يهمني، لأني مطالب بالإيمان بكتب الله و رسله و ملائكته و في هذا الكفاية لكي أضع أنا (عبدالعزيز) إيماني بالتوراة. و ما يزيد الإطمئنان أنه كما لا يوجد كتاب معروف عند الناس اسمه القرآن غير هذا القرآن الذي نعرفه، فكذلك معروف عند العالمين أنه لا يوجد كتاب اسمه التوراة غير
٩٢. هذا التوراة الذي يعرفها الناس. أما القول هناك مصحف فاطمة، و مصحف علي و قرآن جبريل مخفي و ما إلى ذلك فكل ذلك عندي كلام ”فاضي“ لأصل ضعيف فيه أولا ثم لقلة مبالاتي بمثل ذلك في مسألة إيمانية.
٩٣. أخيرا أكتفي بهذه الآية: ((إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ...
٩٤. فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) صدق الله العظيم و الحمدلله رب العالمين.

جاري تحميل الاقتراحات...