(جندب بن جنادة، الصحابي المثقف)
1-هذا الاسم هو اسمُ صحابي جليل من أكابر أصحاب النبي الأعظم عليه السلام، لم يعرفه أكثر المسلمين إلا من خلال كنيته المشهورة (أبو ذرّ الغفاري). وكما أن أكثرهم يجهلُ اسمه...
1-هذا الاسم هو اسمُ صحابي جليل من أكابر أصحاب النبي الأعظم عليه السلام، لم يعرفه أكثر المسلمين إلا من خلال كنيته المشهورة (أبو ذرّ الغفاري). وكما أن أكثرهم يجهلُ اسمه...
2- فإنهم يجهلون أيضاً أنه مات وحيداً في بيداء تسمى بالربذة؛ بعد أن سئم العيش في المدينة المنورة، وبعد أن رأى التفاوت الطبقي بين الأغنياء والفقراء وبعد أن ظلّ متمسكاً بمثاليته ومبادئه!
3-لقد سمّيتُ أبا ذر باسم المثقف؛ وبصرف النظر عن مفهوم المثقف، وما يتنازعه من تعريفات، إلا أنه يمكن إدراك المثقف كمفهوم من خلال ما طرحه غرامشي حول المثقف العضوي الذي لم يزل دائباً في بث الوعي، وتغيير العقول...
4- أو من خلال وصفه الذي ورد عند جوليان بيندا في كتابه (خيانة المثقفين) بأنه مفهوم يُطلق على كل من استبقته البشرية لبناء ضميرها، إذ هو رجل الدين الحقيقي، حتى وإن لم تكن له سيمياء رجل الدين. المثقف عنده هو كل من يقول بأن هذا العالم ليس عالمه وأن عالمه الحقيقي هو غير هذا العالم..
5-باعتبار أنه على الدوام يقف على الضدّ من واقعه. وكل هذه المحددات التي تحدد لنا مفهوم المثقف، ولتطابقها على أوصاف هذا الصحابي الجليل، فقد جاز لي وسم هذا الصحابي بأنه الصحابي المثقف! ذلك أنه شخص قلقُ جداً، نزاع إلى المثالية، توّاق إلى الحق أينما كان...
6- يكره النزوع المادي والغرائزي للإنسان، وهو فوق ذلك رَجِلٌ صادق بشكل يبعث على الدهشة؛ صادق مع نفسه؛ ومع غيره: حتى أن نبي الرحمة أُثِرَ عنه أنه قال فيه: (ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر)!.
7-أسلم أبو ذر في مكة؛ فكان من السابقين الأولين إلى الإسلام؛ ولربما كان من أول عشرة رجال في الدنيا آمنوا برسالة النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام ثم هاجر مع خليله المصطفى إلى المدينة المنورة وحين توفاه الله كان أبو ذر من كبار الصحابة في العهد الراشدي..
8- غير أن الأمور تبدّلت في هذا العهد بالنسبة إلى أبي ذر حيث بدأ الفصل الأخير من فصول حياة هذا الصحابي الجليل الذي كان الفصل الأكثر تراجيدية، وبؤساً وتعباً لهذا الصحابي المخلص، ذلك أن هذا العهد بدأت فيه الفتوحات الإسلامية للعراق والشام ومصر...
9- ونتيجة لتحقيق الانتصارات الكبيرة، تفرّق الصحابة والتابعون الفاتحون في تلك الأقطار المليئة بالخيرات؛ تاركين جزيرة العرب القاحلة والجرداء، فتكدّست ثروات طائلة في يد هؤلاء الفاتحين؛ حيث قدّرت بعض المدوّنات التاريخية أموال بعضهم بمئات الألوف من الدنانير والدراهم..
10- وكان أبو ذرّ حينها يسكن دمشق، ورأى بعينه هذه الثروات، وهذه الأموال الوفيرة في بد البعض؛ في حين أن البعض الآخر كان يعيش في فقر مدقع؛ بحيث لم يكن يملك عُشر معشار ما يملكه أولئك الأغنياء. من هنا بدأ أبو ذرّ يشن حملة اجتماعية شعواء على أولئك الأغنياء...
11- متأوّلاً قول الله: (والذين يكنزون الذهب والفضة ثم لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)، ويبدو أن حملته لقيت صدى واسعاً على المستوى الاجتماعي؛ وتبنّياً من لدن بعض الفئات والطبقات الفقيرة، إلى حدّ أن كادت هذه الحملة أن تطيح بولاية معاوية بن أبي سفيان في دمشق...
12- ما جعله يكاتب الخليفة عثمان بن عفان في المدينة، والذي بدوره بادر باستدعاء أبي ذرّ، وأمره بالإقامة في المدينة، غير أن أبا ذر لم يستمر في المدينة؛ إذ سُرعان ما غادرها إلى الربذة، وهي بيداء تقع إلى الشرق من المدينة المنورة...
13- وحيال هذه المسألة ثمة روايتان تتنازعان سبب إقامته فيها، تقول الأولى إن الخليفة عثمان قد نفاه إليها بسبب تمسكه برأيه؛ في حين تشير الأخرى إلى أن أبا ذر قد فضّل العيش، والإقامة فيها، بعد أن رأى المدينة تماثل دمشق من حيث التفاوت الطبقي بين الفقراء والأغنياء.
14-وبالفعل، ظلّ أبو ذر مقيماً في هذه البيداء حتى مات في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، تاركاً الدنيا وراء ظهره، ومتعلقاً بمثاليّته، وصدقه، رضي الله عنه.
جاري تحميل الاقتراحات...