مهنَّد بن جازي
مهنَّد بن جازي

@Moh_jazi1

22 تغريدة 11 قراءة Dec 05, 2022
• سلسلة| هل أنت مستحق لعذاب الله؟ وهل ينفك العبدُ عن الحاجة إلى مغفرته سبحانه؟
إذا أجبت على هذا السؤال جوابًا صحيحا= فاعلم أن الله قد وقى قلبك من سمٍّ ذعاف يغيِّب وعيك عن حقيقة كون الله ربًّا أنتَ عبدُه!
⛔ لا تؤجل قراءتها؛ فقراءتُها من توفيق الله لك، والتوفيق حريٌ بالإقبال منك.
وفي الجواب يقول ابن القيم:
قال النبي ﷺ: «إن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم»
علم أهل السنة من هذا الحديث عظمة الله وجلاله وقدر نعمه على خلقه وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم،
إما عجزاً
وإما جهلاً
وإما تفريطاً وإضاعة
وإما تقصيراً في المقدور من الشكر ولو من بعض الوجوه،
فإن حقه على أهل السموات والأرض أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وتكون قوة الحب كلها، وقوة الإنابة والتوكل، والخشية والمراقبة، والخوف والرجاء، جميعها متوجهة إليه ومتعلقة به،
بحيث يكون القلب عاكفا على محبته وتألهه، بل على إفراده بذلك، واللسان محبوسا على ذكره والجوارح وقفا على طاعته، قد استسلمت له القلوب أتم استسلام، وذلت له أكمل ذل، وخضعت له أعظم خضوع، وقد فنيت بمراده ومحابه عن مرادها ومحابها، فلم يكن لها مراد محبوب غير مراده ومحبوبه البتة،
ولا ريب أن هذا مقدور في الجملة ولكن النفوس تشح به، وهي في الشح على مراتب لا يحصيها إلا الله تعالى، وأكثر المطيعين يشح به من وجه وإن أتي به من وجه، ولعل ما لا تسمح به نفسه أكثر مما تسمح به مع فضل زهده وعبادته وعلمه وورعه، فأين الذي لا يقع منه إرادة تزاحم إرادة الله وما يحبه منه،
فلا تعتريه غفلة واسترسال مع حكم الطبيعة والميل إلى داعيها وتقصير في حق الله تعالى معرفة ومراعاة وقياما به؟
ومن الذي ينظر في كل نعمة من النعم دقيقها وجليلها إلى أنها من منة ربه وفضله وإحسانه؟
فيذكره بها ويحبه عليها ويشكره عليها ويستعين بها على طاعته؟
ويعترف مع ذلك بقصوره وتقصيره وأن حق الله تعالى عليه أعظم مما أتى به؟
ومن الذي يوفي حقا واحدا من الحقوق، وعبودية واحدة حقها من الإجلال والتعظيم والنصح لله تعالى فيها، وبذل الجهد في وقوعها على ما ينبغي لوجهه الكريم مما يدخل على قدرة العبد ظاهرا وباطنا؟
ومع هذا فيراها محض منة الله عليه وفضله عليه، وأن ربه هو المستحق عليها الحمد، وأنه لا وسيلة توسل بها إلى ربه حتى نالها، وأنه يقابلها بما تستحق أن تقابل به من كمال الذل والخضوع والمحبة والبراءة من حوله وقوته، وأن يكون فيها بالله لا بنفسه ولله لا لنفسه؟
ومن الذي لم يصدر منه خلاف ما خلق له ولو في وقت من الأوقات من حركة نفسه وجوارحه أو بترك بعض ما خُلق له، أو يؤثر بعض حظوظه ومراده على مراد الله تعالى ومرضاته ويزاحمه به؟
ومن المعلوم عقلا وشرعا وفطرة أن الله تعالى يستحق على عبده غاية التعظيم والإجلال والعبودية التي تصل إليها قدرته.
وكل ما ينافي التعظيم والإجلال يستحق عليه من العقوبة ما يناسبه، والشرك والمعصية والغفلة واتباع الهوى وترك بذل الجهد النصيحة في القيام بحق الرب تعالى باطنا وظاهرا وتعلق القلب بغيره والتفاته إلى ما سواه، ومنازعته ما هو من خصائص ربوبيته،
ورؤية النفس والمشاركة في الحول والقوة = كل ذلك ينافي التعظيم والإجلال.
فلو وضع الرب سبحانه العدل على العباد لعذبهم بعدله فيهم ولم يكن ظالما، وغاية ما يقدر توبة العبد من ذلك واعترافه به وقبول التوبة محض فضله وإحسانه...
فلا يسع الخلائق إلا رحمته وعفوه، ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به من النار أو يدخل به الجنة كما قال أطوع الخلق لربه وأفضلهم عملا وأشدهم تعظيما له: «لن ينجي أحدا منكم عمله» ، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»
وكان ﷺ أكمل الخلق استغفارًا، وكانوا يعدون عليه في المجلس الواحد
مائة مرة: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور» وكان يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالله إني لأتوب إليه» وفي لفظ: «إني لأستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة»
وكان إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا، وكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي»
وكان يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما
أخرت،
وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» وكان يستغفر في استفتاح الصلاة وفي خاتمة الصلاة..
فأهل السموات والأرض محتاجون إلى مغفرته كما هم محتاجون إلى رحمته، ومن ظن أنه يستغني عن مغفرة الله فهو كمن ظن أنه يستغني عن رحمته،
فلا يستغني أحد عن مغفرته ورحمته كما لا يستغني عن نعمته ومنته، فلو أمسك عنهم فضله ورحمته لهلكوا وعُذبوا ولم يكن ظالمًا بإمساك ذلك عنهم، فإن أسباب النعم واللذة هي من فضله ومحض منته، إذ كل نعمة منه فضل، فإذا أمسك فضله لم يكن ظالما، وحينئذ فتصيبهم النقمة بإمساك فضله، وكل نقمة منه عدل
ومما يوضح أن مذهب أهل السنة أن الأنبياء والمرسلين أفضل من الملائكة، وقد طلبوا كلهم منه المغفرة والرحمة، فقال أول الأنبياء وأبو البشر: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ)
وهذا نوح أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض يسأله المغفرة ويقول:
(وَإِلَّاتَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ)
وهذا يونس يقول:
(لا إلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) وإبراهيم الخليل يقول:
(وَالَّذِي اطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطيتَنِي يَوْمَ الدِّينِ) وكليم الرحمن موسى يقول:
(رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نفسي فاغفر لي)
ومحمد ﷺ  أكملهم وأفضلهم وقد تقدم بعض ما كان يستغفر به ربه، وسأله الصديق رضي الله عنه أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال :
«قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم»
فإذا كان هذا حال الصديق الذي هو أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وأفضل من الملائكة عند أهل السنة،  وهو يخبر بما هو صادق فيه من ظلم نفسه ظلما كثيرا  فما الظن بسواه؟
بل إنما صار صديقا بتوفية هذا المقام حقه الذي يتضمن معرفة ربه وحقه وعظمته وجلاله وما ينبغي له، وما يستحقه على عبده ومعرفة تقصيره في ذلك، وأنه لم يقم به كما ينبغي فأقر على نفسه إقرارا هو صادق فيه أنه ظلم نفسه ظلما كثيرا وسأل ربه أن يغفر له ويرحمه.
فسحقًا وبعدًا لمن زعم أن المخلوق يستغني عن مغفرة ربه ولا يكون به حاجة إليها، وليس وراء هذا الجهل بالله وعظمته وحقه غاية!

جاري تحميل الاقتراحات...