إبراهيم الحسين
إبراهيم الحسين

@IBRQ1992

25 تغريدة 15 قراءة Dec 09, 2022
مراجعة كتاب "الانهيار العظيم 1929م"📚
الكاتب: جون كينيث جالبريث
" بدلاً من مناصرة الاسواق المالية يجب على الحكومات التأكد من أن النوبات المسعورة للمضاربة لا تحجب الاقتصاد الحقيقي ولا تخربه"
قرّب قهوتك ☕️
عندما كان جالبريث يؤلف هذا الكتاب في صيف وخريف عام 1954م، كانت سوق الاسهم الامريكية تمر بأزمة صغيرة، وتذكره إن الذي تشترك فيه كل الازمات: اعتقاد الناس انه قدّر لهم من ضربة حظ او نظام لا يُقهر أو منحة آلهية أو إمكانية الحصول على معلومات داخلية او براعة مالية استثنائية، ان يحققوا..
الثراء دون عمل يُذكر". الطمع وقود كل أزمة، لكن من واجب الحكومات (عن طريق القوانين والسياسات المالية) أن تمنع فوران الاسواق وتسممها بشكل عام. يقول جالبريث إن هذا ما لا تفعله الحكومات. فهي عادة ما تترك الامور تصل إلى درجة الغليان وتترك تبعاتها تدمر حياة الناس وأقواتهم.
في عشرينيات القرن الماضي، كانت هناك أسباب منطقية تدفع سوق الاسهم إلى الارتفاع. كانت أرباح الشركات تتزايد، واسعار الاسهم تبدو معقولة مقارنة بانتاجيتها. كان مستوى الانتاج والتوظيف في ارتفاع. وكانت الاسعار الاستهلاكية مستقرة، والتصنيع يشهد زيادة كبيرة في انتاجه.
فبدأت اسعار الاسهم ترتفع بثبات مع مطلع عام 1927م، وكان هذا يعكس الأرباح الجيدة التي تحققها الشركات. ولكن مع بداية عام 1928م بدأت السوق تشهد انفصالاً عن القيم الأساسية وهروب جماعي نحو الأوهام. كان التفسير التقليدي للارتفاع الوهمي في السوق يلقي باللوم على انخفاض معدل الفائدة.
كانت السلطات المالية الأمريكية تشعر بأنها مُلزمة بإبقاء معدل الفائدة منخفضًا، وفي المقابل كانت المعدلات المنخفضة تعني ان الناس يستطيعون الاقتراض بفائدة قليلة .. وشراء اسهم على الهامش والفوز بأرباح عالية
لم يقبل جالبريث هذا التفسير وذكر انه "كانت هناك قبل ذلك اوقات وفترات طويلة كانت فيها القروض الإئتمانية كثيرة وقليلة التكلفة - اقل تكلفة مما كانت عليه في 1927 - 1929م - ولم تكن فيها المضاربة ذات شأن كبير.
الأهم من هذا هي الفكرة التي انتشرت بين عامة الناس، فقد ازدادت رغبتهم في تحقيق الثراء بعد أن رأوا كثرة من حققوه. وأصبحوا يثقون في البنوك والمؤسسات المالية ثقة عمياء، إذ كانت تعطيهم تطمينات مستمرة وتخبرهم بأن الأسعار معقولة، وسوف تستمر في الارتفاع.
وازدادت الأمور جنوناً بسبب قروض المضاربين الأفراد التي ارتفعت بحلول عام 1929م بمعدل 400 مليون دولار في الشهر.
في صيف عام 1928م قفزت قيمة العديد من الاسهم الكبيرة مثل ويستنجهاوس وجنرال إلكتريك بنسبة 30-40%. ولم يكن الارتفاع في بورصة نيوريوك فحسب بل في البورصات الصغيرة.
ومع بداية عام 1929م ظهرت بعض الاصوات المعارضة، فقد توقع المصرفي بول ووربرج انهيارًا كبيرًا في السوق. لكن مع استمرار الاسهم في الارتفاع وصفت تلك الآراء بأنها تعارض المصالح الأمريكية وتعادي الرخاء. لم يكن الجميع يضعون اموالهم في الاسهم لكن اصاب العامة مسّ من الجنون.
فدخل الكثيرين للأسواق وسيطرت السوق على أحاديث الناس في الدوائر الثقافية والفنية التي كانت تترفع عن التحدث عن المال. كان العديد من الناس يكسبون من امتلاك الاسهم مالاً اكثر من رواتبهم. وفي وقت كانت فيه قوانين التداول الداخلي غير موجودة تقريباً، وكان التلاعب بالسوق جزء من اللعبة
كذلك تضاعفت اعداد الشركات الاستثمارية 11 مرة منذ بداية عام 1927م وبسبب غياب القوانين المنظمة استخدمت تلك الشركات الرافعات المالية بشكل خطير وتحولت من شركات استثمارية الى مخططات احتيالية هرمية (مشابهه لما حدث في Ftx)
لم يكن الأنهيار الذي وقع في النهاية حدث استغرق يومًا واحدًا، بل كان مجموعة من الأحداث التي استمرت لأكثر من أسبوعين. وصل السوق الصاعد إلى القمة في 3 سبتمبر 1929م. لكن استمرت قروض المضاربين في الارتفاع ووسط الأسعار التي تتجه إلى الانخفاض ببطء وكان الناس يعتقدون بأن صفقاتهم جيدة.
شهد صباح يوم الأثنين 21 اكتوبر 1929م انخفاض حاد ولكن بحلول الظهيرة عادت الأسعار إلى الاستقرار، وفي خميس ذلك الاسبوع - الخميس الأسود - بدأ الانهيار الفعلي من الناحية النفسية حيث حدث تدافع جنوني على البيع. وعلى الرغم من ذلك تبدد الخوف بعد اجتماع مصرفيين بارزين من اجل استقرار السوق.
ولكن في الاثنين التالي بدأت الكارثة الحقيقية، وخلال يومين هزّت موجات البيع الهائلة ارجاء أمريكا. الغريب في الأمر أن الاسهم ارتفعت مرة أخرى يومي الأربعاء والخميس ربما بعد بيان روكفلر والذي اعلن فيه بأنه مستمر في الشراء كم علق رئيس جنرال موتورز "بأن الأعمال جيدة"
ربما كانت السوق تدخل حالة اتزان جديدة. ولكن على مدار ثلاثة ايام كانت بورصة نيويورك تحتفظ بهدوئها رغم ازدياد طلبات البيع. وحلّت كبرى المصائب من الشركات الاستثمارية التي اتضح انها مجرد هرم بونزي. وبعد أن ادرك الناس أن قيمة اسهمهم في شركات الاستثمار اصبحت لا تساوي
شيء سارعوا إلى بيع الأوراق المالية الجيدة مما اسهم في انخفاض السوق اكثر واكثر. في الوقت نفسه كان ملاك شركات الاستثمار يحاولون دعم انفسهم عن طريق شراء اسهم شركاتهم يقول جالبريث : " عندما يتمتع المرء بالعبقرية المالية فإن ثقته بتلك العبقرية لا تتلاشى على الفور"
كان الناس يأملون أن تمر العاصفة بسلام ولا تؤثر على بقية جوانب الاقتصاد، ولكن بدلاً من الانتعاش استمرت السوق في الانزلاق لمدة عاميين متتالين. القى الرئيس هوفر عددًا من البيانات التي اعلن فيها أن الاقتصاد بدأ يتحسن رغم أن الأمور كانت تزداد سوءًا
وكان اجمالي الناتج القومي في عام 1932م يقل عن نظيره في عام 1929م بمقدار الثلث، ويتطلب العودة لمستويات 1929م عدة سنوات واستمر الكساد الكبير الذي تبع الانهيار الكبير لمدة عشر سنوات تقريباً.
يقر جالبريث بأننا لا نعرف حقًا السبب وراء ما شهدته السوق من جنون في عامي 1928 و 1929م كما لا يمكننا تفسير طول فترة الكساد الكبير ومدى تأثيرها. لكن على الرغم من ذلك أشار إلى وجود نقاط ضعف منهجية في الاقتصاد الامريكي جعلت الانهيار عند وقوعه اكثر سوءًا.
فقد تحدث عن اهمية التفاوت الكبير في الدخل. ففي عام 1929م كان الأمريكيون الأعلى أجرًا يمثلون 5% ويحصلون على ثلث اجمالي الدخل تقريباً. وهذا يعني ان تعافي الاقتصاد كان يعتمد على المستويات العالية للاستثمار والانفاق الاستهلاكي من جانب الأغنياء، ولكن سرعان ما انهارت تلك المستويات فجأة
وأشار كذلك إلى سوء الهيكل المصرفي فعندما يخفق احد البنوك يتم تجميد أصول البنوك الأخرى مما يدفع الناس إلى التسابق على البنوك التي يودعون فيها أموالهم، وكان من الممكن إقامة نظام لتجنب الذعر، وضمان سحب الأموال اللازمة لتشغيل عجلة الاقتصاد
وكان هناك عامل آخر يتمثل في منع زيادة الانفاق الحكومي خشيةً من التضخم ولكن كان يجب ان يكون هذا آخر ما يخشونه. وكذلك الديون الكبيرة لأمريكا على الاوروبيين التي كانت تدفعها الأخيرة بالذهب مما رفع واردات امريكا بشكل سريع وانخفضت الصادرات وقد اسهم ذلك في حدوث الكساد وتضرر المزارعين.
وفي النهاية تسبب النظام المؤسسي المشوّه في نشوء بيئة جديدة ومريبة ساعدت على ظهور صناديق الاستثمار وازدهارها وكان اعتمادها على الرافعات المالية كبير جدًا والتي تستخدمها لدفع الارباح من اجل الحفاظ على مظهرها وليس الاستثمار وكانت اي صدمة لأسعارها تعني تقلص النفقات ثم دوامة الانكماش
كتب جالبريث " إن تنظيم النشاط الاقتصادي بلا شك أقل الاعمال جاذبية وجدوى" وعلى الرغم من ذلك كان كل عامل من هذه العوامل يتضمن اخفاق حكومي ففي اي نظام رأسمالي لا يريد الاشخاص الذين يسحبون الرافعات المالية الحكومية ان يبدوا وكأنهم المفسدون الذي يعوقون الانتعاش الاقتصادي.

جاري تحميل الاقتراحات...