ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

28 تغريدة 509 قراءة Dec 01, 2022
فروا من الموت، ركضوا بين الأزقة والأحياء طلبا للسلامة والاختباء، حاصرتهم قوى العدو المنتصر، وباتوا أمام محاكم تفتيش، تبحث في قلوبهم عن ذرة إيمان وإسلام، كانوا بين خيارين إما الموت أو ترك ما هم عليهم، إنهم المورسكيون..
بقية العرب في إسبانيا.
ماذا حدث أين هم الآن.. حياكم تحت
في بداية عام 1492 كان القائدان الكاثوليكيان فرديناند وإيزابيلا رفقة جيشيهما يتقدمان على التلة الظليلة من أجل السيطرة على حاضرة قصر الحمراء، فيما القصور المنيفة ذات المنعة والأسوار العالية تحيطهما من كل اتجاه، لكن رغم كل هذا التحصين لم يلاقيا أية مقاومة، لقد استسلمت غرناطة!
في نفس الوقت كان أبو عبد الله الصغير ملك غرناطة وآخر ملوك المسلمين في الأندلس، يقف على تلة أخرى على مشارف المملكة، مودعًا لها وزفرات الألم تلتاع في صدره، لقد استسلم للإسبان ووقع معهم اتفاقية تقضي بتسليمه لمملكته مقابل خروجه ناجيا للساحل الآخر هو ومن معه.
تتضمن الاتفاقية كذلك عديد من البنود التي تَعِد المسلمين في إسبانيا بالأمان والحقوق الكاملة، بداية من ممارسة الشعائر الدينية، وحفظ الحقوق المالية، وانتهاءً بعدم المساس بالأوقاف والمساجد، بل وصل الاتفاق إلى إقرار عقوبة على السخرية من أي مسلم على أساس عقائدي.
بعد ثلاثة أشهر من إقرار هذه الاتفاقية صدر مرسوم الحمراء ممهورًا من الملك فرديناند وزوجته الملكة إيزابيل، مرسوم يقضي بتخيير اليهود بين الطرد أو التحول إلى المسيحية، بزعم خطرهم الداهم على العقيدة الكاثوليكية ومحاولتهم المضنية إبعاد المسيحيين المؤمنين عن معتقداتهم.
ارتاب كثير من المسلمين فور سماع هذه أنباء واستشعروا أن الخطر قادم لا محالة، لذلك استغل البعض منهم ما منحه الاتفاق لهم من فرصة للمغادرة إلى الساحل الآخر وغادروا إلى الأبد، خاصة مع التزام الملكين ضمن الاتفاق بتوفير سفن لنقل المسلمين -إن أرادوا ذلك- لمدة 3 سنوات.
استمر الملكان في صون اتفاقهما تجاه المسلمين المقيمين المعروفين حينذاك بالمورسكيين، حيث كُفلت لهم حرية العبادة، ولم يعانوا خلال سنواتهم الأولى بعد الاتفاق، وقد قٌدرت أعدادهم خلال تلك الفترة بنحو 500 : 600 ألف شخص، وهو عدد ضئيل مقارنة بما كان عليه عدد المسلمين في الأندلس ذات يوم.
في ظلال الحكم الكاثوليكي ارتضى المورسكيون بالأمر الواقع وتفاعلوا بإخلاص مع من حولهم، لذلك أحبهم الناس وأصبحوا عنصرا مرحبا به، يدل على ذلك استقبال وترحيب الملك وزوجته عام 1497 بمسلمين جدد لجأوا إلى إسبانيا بعدما طردوا من البرتغال بسبب رفضهم التحول إلى المسيحية.
في ذلك الفصل لم يكن ينظر فرديناند وإيزابيلا إلى وحدة الإيمان على أنها ضرورية، لكن على جانب آخر كان المتعصبين من الكاثوليك يرون لزوم إنقاذ المسلمين من ضلالهم -كما يعتقدون- والأخذ بأيديهم إلى طريق الهداية كما يزعمون، لذلك بدأ التبشير بالحسنى ضمن جماعة المسلمين في وقت مبكر.
على الأرض مارس الرهبان وأرباب الكنيسة صنوف التبشير الناعمة، فيما ضغطوا على الملك وزوجته وأخبرهما فرانسيسكو خيمينيز رئيس أساقفة طليطلة وغيره من المقدمين في البلاط أن واجب الشكر لله على ما منحهما من نصر يقتضي منهما تخيير المسلمين بين التنصير أو الإجلاء.
استمع الملكان إلى توصيات الكهنة والأساقفة بكثير من الحذر وتجنبوا الانخراط مبكرا في تلك الثنائية، لكنهم سمحوا بعمليات تبشير لا تتوقف، وعينوا لذلك الكاردينال فرانثيسكو خيمينيث، الذي لم يدخر جهدًا في سبيل ذلك، حيث استطاع إقناع الملك تحويل مسجد البيازين إلى كنيسة سميت سان سلفادور.
أجج ذلك الوضع الغضب في نفوس الموريسكيين، الذين استشعروا من هذا التبشير وهذا التحويل تمهيدًا لنقض تام لمعاهدة غرناطة التي تنص عن ألا مساس بالمساجد ولا إرغام لهم على ترك دينهم، تجمع المسلمون وحاولوا النهوض جمعًا يكافحون هذا الوضع، لكن خيمينيث كان لهم بالمرصاد!
لقد قبض على كثيرين حيث غيب بعضهم في السجون وقتل آخرين، وداهم بيوت علماء المسلمين ومكتباتهم وصادر أكثر من 5 آلاف كتاب ومجلد، منها نسخًا لا تقدر بثمن في العلوم الهندسية وكذا الدينية، ثم وضعها في مكان بارز وسط المدينة مضرمًا فيها النيران على مرأى ومسمع من الجميع.
كانت هذه الحوادث إيذانا بمرحلة جديدة من مراحل القهر وقطع الأواصر حيث ازدادت وتيرة التضييق حين عمد خمينيث إلى أبناء الموريسكيين ورأى ضرورة تحويلهم إلى المسيحية معللا أن المعاهدة لا تشملهم، وهو ما أثار حفيظة الموريسكيين الذين حاصروا بيته قبل أن ينقذه منهم عسكر الحمراء.
في خضم التوتر الذي صنعه خيمينيث تدخل هيرناندو دي تالافيرا رئيس أساقفة غرناطة صاحب نهج التبشير السلمي والعلاقات الطيبة مع المسلمين، حيث أقنعهم بضرورة الهدوء والابتعاد عن العنف ووعدهم بإصلاح الموقف والرجوع إلى تطبيق بنود المعاهدة وصدقه الناس ومضوا إلى أعمالهم.
وصل إلى مسامع الملكين في أشبيلية ما أنتجه خمينيث من وضع متأجج، حيث انزعجا مما حدث وألقيا باللوم عليه، لكنه ذهب إليهم بنفسه وأقنعهم أن عصيان المسلمين أسقط عنهم حقهم المنصوص عليهم في المعاهدة، وأنه يجب تخييرهم بين التحول إلى المسيحية أو الطرد أسوة باليهود، وهو ما تم الموافقة عليه.
عاد خيمينيث إلى غرناطة منتصرًا ومزودًا بالصلاحيات الكاملة، فعرض على المسلمين الاختيار ما بين التعميد أو الطرد نهائيًا من إسبانيا، فيما تم القبض على أبرز المعارضين وإعدامهم أمام الجميع، كما باشرت محاكم التفتيش عملها حيث مارست أقسى أنواع التعذيب وصولًا للقتل ضد كل من يرفض التعميد.
عمدت محاكم التفتيش إلى تحويل المسلمين قسريا إلى المسيحية، وراقبت مدى تطبيقهم للطقوس الكنسية، واستخدمت لأجل ذلك كل الطرق الوحشية لإجبارهم على ذلك مثل إملاء البطن بالماء حتى الاختناق، وسحق العظام بآلات ضاغطة، بالإضافة إلى الأسياخ المحمية على النار، وتمزيق الأرجل، وفسخ الفك وغير ذلك
في تلك الأثناء أصدر أحمد بن أبي جمعة عالم الدين الجزائري فتوى شرعية شهيرة عرفت بفتوى وهران تجيز للمورسكيين المعذبين القبول بالتحول إلى المسيحية ظاهريًا وممارسة طقوسها فيما يقصدون بكل ذلك وجه الله، ويكتمون برفقته عقيدتهم الإسلامية.
بسبب كل هذه الضغوط وبناء على الفتوى أتى عام 1501 وقد فر كثيرون إلى أعالي الجبال وأعلنوا المقاومة فيما تحول آخرون ظاهريًا إلى المسيحية واستبطنوا الإسلام، الأمر الذي شجع الملكة القشتالية إيزابيلا على إصدار مرسوم عام 1502 يحظر الإسلام نهائيا في جميع أنحاء قشتالة وتوابعها.
لم يُعامل الموريسكيين المتحولين إلى المسيحية بالترحاب، بل ميزوا وفرضت عليهم الإتاوات والضرائب وسلبت أملاكهم وأموالهم، وكان لزامًا عليهم أن يؤدوا طقوس المسيحية كاملة، وفي ذات الوقت تمسكوا بإسلامهم سرًا، وكأن تحويلهم أريد به الإذلال والمهانة أكثر من منه رعايا جدد للكنيسة.
في 9 أبريل 1509 أصدر ما يعرف بقادة الاسترداد مرسومًا يقضي بطرد جميع الموريسكيين من الأراضي الإسبانية، ذلك القرار الذي استمر تنفيذه حتى العام 1514، والذي قوبل بالرفض من كثير من الموريسكيين الذين قرروا التشبث بأرضهم ووطنهم الذي لم يعرفوا سواه.
وهو ما تم الرد عليه بأبشع الجرائم من قبل قادة ما يعرف بحروب الاسترداد، حيث حبروا بدماء الموريسكيين أبشع فصول التاريخ الإسباني قتامة، فنهضت جيوشهم ومرتزقتهم يدفعون بالموريسكيين خارج البلاد ومن يأبى منهم فمصيره القتل أو التنكيل.
خلال هذه المدة البسيطة أجبر مئات الآلاف من الموريسكيين على ترك أراضيهم وأموالهم وكامل ممتلكاتهم بل وأطفالهم والسير في مجموعات كبيرة في ظل جوع وظروف إنسانية قاسية، بالطبع قضى آلاف منهم حتفهم في هذا التهجير، فيما نشطت محاكم التفتيش تُصلِي كل من يتمسك بأرضه أو أبنائه عذابًا وتنكيلا.
عبر مئات الآلاف منهم إلى سواحل المغرب العربي ومصر، حيث استقبلهم إخوانهم في تلك البلاد بالترحاب والمواساة ونزلوا بينهم في مواضع كثيرة، مثل سبتة وتطوان التي نزل بها نحو 40 ألفًا منهم، فيما تفرق آخرون على بقية الدول المغاربية، وصولًا إلى مصر التي نزلوا بها في شمال الدلتا والإسكندرية
نقل الموريسكيين كامل تراثهم الأندلسي معهم فبنوا بيوتًا أندلسية وأحيوا في مجتمعاتهم الصغيرة تقاليدهم التي تواضعوا عليها وراثة عن آبائهم وأجدادهم، واجهوا في البداية صعوبة في التأقلم مع مجتمعاتهم الجديدة، لكن الزمن كان كفيلًا بدمجهم والربت على أكتافهم ليندمجوا في حياتهم الجديدة
بعد خمسة قرون على نكبة التهجير، اعتذر الملك الإسباني السابق خوان كارلوس بشكل علني لليهود على طردهم وسنت قوانين تتيح لليهود ذوي الأصول الإسبانية بالحصول على الجنسية كتعويض لهم، لكن لم تعتذر إسبانيا إلى اليوم على جرائمها المريرة بحق الموريسكيين الذي يفوق عددهم حاليا الخمسة ملايين
خلد الأدب معاناة الموريسكيون عبر مصنفات كثيرة أبرزها "رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب" وهو كتاب للرحالة الموريسكي أحمد بن قاسم الحجري يصف فيه فراره ببدنه ودينه من ملاحقة محاكم التفتيش عام 1597، كما يبرز في العصر الحديث ثلاثية غرناطة، وهي رواية مميزة تعايش هذه المعاناة وتصفها بدقة.

جاري تحميل الاقتراحات...