تمهيد أولاً قبل الدخول في تفاصيل الصراع الكوشي الليبي يجب تصحيح بعض المفاهيم لدي العامة حتي نرتكز عليها في سردنا
أولاً لم تكن المملكة في مصر القديمة والتي ينسب اليها مصريو اليوم حضارتهم مكونة من مكون واحد بل ساهم فيها عدة امبراطوريات وممالك مختلفة وهو ماساهم في نضوجها وتوهجها
أولاً لم تكن المملكة في مصر القديمة والتي ينسب اليها مصريو اليوم حضارتهم مكونة من مكون واحد بل ساهم فيها عدة امبراطوريات وممالك مختلفة وهو ماساهم في نضوجها وتوهجها
المفهوم الخاطئ الثاني ان المملكة كانت قوية وصامدة طوال تاريخها حتي انهيارها وهو مالم يحدث فالمملكة المصرية القديمة مرت بعصور اضمحلال وظلام وتدني في كل اوجه الحياة ولكنها كانت تنهض من جديد علي يد ملوك اقوياء يستعيدون جذوة الحضارة و بهائها بعد كل ضعف واضمحلال
عشر التي تعد أقوي وأعظم الاسر التي حكمت في الحقبة المسماة (خطأً ) الحقبة الفرعونية وذلك لان ملوك هذه الاسرة استطاعوا بعد ان كانت مصر القديمة ضعيفة ومحتلة من قبل الغزاة الي تحويلها لقوة عظمي تقوم هي بالسيطرة علي من حولها من الممالك
استمرت هذه الحقبة لستة قرون كان الملك فيها يعين نائباً له في كوش يسمي ابن الملك في كوش تشريفاً وقد ابتدأ هذا المنصب رجل يسمي جحوتي وانتهي عند الامير الكوشي بانحسي اخر ابناء الملك في كوش ومنهي حقبة العصور الظلامية
عاصر الامير بانحسي الملك رمسيس الحادي عشر وقد كان الملك رمسيس الحادي عشر ملكاً ضعيفاً لذا قامت ضده الثورات وانفصل الامراء بالاقاليم المصرية الي ان قاد بانحسي جيشه واخضع جميع امراء الاقاليم وثبت اركان الملك رمسيس الحادي عشر من الضياع ولكنه لما شهد بنفسه ضعف المملكة اثر انهاء
سلطتها علي كوش ورغم انه غزا بجيوشه مصر لكنه لم ينصب نفسه ملكاً عليها واكتفي بإنهاء تبعية كوش لمصر وهو ماسمح لكوش بالتقدم والازدهار ليتعاقب عليها ملوك اقوياء يرسوا حكم الدولة ويجعلوها قوة عظيمة في افريقيا في ذلك الوقت
كان شاشنق ضابطاً في الجيش تدرج حتي اصبح قائداً للجيش المصري وهو ينحدر من قبيلة الماشواش الليبية البدوية وقد هاجر اجداده الي مصر قبل ميلاده حيث ولد هو ونشأ بمصر لذا يعتبره العلماء المصريين اليوم ملكاً مصرياً ولكنه في الاصل ليبي استطاع حكم مصر سلمياً ودون مقاومة بصفته قائد الجيش
حكم شاشنق وخلفاءه مصر لقرابة القرنين استطاع فيها توحيد مصر وجعلها متماسكة مرة اخري وفي ذات الوقت كانت كوش تقوي وبرز نجمها كمملكة قوية وكديدن العالم القديم الذي لا يقبل بوجود مملكتين قويتين جوار بعضهما كان لابد للصراع الكوشي الليبي من الاندلاع
كان الدين سبباً مهماً في انطلاق هذا الصراع فقد كان صعيد مصر يدين بالديانة الامونية ويحكم بكهنة امون في طيبة بينما الليبو في الشمال لم يكونون يدينون بأي ديانة وحينما بزغت كوش كمملكة قوية ولان الديانة الامونية كانت دين الدولة الرسمي قام كهنة امون وامراء الصعيد بتقديم فروض الولاء
تزامن صعود الملك القوي بعنخي علي عرش كوش مع صعود ملك قوي علي الدلتا وهو الملك الليبي تافنخنت ، كان لتافنخنت طموحات توسعية حيث اخضع جميع امراء الدلتا لحكمه قبل ان ينطلق بحملة لضم صعيد مصر لحكمه وهنا كان شرارة الصراع الكوشي الليبي الاولي
حاصر تافنخت مدينة هرقليوبوس في الصعيد والتي يدين ملكها بالولاء للملك بعنخي وكان الامر بمثابة اعلان تافنخنت الحرب علي كوش ومازاد من غضب بعنخي ان الملك نملوت ملك هرمبلوس نقض الولاء لبعنخي واعلن الولاء لتافنخنت ظناً منه انه المنتصر في الحرب كعادة الامراء المصريين الذين يغيرون ولائهم
علي جيوش تافنخنت وحينما اتي بعنخي بنفسه استطاع هزيمة الليبيين وطاردهم حتي الدلتا وبسط ملكه علي كامل مصر ليستسلم تافنخنت برسالته الشهيرة (انني ارتجف امام غضبك ايا بيا ايها الثور القوي اعف عني وارسل لي رسلك ياخذوا ولائي لك) ليكتب هذا الاستسلام انتهاء الصراع الاول بين كوش والليبيين
بإنتصار كوش ولكن رغم الانتصار انسحب بعنخي بقواته الي كوش وترك مصر بعد ان اخذ ولاء حكامها له ولكن ما ان انسحب بعنخي حتي تمرد تافنخنت من جديد واعلن نفسه ملكاً علي الدلتا ولكن هذه المرة لم يقم باعلان الحرب علي صعيد مصر وبقي حاكماً حتي وفاته ليخلفه ابنه بوخريوس علي الدلتا
كان بوخريوس ملكاً عظيماً ومثقفاً وعادلاً وسن تشريعات لازالت البرلمانات الاوربية الي اليوم تستمد بعض قوانينها منها منها انه قام بالغاء تسلط الكهنة علي الشعب وقلص صلاحيات النبلاء والامراء وتسلطهم علي الشعب ورغم ان الامر جلب له محبة الناس ولكنه اسخط اهم طبقتين عليه وهم رجال الدين
والنبلاء ولكن بوخريوس مضي في اصلاحاته وبني جيشاً قوياً وارسي مملكة قوية واعلن ان مصر مملكة مستقلة وان لا سلطة للكوشيين عليها بعد اليوم تزامن ذلك مع اخر فترة حكم بعنخي والذي لم يكن بصحة تسمح له بخوض الحرب علي مصر من جديد ولكن وفاة الملك وصعود شقيقه الملك القوي شباكا علي العرش
حينما صعد شباكا علي العرش كانت مصر قد عادت ضمنياً لحكم الليبيين وهو الامر الذي اغضب الملك الكوشي فجهز جيشه لمواجهة الليبيين واستعادة مصر الي حكم الكوشيين مرة اخري ، كان الجيش الليبي اقوي عدةً وعتاداً ولكن مالم يحسب حسابه بوخريوس هو الروح المعنوية التي تدنت جداً لدي جنوده
ودب الرعب فيهم حيث بث الكهنة الذين يضمرون العداء للملك الليبي الخوف والذعر في الجنود حيث اخبروهم ان الاله امون قد بارك الجيش الكوشي وان الكوشيين سينتصرون لأنهم يحملون راية الدين الاموني بينما جيش بوخريوس هم اعداء الدين المهزومين لذا سار جيش بوخريوس وجنوده موقنين بالهزيمة
وهو الامر الذي حدث حيث تمكن شباكا من هزم بوخريوس وأسره ليعدمه بأفظع طريقة عرفها العالم القديم حسب وصف المؤرخ مانتيون السمنودي حيث قام بسلخ جلده حياً وعلقه علي الخازوق ثم اضرم فيه النار ، وبموت بوخريوس انتهي رسميًا حكم الليبيين لمصر وارتفع نجم كوش لحكم كامل وادي النيل
بعد انتصاره عمد شباكًا علي تثبيت حكمه علي مصر حيث قام بنقل عاصمة حكمه من كوش الي طيبة( الاقصر) وقام بعزل جميع امراء الأقاليم واستبدلهم بحكام كوشيين ليمنع اي تمرد او ثورة في مهدها لذا يعمد بعض العلماء علي وضعه كمؤسس للاسرة ال25 بدلاً من بعنخي لانه اول من سن سنة حكم الكوشيين من مصر
ساهمت افعال شباكا في ترسيخ حكم من تلاه من الملوك حيث حكم ابناء الملك بعنخي شبتاكا وطهارقة مصر دون نزاع او تمرد ولكن قوة عظيمة ظهرت الي الوجود بالقرب من الامبراطورية الكوشية وهي امبراطورية اشور، ليتأجل الصراع الكوشي الليبي ويحل محله الصراع الكوشي الاشوري
رغم تقهقر الكوشيين الا ان الصراع الكوشي الليبي سيعود من جديد بسبب ان الاشوريين قاموا بتعيين ملك ليبي كنائب لهم علي ارض مصر وهو الملك نخاو الاول بن بوخريوس الذي اعدمه الملك شباكا ، لم ينس نخاو الاول غضبة الملوك الكوشيين وعقابهم لوالده وجده وليتقي غضبتهم وشرهم
وليقتل نخاو الاول علي يد تانوت امون كما قُتِل والده علي يد شباكا وليستعيد الكوشيين حكم مصر مرة اخري وليفر ولي العهد بسماتيك الاول الي الموصل لأشور بعد كتابة انتصار جديد للكوشيين في فصل الصراع الكوشي الليبي ليحكم تانوت امون مصر لثماني سنوات قبل ان يعاود الاشوريين غزو مصر مرة اخري
تم اجلاء الكوشيين من جديد واعاد الاشوريين تنصيب بسماتيك الاول الليبي علي مصر وبهذا الامر يخمد الصراع بين كوش والليبو الذي امتد لخمسة وسبعين عاماً كانت الغلبة فيه للكوشيين دوماً ولكن استعانة الليبيين بإمبراطورية اشور القوية مكنهم في الختام بالعودة لعرش مصر
هدأ الصراع منذ انسحاب تانوت امون في العام 655 قبل الميلاد ول62 عاماً قبل ان يقوم ملك ليبي اخر هو بسماتيك الثاني بن نخاو الثاني بن بسماتيك الاول بحملة انتقامية قام فيها بتكسير كل الاثار الكوشية في مصر وطمس الخراطيش الملكية لملوك الاسرة الخامسة والعشرين ولم يتوقف عند هذا الحد
حيث واصلت حملته طريقها ودخلت كوش فأحرقت المدن وكسرت التماثيل واشهر تلك التماثيل هي التماثيل في الصورة التي ابتدأنا بها الثريد حيث اكتشفها شارلس بونيه في مدينة كرمة وقام بترميمها كل ذلك تزامن مع وفاة الملك أنلاماني وتنازع الامراء علي من سيخلفه لتكون المملكة بلا ملك
حيث طالب احفاد خاليوت بن بعنخي بالمُلك محتجين بكون جدهم هو من كان الاحق بالمُلك والاول في السلسلة قبل الملك طهارقا الذي ساعدته قوته ومنصبه كقائد لجيوش كوش في الصعود علي العرش سابقاً لشقيقه الاكبر خاليوت بينما اوصي أنلاماني بالعرش لشقيقه أسبلتا بن سنكامنسكن بن اتلانيرسا بن طهارقا
لم يكن أسبلتا يرغب في الصعود علي العرش والصراع مع احفاد خاليوت حيث كتب في نقش من نقوشه يُعرف بلوح الانتخاب ( ليس الجميع يسعد بكونه ملكاً ) ولكن الحملة التي جردها بسماتيك الثاني كانت تطلب اختيار ملكاً بسرعة علي المملكة لذا تم انتخاب أسبلتا كملك علي كوش من قبل امراء الجيش الكوشي
وكهنة امون ونبلاء وامراء كوش ليأمر بعدها أسبلتا جيوش كوش بالتصدي لحملة بسماتيك الثاني ولكن النقوش والادلة الاثرية لم تورد اي صدام بين الكوشيين والليبيين مرة اخري كما ان كوش ظلت محكومة بأبنائها ولم تسقط ابداً الا بعد ثمانية قرون وهو مايؤكد ان الحملة الليبية لم تنجح
كما لا يوجد اثر علي اعادة احتلال الكوشيين لمصر مرة رابعة بعد جيوش بعنخي وجيوش شباكا وجيوش تانوت امون وهو ماجعل العلماء يرجحون ان الحملة الليبية انسحبت بمجرد تتويج أسبلتا علي عرش كوش وبذا ينتهي الصراع الكوشي الليبي أحد أهم الصراعات التي خاضتها الامبراطورية الكوشية في تاريخها
جاري تحميل الاقتراحات...