ريما القاضي
ريما القاضي

@Reema_AlQadi

15 تغريدة 30 قراءة Dec 02, 2022
هذه مقتطفات من حياة والدي وجدي وحبيبي وقدوتي، من ملَك القلوب، صغارا وكبارا، ضعفاء وأغنياء، قريبين أو بعيدين.. الشيخ الفاضل الوقور الزاهد (سليمان بن عبدالله بن سليمان القاضي)
وهي غيض من فيض فسيرته لا تكفيها الكلمات فقد كان آية في كل حياته.
كان رحمه الله منذ صغرنا يشاركنا ألعابنا وسباقنا، يحاول إسعادنا بدون تكلّف، ولا أنسى لعبته المشهورة (تعالوا أوحّشكم) ويلاحقنا في أنحاء البيت ونحن نختبئ عنه
فإذا أمسك بأحدنا ضمّه وأزال طاقيّته وأخذ يحرك برأسه علينا حتى يسمع صوت الضحك ثم يطلقنا.
حريص على زرع القيم في كل التفاصيل، (أمي لا تبقين شيء بصحنك ما تدرين وين البركة) (أمي ما شفتك تصلين السنة)
شديد التقدير للنعمة، في بيته السابق وبين نخْله الحبيبة كان يضع باقيا الخبز، فلا ترى إلا الطيور والحمام التي تحوم حوله
لا يكاد يقترب وقت الصلاة إلا ويغيب عن الأنظار ويخرج باكراً قبل الأذان، مشياً على قدميه مع بعد المسافة، مطأطأً رأسه، لا يكاد يرفع عينه
فلطالما مررنا مع والدي -حفظه الله- بجانبه نحاول أن يرانا، نمشي بالسيارة ببطئ ويأخذها أبي يمنةً ويسرة ولا يرفع رأسه ولا عينيه
حتى نفتح الشباك ونناديه بأعلى صوت (بابا سليمان) فيلتفت رحمه الله بوجهه المشرق وابتسامته العذبة ويلوح بيده الكريمة.. (هلا أمي) فيبادلنا الحديث سريعاً ثم يعود لسكينته وعينيه لا تكاد ترى طريقه من شدة غضه للبصر
كان يقدّم ساعة المنزل ١٠ دقائق حتى يظن الجميع باقتراب وقت الصلاة فيستعدون
حييّ كريم سمح الطباع سهل المعشر، أبٌ للضعفاء واليتامى والمساكين، صادق صدوق، من شدة طهارة قلبه يكاد لا يفهم بعض المزاح.
يحب جدتي حبّاً عظيمًا، ودائما ما كان يصرح بحبه لها وتقديره، حتى أنه في آخر أيامه رحمه الله مع صعوبة الكلام كان غارقاً فالتفكير، فسأله عمي الحبيب (وش تفكر فيه يبه) فرفع أصبعه وأشار لجدتي (أفكر بهذي)
يفرح فرحاً شديدا عندما نثني عليها، أما عندما نمزح معها فهو أول المدافعين لها. جبر الله قلبها وجعل ما قدمته في موازين حسناتها. فهي قدوتنا جميعا في حفظها وأدائها لحقوقه
قضى طول عمره بين الكتب الشرعية والعربية، لا نكاد ندخل عليه إلا ونرى جلسته على الأرض فاتحا كتابه ومع الأوراق والأقلام يكتب وهو منحني الظهر..
وأشدّ ما يرى فرحاً عند اجتماعنا جميعاً، فيبدأ يظهر مشاعره ومحبته، وطالما ردّدها في الفترات الأخيرة (الحمدلله كنت لحالي والحين كلكم عيالي) فقد نشأ يتيم الأم وعانى الفقد كثيراً في صغره. فاللهم اجمعه بأمه التي كان دائما ما يتألم لعدم رؤيتها.
كان لي نصيب وافر من تربيته، فقد ولدت بعد تقاعده، وكنت حفيدته الأولى أنا وابن عمتي، ففرح فينا كثيراً ودائما ما يذكر هذا.
ثم أحمد الله أنه رأى أبنائي، وقرت عينه بهم، فيحمد الله دائما (الحمدلله إني رأيت باكورة الباكورة حفيدتنا ريما) وكانت أحد رسائله لي يذكر فيها فضل من تبكر ببنت (من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى)
يحب البنات حباً ويقدرهم ويذكرنا بفضل البنات، كنا عندما نقبل إليه مسرعين للسلام، نحاول تقبيل رأسه قبل أن يسبقنا بتقبيل جباهنا ورؤوسنا، ثم نحاول أن نمنعه فيقول لا تمنعوني فالرسول ﷺ كان يقبل البنات من جباههن.
يعرفه الأطفال بـ(لا إله إلا الله) مع رفع السبابة، فمن ولادتهم يلقّنهم الشهادة ويعودهم عليها.. حتى أصبحنا نسألهم (وش يقول بابا سليمان) فيسبقوننا بالإجابة (لا إله إلا الله)
رحمك الله رحمة واسعة، وتقبلك قبولاً حسنا، دمت حياً في قلوبنا، قدوة لنا ولأبنائنا، يا طاهر القلب والسيرة.
إلى روحٍ وريحان، وربٍّ راضٍ غير غضبان..
والملتقى أعلى الجنان..

جاري تحميل الاقتراحات...