#التراث_والسيادة
ليت الأمر توقّف عند الزلّيج، فنقول إنه مجرّد تفصيل يمكن تجاوزه، لكنّه مخطّط ممنهجٌ تقفُ وراءهُ جهاتٌ تُدركُ ماذا تفعل، ذلك أنّ الأمر ليس جديدًا، فهناك استهدافٌ واضحٌ لكلّ ما هو جزائريٌّ أصيل، في تراثيه الماديّ وغير المادي، بالسّعي لإفراغه من روحه وهويّته،
ليت الأمر توقّف عند الزلّيج، فنقول إنه مجرّد تفصيل يمكن تجاوزه، لكنّه مخطّط ممنهجٌ تقفُ وراءهُ جهاتٌ تُدركُ ماذا تفعل، ذلك أنّ الأمر ليس جديدًا، فهناك استهدافٌ واضحٌ لكلّ ما هو جزائريٌّ أصيل، في تراثيه الماديّ وغير المادي، بالسّعي لإفراغه من روحه وهويّته،
إن كان أغنيّة أو لباسًا أو زخرفةً أو أقوالاً مأثورة، أو أيّ عنصر يرتبط بالانتماء والتّاريخ. أمّا المنطلقُ في هذا المخطّط، فهو البدء بالتشكيك في كلّ شيء، أي على أساس قاعدة "حيّرهم.. لا يباتوا رقود" ومنطق الفعل وردّ الفعل، كأن يقول أحدهم إنّ أغنيّة "الشّمعة" للمرحوم كمال مسعودي!
هي من التراث المغربي هكذا بكلّ تنطّع واستخفاف، فيتصدّى لهُ جمهور جزائري واسعٌ "هذا سطوٌ سافر.."، وهذا وحده لا يكفي، فإذا كنّا نبتهج للهبّة الشعبيّة دفاعًا عن التراث الجزائري، وفضح ألاعيب الذين يحاولون سحبَ بساط كلّ ما هو جميل وأصيل من تحت أقدامنا،
فإنّ هناكَ هيئات ومؤسساتٌ عريقة تعنى بالتراث وحمايته، هي بحاجة إلى تنشيط وتحفيز وتفعيل مهامها حتّى تكون قويّة في حضورها وقادرة على التدخّل في الوقت المناسب للحيلولة دون تمييع مشروع "مَغربة" الحجر والشجر والبشر، وتحوّله إلى كرة ثلج تذوب في بيت الذي يمتلكُ جيشًا من "الذّباب"
المُنظّم والمدرّب على تغليط الرأي العام والتلاعب به، فيستفيد من الموقف الرسمي ليعزّز به الزّخم الشعبي كما في حكاية الزلّيج، ويحتلُّ الفضاء الأزرق، وفق قاعدة غوبلز "اكذب، اكذب، ثم اكذب حتّى يُصدّقك النّاس"، لكن وفق قاعدة المزايدين الذين استحكمت فيهم حالة انفلاتٍ غريبة "اكذب،
واستمر في الكذب إلى أن تصدّق نفسك".. ولعلّ الذي دفعني إلى هذا، هو أنّ عملية السطو على كلّ ما هو جزائري تمارسها باحترافية عالية جهات مكلّفة بمهمّة، إذ لا يحقُّ لك أن تقول إن الزليج والزيّ التلمساني وطابع الدّيوان والأشويق والرّاي والزفيطي والمردود والبركوكس وكثير من الأطباق
وهي كلها تراث جزائري صِرفٌ، متوارث، وعندما تتقدّم بملفّ لتسجيله كتراث ماديّ أو غير مادي، تجدهم هناك، ينازعونك فيه على أنّهُ حقّهم منذ النبي نوح عليه السّلام.. أي أشبه بمن يظهرُ فجأة أثناء توزيع الإرث أو التركة، فيطالب بحصّته بحجّة أنّه جارٌ، والنبيّ أوصى خيرًا به!
في تعاملها مع الهيئات الدوليّة وخاصّة اليونيسكو، تقوم وزارة الثقافة بإعداد ملفات وفقَ معايير محدّدة، وليس مجرّد رسائل إنشائيّة، لتسجيل عناصر من التراث المادي وغير المادّي، ذلك، أنّ هناك آجالا للإيداع ومواعيد لدراستها من قبل لجان اليونيسكو، فربّما يرفضون الملف أو يسجلون تحفظات،
أو يوافقون عليها، ويعلنون ذلك للرأي العام، كما هو الشأن بالنسبة لما تمّ الاعتراف به مع رقصة السبيبة التّارقيّة، وركب سيدي الشيخ، والشدّة التلمسانيّة، والإمزاد الذي تشاركت فيه دول السّاحل حيث الساكنة التارقية، إضافة إلى أساليب السقي المعروف بالفقارات في تيديكلت،
فضلاً عن عديد المشاريع التي سبق وأن أعلنت عليها الوزارة في فترة عزالدين ميهوبي، حيث شُرعَ في إعداد ملفات بشأنها، مثل أهرامات الأجدار بتيارت وطبوع الأشويق القبائلي، والآي آي البدوي، والسّراوي السطايفي، وهي إيقاعات صوتيّة تتميّز بها الجزائر دون غيرها..
ومع ذلك سيندسُّ المفسدون في التراث، ليقولوا "ومن أين لكم بهذا.. إنّه إرثنا منذ ألف عام".. إذ أنّ ملفّ الرّاي، مثلا تمّ إيداعُه في 2015 مع الالتزام بمعايير وشروط اليونيسكو، وكلّ العالم يعرفُ من اليابان حتّى جزر الباهماس أن الرّاي جزائري ونجومه معروفون،
وأنّ شعوبًا كثيرة تتفاعل مع إيقاعاته، وتعيدُ توزيعها في بلدانها إعجابًا بها، ولم نسمع عن وجود لقب الشاب والشابة والشيخة إلاّ في تراث الرّاي الجزائري.. وانتظرت الجزائر أن يُدرس الملفّ المعزّز بالدلائل الثقافيّة والأنتروبولجيّة التي أعدّها خبراء،
ويصدُر القرار بتسجيله كغناء شعبي جزائري، وإذا باليد الخفيّة، تتدخل ليقول أحدهم "لا.. الرّاي مغربي" ودليلهم شبكة الأنترنيت ومرجعهم موسوعة ويكيبيديا.. وكأنّ ما تكتبهُ تلك المواقع يُغني عن الواقع والأدلّة الدّامغة فطوال أربعين عامًا،
ظلّ مطربو الرّاي الجزائريون يتنقلون في بلدان العالم، وخاصّة الجارة التي ما كان لينجح فيها مهرجان فنيّ دون خالد أو مامي أو بلال أو الزهوانية.. أو غيرهم من الموجة الجديدة. ورغم أنّ "خبراء" الجارة في الفنون والتراث لم يقدّموا بما يبرّر حقّهم في الرّاي،
إلاّ أنّهم اكتفوا بدور إفساد العرس. كما يفعلون مع القفطان والمجبود والزليج ورقصة العلاوي وعشرات الأغاني والطقوس..
ويذكرُ أن مديرة اليونيسكو أودري أزولاي، تركّز على أنّ الملفّات التي تحظى بالدراسة الوافية والقبول هي "الجماعية" التي تضمّ مجموعة بلدان تتشاركُ مورُوثًا معيّنا،
ويذكرُ أن مديرة اليونيسكو أودري أزولاي، تركّز على أنّ الملفّات التي تحظى بالدراسة الوافية والقبول هي "الجماعية" التي تضمّ مجموعة بلدان تتشاركُ مورُوثًا معيّنا،
كما هو الشأن بالنّسبة للكسكسي، وهو طبق شعبي ذو انتشار في شمال إفريقيا، ويذكر بعض المصادر أنّ المؤرخ بوليب أشار إليه في تأريخه لنوميديا وحاكمها ماسينسن.. وفهمتُ حينها، أنّ أذن أزولاي البنت في فم أزولاي الأب، وأنّ كلمة السرّ هي أنّ "الجيران.. لا تراث لهم"..
لقد تمت مصادرة أسماء شخصيات حفرت عميقا في تاريخ هذه الأرض، أمثال يوغورطا والقديس أوغستين وأبوليوس وتين هينان وطارق بن زياد وسيفاقص و جماجم المقاومين ومدفع بابا مرزوق.. وحتّى رياض محرز (!) من كلّ الجهات..
ماذا يعني هذا؟
ماذا يعني هذا؟
إذا كان المؤرّخ إيف لاكوست يقول إنّ الحدود السياسيّة بين الجزائر والمغرب هي الأقدم في التّاريخ، فماذا يعني الهجوم على التراث؟ هل هو معركة من يدّعي الشرعية بحجّة أنّ تاريخه ممتد في الماضي، فيعمل على ترسيخ ذلك بالتراث وحرمان غيره من هذه الشرعية بطمس هويته وانتحال صفة المالك الحصري
هل أضحى التراث أحد مظاهر الصراع من أجل السيادة على بلادنا لانتزاع شرعية الأقدمية في هذه المنطقة من خلال استعمال التراث للمحاججة بأن تلك دلائل على أنّ المدعي متجذّرٌ في هذه البلاد ويسيطر عليها منذ أزمنة غابرة وأنّ غيره وافدٌ وغريبٌ ولا يملكُ ما يبرّر به وجوده أو سيادته عليها.
ولعلّ أبرز مثال على ذلك هو توظيف المغرب ادعاءات تاريخية لتبرير احتلاله للصحراء الغربية. لذلك فإن النزاع على الموروث الثقافي هو جزء من هذه المعركة على السيادة، وأنّ أيّ قبول بأن تراثنا هو مغربي يعني أننا كنا تابعين لجلالته، ولم نكن أسيادا على أرضِنا ولم نكن مستقلين.
فالتراث هو روحُ الهويّة والسيادة.وفي هذا المقام أودّ أن أذكّر الذين يستبدُّ بهم النسيان، أنّ المجلّة العالميّة المحكّمة ساينس science الأمريكية أعلنت في ديسمبر 2018 نتائج البحث الأثري في منطقة عين بوشريط (القريبة من سطيف) الذي قام به فريق دولي مختصّ بقيادة البروفيسور محمّد سحنوني
وكشفت أنّ الوجود البشري في الجزائر يعود إلى 2.4 مليون سنة، أي الثاني بعد موقع غونا بإفريقيا الشرقيّة.. وحاول الجيران النيل من نتائج هذا البحث بابتكار أبحاث مغشوشة.. لكن سعيهم سقط في الماء. ومن فاتك بليلة فاتك بحيلة!
في تقديري، أن هناك ضرورة ماسّة، إلى إنشاء "وكالة وطنيّة للحفاظ على التراث الوطني وحمايته والترويج له"، تضمّ في مجلس إدارتها كل الجهات الفاعلة في الدّاخل والخارج، مهمّتها وضع مدوّنة للمعالم التراثيّة وإحصاء عناصر التراث الثقافي والاجتماعي والطبيعي الوطني،
بالتنسيق مع الهيئات الموجودة، مثل مراكز الآثار ومركز دراسات ما قبل التاريخ، والمتاحف، والجامعات ومعاهد التّاريخ والآثار والمخطوطات، والجمعيات التي تعنى بالحفاظ على التراث، والديوان الوطني لديوان المؤلف وما له من دور عظيم في حماية الموروث الفنّي والتكفّل بالمتابعات القضائية
في حالات السطو.. والتنسيق مع الممثليات الديبلوماسيّة وغيرها، لمنع أيّ محاولة للعبث بالإرث الثقافي والموروث الاجتماعي الجزائري، والردّ بقوّة، إعلاميا وقانونيا وحتى سياسيا على من يسعى للمساس به.. لأنّ من يضايقك في تاريخك وثقافتك،
إنّما يريد أن يسلب منك وجودك ويفرغُ سيادتك من أي هويّة، وكأنك خارج التّاريخ. أتمنّى أن تصل رسالتي لمن يهمّه الأمر.. قبل أن يستمرّ العابثون بتراثنا في غيّهم.. ويعيشون على وهم قاعدة غوبلز.. يكذبون ويكذبون فنصدّقُهم!!
جاري تحميل الاقتراحات...