1-كنا ثلاثة ألفت بيننا وحدة الطبع والهوى والسن؛ فالطبع مرح فكه، والهوى درس الأدب وقرض الشعر، والسن فتية لا تجاوز السادسة عشرة. وكان طه قاعدة المثلث، ومحمود وأنا ضلعيه القائمتين،
2-كنا نتنقل من حلقة العلم إلى درس الأدب، ومن درس الأدب إلى مجلس الشعر، ومن مجلس الشعر إلى دار الكتب، ومن دار الكتب إلى الجامعة المصرية القديمة، ومن الجامعة إلى إدارات الصحف نعرض عليها ما كنا نسميه يومئذ شعراً؛ ثم ننتهي إلى دار أحدنا فنتدارس ما حصلنا من علم،ونتذاكر ما حفظنا من أدب
3-كان محمود أشدنا غراماً بالمكتبات والمخطوطات، فكنا حين ننصرف، طه وأنا، لدراسة الفرنسية ينصرف هو إلى مكتبة الأتراك، أو مكتبة الأزهر، أو دكاكين الوراقين، ينقب عن نوادر الكتب فيستعيرها أو ينسخها أو يشتريها، لذلك كان أعلم الناس بأسماء الكتب وسماتها وشياتها وموضوعاتها ومؤلفيها
4-كنا ثلاثة فأصبحنا اثنين: طه حسين وأنا. أما محمود زناتي فقد سبقنا إلى الغاية التي لا بد أن يبلغها كل حي. مات محمود وبكاه طه في (الأهرام) بكاء هز قلب الخلي واستدر عين الغريب. وبكاء طه على محمود بكاء على عهد مضى لن يعود، وعلى صديق قضى لن يعوض - مات محمود على فراش غير دافئ ولا وثير
5-رحمك الله يا محمود وبرد بالغفران والرضوان ثراك! لقد كنت حريصاً على الوداد حين ضاع الوداد، وسخياً بالوفاء حين عز الوفاء. وأحسن الله عزاءك وأطال بقائك يا أخي طه! لقد ذكرتني أواخر الصبا وأوائل الشباب وعهداً غفل عنا الزمان فيه فنعمنا بالإخاء المحض والصفاء الخالص!
6- ومن الذي ينسى أيها الأخ الكريم ربيعه وهو في الخريف، وشروقه وهو في الغروب؟ لقد ابتدأنا في الرواق العباسي ومعنا الشباب والأمل ومحمود، ثم انتهينا إلى مجمع فؤاد ومعنا الشيخوخة والذكرى ولا شيء!
احمد حسن الزيات
احمد حسن الزيات
جاري تحميل الاقتراحات...