كانا صديقين متناغمين لدرجة الاندماج، وكانا جاريين متلاصقين الحوائط، وكان بيت كل منهما مفتوحا للآخر وأسرته، فهما بيتان مثل أغلب البيوت المصرية في القرى والأرياف والمناطق الشعبية بالحضر والمدن، بيوت لا تعرف العزلة أو الانعزال كلا منهما يبوء للآخر بمكنوناته، يتشاركون كل شيء تقريبا
من مأكل ومشرب وفرح وحزن، نشأ الصديقين كأخوين بل أكثر، متساويان في السن فلا يكبر أحدهما عن الآخر إلا بضعة أيام فقط، شب الاثنان معا وتخطيا مرحلة التعليم الابتدائي معا وكان مستواهما فوق الجيد بكثير جدا، ثم تخطيا المرحلة الإعدادية بتفوق ونجاح أما الأول فأبوه ميسور الحال فهو عامل بأحد
المصانع التي تصرف رواتب جيدة علاوة على المكافآت السنوية أو النصف سنوية المرتبطة بظروف الإنتاج، إضافة إلى أن عدد أفراد أسرته أقل بكثير من الثاني الذي يعاني وأسرته من ضيق الحال لارتكانه إلى صنعة يدوية لا تجنى له الكثير من المال والتي ترتبط بموسم معين من العام ، فقرر والد الأول
أن يلحقه بمرحلة الثانوية العامة إذ بمقدوره الإنفاق على متطلبات هذه المرحلة والمرحلة الجامعية من بعدها، أما الثاني ورغم شغفه وحلمه القديم المستمر بالالتحاق بمرحلة الثانوية العامة إلا أن والده قرر إلحاقه بمرحلة التعليم الثانوية الصناعية لضيق حاله وعدم استطاعته تكبد مصروفات هذه
هذه المرحلة ومن بعدها المرحلة الجامعية ولرغبته في اكتساب ابنه حرفة يكتسب منها رزقه وليساعده في الإنفاق على الأسرة، وكان للأب ما أراد، وافترق الصديقان في التعليم وبقيا صديقين في غيره كما هما ولم يقذف بقلب الثاني حقدا أو غلا أو خلافهما على الأول، بل على العكس تمنى أن يرى فيه حلمه
القديم بأن يلتحق بكلية الهندسة ليصير مهندس عظيم يضرب به المثل كما يضرب بالمهندس قريبهم، وأخذ الثاني إلى جوار دراسته مصدرا للرزق يدخر منه شيئا وينفق على نفسه ودراسته شيء آخر ويمنح والده الباقي، فقد التحق بورشة الميكانيكي معرفة والده والذي لاحظ عليه الذكاء ومهارة اليد والتقاط أسرار
الصنعة بسرعة، إلا أنه لم يهمل دراسته ابدا ، وقد اتخذ قرارا في نفسه بألا يموت حلمه أو يهزم، وصار الاثنان في الدراسة إلى أن جاءت السنة الأخيرة لكل منهما واديا الامتحان الختامي للعام، وحان وقت النتيجة فنجح الأول بالثانوية العامة وتحصل على مجموع قليل لا لعدم تفوقه إنما لحدوث
مرض له بآخر شهرين من الدراسة لم يشف منه إلا على دخول موعد الامتحان مما أثر على أدائه، ونجح الثاني أيضا نجاحا باهرا، وأخذ يلح على والده أن يوافق له على الالتحاق بمعهد صناعي أو كلية عمالية، ولم يجد أمام إصراره إلا الرضوخ لرغبة ابنه وإجابة لإلحاح زوجته التي قررت مناصرة ابنها
خاصة وأنه قطع له وعدا بأن يظل عامل ودارس في ذات الوقت، وجاء موعد التنسيق فلم يجد الأول قبولا له إلا من بعض المعاهد التي لا تزيد الدراسة بها عن عامين فقرر مع والده بالالتحاق بأحد المعاهد الفنية الصناعية على أمل بتحصيل تقدير عال ثم الالتحاق بكلية الهندسة، وبالفعل قبله أحد هذه
المعاهد، أما الآخر وعن طريق بحثه وسعيه الحثيث أخذا بالسؤال والتحري عما يقبله للدراسة طبقا لمجموعه، وعلم بأن وزارة الكهرباء ستفتتح هذا العام معهدا عاليا للكهرباء بإحدى المحافظات المجاورة، وبالتحرى والسؤال الدقيق توصل إلى أن هذا المعهد يقبل خريجى الثانوية الصناعية
وبسؤال أكثر دقة علم أن مجموعه يؤهله للالتحاق بهذا المعهد، وبالفعل اتبع الخطوات اللازمة لذلك فجاءت البشرى بقبوله دارس فى هذا المعهد لمدة خمس سنوات ليحصل بعدها على بكالوريوس هندسة الطاقة الكهربائية ، والتحق كل منهما بمعهده، وأصبحا وأمسيا على صداقتهما
متى استطاعا لذلك سبيل وكلما سنحت لهما الظروف تبادلا أطراف الحديث، ومر عامان وانتهى الأول من دراسته ولم يحصل على التقدير الذي يؤهله للالتحاق بكلية الهندسة، فعمل والده جاهدا على أن يجد له فرصة عمل بالمصنع الذي يعمل فيه وسعى لذلك سعيا حثيثا وكان له ما أراد،
أما الآخر فقد عمد على مواصلة دراسته بالسنة الثالثة بعد أن تجاوز السنتين الأولتين منها بتفوق منقطع النظير لحصوله على المركز الأول فيهما رغم التحاقه بالعمل بأحد مراكز صيانة السيارات الكبرى بالمحافظة الكائن بها معهد دراسته بعد مواعيد الدراسة ليتحصل على رزقه فيرسل نصفه إلى والده
ويصرف الآخر على متطلباته ودراسته وان بقي شيء للادخار فخير وبركة، وواصل الدراسة بتفوق إلى أن صار في ختام العام الخامس والأخير حاصل على بكالوريوس الهندسة في الطاقة الكهربائية بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف والأول على دفعته
وهنا وقف مع نفسه وقفة ينظر خلفه وإلى المشوار الطويل الذي قطعه متأملا كيف أصبح حلمه ووعده وقراره حقا وصدقا واقعا، ولم تمض بضعة أشهر حتى وصله خطاب من إدارة المعهد بقرار تعينه معيد بالمعهد وهنا بكى وبكى الأب والأم وبكت الأسرة وبكى كل من رق لحاله لا حزنا ولا الما وإنما فرح وطرب
وامتنان وعرفان، بكوا جميعا بكاء ذوي المشاعر المختلطة الهائجة، وهنأه صديقه على ما صار إليه والذى رى حلمه أيضا يتحقق فيه بعد أن صار فنى بذات المصنع الذى يعمل به والده وصار رب أسرة إذ تزوج وانجب اثنين، واستلم المعيد عمله، وتدفق فى دراساته العليا كتدفق الماء الغزير بجداول الحقول كما
كان فى قبلها شغوفا طوال الوقت لا يمل تفوقا أو الماما بعلم، واستمر على عادته بأن يقتطع نصف راتبه ويرسله إلى أبيه ونصفه الآخر لمتطلباته ودراسته والادخار إن بقى شىء، ويفاجا بعد حصوله على درجة الماجستير بأن تقرر منحه بعثة تعليمية بألمانيا للحصول على درجة الدكتوراة ويفر إلى هذه الدولة
عامدا إلى دراسة الدكتوراة ليتفوق أيضا ويحصل عليها بعد بحث عظيم كشف من خلاله كشف عظيم فى توليد الطاقة الكهربائية من أشعة الشمس وتطبيق ذلك على السيارات وغيرها، لتتمسك به الجامعة الألمانية وتعيينه أستاذا بها، وليستقر بألمانيا ويتزوج منها وظل على عادته بأن يقتطع نصف راتبه لأبيه،
وظل على تفوقه ليحصد الجوائز الدولية عاما بعد عام وينال إشادة الأوساط العلمية المتخصصه في مجاله، وظل على صداقته بل الاثنان حافظا عليها جهادا لغربة الثانى
الذى عاد مؤخرا بعد بضع ونيف من السنوات على مصر أستاذا بمعهده ورئيسا لمشروع عظيم لإنتاج الطاقة الكهربائية من أشعة الشمس كأول مشروع من نوعه فضلا عن أنه الأضخم بمنطقة الشرق الأوسط قاطبة،
وبقيا الاثنين صديقان لا يحمل كلا منهما للآخر إلى الحب المنزه عن كل شائبة قلب أو عالقة فؤاد.
جاري تحميل الاقتراحات...