Engr Saif Elhaq,PMP,PBA,RMP,ACP,P3O- QM Master
Engr Saif Elhaq,PMP,PBA,RMP,ACP,P3O- QM Master

@Engr_saif_elhaq

124 تغريدة 19 قراءة Nov 26, 2022
لماذا لم يسم أحد من المسلمين ابنه(لوط)!
قصة لوط (ع)في القرآن:
وردت قصة لوط(ع)في13سورة
وإن كان قد ذكر اسم لوط(ع) في مواطن أخرى حيث وصل ذكر
اسمه في القرآن إلى(27 مرة)
التعريف بلوط(ع):
–الاسم لوط..كنوح..فنوح من النوح..ولوط من اللوط بمعنى الالتصاق بالقلب..أي كأنه القريب من القلب
1
–وهو ابن أخ إبراهيم عليه السلام،وهو الوحيد الذي آمن بإبراهيم من أسرته.
–هاجر مع عمه إلى حران- تقع حاليا جنوب شرق تركيا عند منبع نهر البليخ أحد روافد نهر الفرات – ثم رحلا إلى الشام وفلسطين. ثم ذهبا إلى مصر معاً ورجعا بأموال طائلة أعطاهما فرعون مصر..
نزل بأمر عمه مدينة (سَدُوم)
2
- يقال إنها تقع اليوم مكان البحر الميت – من أرض غور الأردن لعدم اتساع رقعة الأرض في الخليل (جردن) لمواشي الاثنين معاً، وكان هذا بالتراضي فيما بينهم ..ولعله أقام فيهم.. وتزوج منهم وصار كأنه منهم.. لأن اللفظ القرآني عبر عن هذه الصلة { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } فهم قومه..
3
{ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ } فهو بحكم صلته بهم كأنه أخ القوم أي منهم ، وهذه الصلة عن طريق معيشته فيهم وزواجه منهم، وكأن الفاحشة التي ارتكبوها كانت طارئة عليهم ، ولم تكن موجودة فيهم حينما نزل لوط عليه السلام فيهم.
– أوصاف لوط عليه السلام ..
* أوتي علماً، ومهارة الحكم
4
بين الناس { وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا }.
*وشملته رحمة الله ، لأنه كان من الصالحين { وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ }.
*ووصفه الله سبحانه هو ونوح عليهما السلام بـــــ { عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ }[3]
5
*وبيته عليه السلام في قرية سدوم هو البيت الوحيد المسلم{ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }.
* وهو أحد المرسلين { وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ }.
*وقد وصفه أعداؤه بأنه من المتطهرين{إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } وهذا التطهر سبب نقمتهم عليه
6
وعلى من آمن به نبياً.
هذه الأوصاف تدل على:
1- أن الداعي إلى الله لابد أن يكون صالحاً..حكيماً..لديه علم بما يؤمن..وبما يدعو إليه..وأن يكون نموذجاً يُحتذى..فهو معروف بالصلاح والطهارة في كل سلوكه..
2-أن بيت الداعية لابد أن يكون بيتا مسلما ملتزما بما ينبغي أن يلتزم به،ولا يناقض
7
العمل مع ما يتفوه به لسانه .
3- أن المتأبي على الحق والاستقامة من بيت الداعية إلى الله لابد أن يكون على بينة هو وأهله بأنه هو على طريق وأنهم على طريق، مالم يستقيموا على أمر الله ، وأن الله لا يحابي أحداً حتى أقرب الناس إلى النبي لا يُحَابىَ ولا يُجَامَل بل يهلك مع الهالكين،
8
وهذا الوضوح يكون في نفس الداعية أولاً .
* زوجة لوط:
وصفها سبحانه في القرآن الكريم–{إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ }.
وقال عنها هي وامرأة نوح –{…فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا }.
وصفها الله بالخيانة لما قامت به من أدوار خبيثة مع لوط لذلك
9
عندما نجى الله لوطاً لم يسأل ربه عنها كما فعل نوح عليه السلام بالنسبة لولده .. وهنا دلالة على أن الله لم يحابِ أحداً حتى أقرب الناس للأنبياء وهم أحباؤه بل أهلكهم لتمردهم عليه ، والخيانة المقصودة بالتأكيد ليست فاحشة الزنى وإنما الخيانة في عدم الالتزام بدين الله ، لأن الله ينزه
10
نبيه أن يعاشر زانية.
* التعريف بقوم لوط عليه السلام:
–قوم لوط (ع)كانوا يسكنون في غور الأردن على البحر الميت (بحيرة لوط) وكانت القرية التي يسكنونها تسمى سدوم وعامورة ..وهما اللتان دمرتا بعذاب شديد(فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل).
أما أوصافهم في القرآن الكريم:
11
– فقد وصفوا بالجهل..{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}.
– ووصفوا بالإجرام..{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}.
–ووصفوا بأنهم قوم عادون..{ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ }.
– ووصفوا بالسوء والفسق..{ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ }.
12
– ووصفوا بأنهم مفسدين..{قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ }.
– وأنهم مسرفون..{مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ }{إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ }فهو إسراف في الملذات والشهوات
13
والاعتداء على أحكام الله .
–وأنهم يعملون الخبائث..{وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ }
–وأنهم كانوا يقطعون الطريق،ويقترفون في مجالسهم المنكر، ويجاهرون بالفاحشة مع الرجال{أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ
14
فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ }
–وأنهم ظالمون..{إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ }.
– وكانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه،حتى لم يوجد فيهم رجل رشيد،بل السوء هو الغالب عليهم،(فالتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد ؟)هود 78
– وأن فعلهم الشذوذ لم يفعله أحد من قبلهم..
15
{مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ }.
– وأنهم يعملون السيئات..{وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ }.
قال ابن عباس(ر) :“إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة. منها : أنهم يتظالمون فيما بينهم،ويشتم بعضهم بعضاً ويتضارطون في مجالسهم، ويخزفون ويلعبون
16
بالنرد والشطرنج، ويلبسون المصبغات، ويتناقرون بالديكة، ويتناطحون بالكباش،ويُطَرِّفون أصابعهم بالحناء،ويتشبه الرجال بلباس النساء والنساء بلباس الرجال،ويضربون المكوس على كل عابرـ ومع هذا كله كانوا يشركون بالله،وهم أول من ظهر على أيديهم الفاحشة والسحاق”
هذا التعريف بقوم لوط(ع)
17
يوحي لنا بما يلي :
1- أن أية أمة توصف بالفسق والإسراف في الفاحشة وعمل الخبائث ، والإفساد في الأرض ، وإشاعة المنكرات،وعدم التناهي عن المنكر..هذه أمة تستحق العذاب،وإن ادعت الإسلام فقوم لوط عليه السلام لم يكونوا يعبدون أصناماً،لكنهم يمارسون الشرك ولم نعرف نوعه ، وربما كانوا
18
يدّعون الإسلام ولكنهم يمارسون الفحشاء والمنكر، ويقطعون السبيل .فهي من الأمم التي تدعي أنها على شيء وتمارس شيئاً آخر.
2-وأن الله – رحمة بالعباد.. غم تمردهم عليه- يكرمهم بأن يرسل إليهم الأنبياء لعلهم يرجعون إلى ربهم.
3- وأن الواقع البشري اليوم يعمل أسوأ مما عمله قوم لوط (ع)..
19
فهم يقننون الشذوذ على مستوى هيئات الأمم العالمية ، ويلزمون الدول بقبول تلك القوانين ، وتعقد حفلات الزواج بين المثليين علناً دون حياء .. سواء في البلاد الأوربية أو البلاد العربية والإسلامية.
4- وأن الواقع البشري اليوم يقوم على الفسق والإسراف والإجرام وعمت فيه الخبائث ، وتداول
20
المنكرات جهاراً نهاراً، ومن ينكر تلك الخبائث هو الُمطارد .. وهو الذي يتطهر..وهو الذي ينبغي أن يُنفى ويُطرد من هذه البلاد المتحضرة لأنه ليس مواكباً لها .. كما قال قوم لوط عيه السلام من قبل [أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون].
5- وهذه ظاهرة عامة في كل أوساط الناس وعلى
21
مدار التاريخ فمن يستقيم على أمر الله فهو المنبوذ..وهو المطرود..وهو الذي تتكالب عليه قوى الأرض للقضاء عليه،لأنه يعيش بقيم غير القيم التي يعيشون بها.فهم يقولون كما قال قوم لوط{أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ }.{أَخْرِجُوهُم مِنْ قَريَتِكُمْ إِنَّهُم أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}
22
… والله سبحانه يرينا هذه النماذج في القرآن الكريم للعظة والاستفادة منها في الواقع المعاش اليوم وفي أي عصر.
6- أن الله سبحانه – أيضاً رحمة بعباده اليوم- لابد أن يهيئ من أصحاب الحق من يجهر لهذه الأقوام بفساد ما هم فيه .. وأنهم سيطالبونهم بما طالبهم به لوط عليه السلام ..
23
وأن النتيجة ربما تكون أفظع مما يتصور..سواء لهذه الأقوام..أو للدعاة إلى الله.
*دعوة لوط عليه السلام لقومه:
– من المحتمل أن مجيء لوط عليه السلام إلى هذه المنطقة والعيش في أوساطهم أخذ وقتاً طويلاً حتى صار واحداً منهم.. لأنه عاش فيهم .. وعرفوه .. وأكرمهم .. وصار بينهم معروفاً
24
بالطهر والإسلام. وهم أنفسهم لم يعرف عنهم أنهم كانوا ينكرون الله سبحانه.
– ثم أبلغهم بأنه رسول رب العالمين إليهم..وأنه لا يسألهم شيئاً مقابل ما يدعوهم إليه وإنما أجره على الله..
{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ(160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ
25
(161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) }[23] .
*والمرسل إليهم رسول واحد ولكن التكذيب برسول واحد هو تكذيب لجميع الرسل.
*وأهل هذه المنطقة عرفوا
26
بقوم لوط وهو مرسل إليهم .
*ومناداته لهم ..بالقوم أو برابط الأخوة.. أخوة القرابة كما يقال يا أخا العرب.
* الدعوة المقدمة إليهم كدعوة نوح فهي دعوة إلى التقوى والطاعة لله رب العالمين الذي يعرفونه من خلال طاعتهم لرسوله .. ولا يطالبهم بشيء لنفسه ، فهو رسول أمين من عند الله ، وهو
27
ناصح لهم ولا يرجو منهم إلى التقوى لله،والطاعة لأوامره..إن لوطاً عليه السلام ” يستنكر استهتارهم ، ويستجيش في قلوبهم وجدان التقوى ، ويدعوهم إلى الإيمان والطاعة ، ويطمئنهم أنه لن يفجعهم في شيء من أموالهم مقابل الهدى”
وهذا هو أساس الدعوة إلى الله .. وأساس الحق الذي يحمله الأنبياء
27
28
، ويحمله أصحاب الحق في كل عصر من العصور .
والقرآن الكريم لم ينص على أنهم كانوا يعبدون أصناما ، ولكن القرآن وصفهم بـ { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الشعراء 8 ] وفي سورة الذاريات { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } وهذا يدل على أنهم كانوا
29
يشركون بالله ، ربما كانوا هم طواغيتهم ثم إنهم يكذبون رسوله ، وجريمتهم المعلنة هي : (عمل الخبائث ، وإتيان المنكر في نواديهم ، والإسراف في شهواتهم ، وقطع السبيل، وعدم التناهي عن المنكر) ..
*وهذا يشبه ما هو قائم اليوم..فالناس في العالم الإسلامي لا ينكرون الله ، ولا يعبدون آلهة
30
دون الله. وليست لهم أصنام تعبد ومع هذا فحياتهم هي المنكر .. وعمل الخبائث، والإسراف في الاعتداء على سلطان الله.. وقطع كل سبيل يوصل إلى الله.. حتى صارت تلك الفحشاء كالأصنام التي تعبد من دون الله بل أشد عبودية ، بالإضافة إلى اتباعهم طواغيتهم .
– وبقية النصوص القرآنية كلها تركز
31
على جريمتهم الشنعاء وهي:{أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) } فهذه الجريمة هي التي أخذت مجال الآيات القرآنية التي ذكرت قصة لوط عليه السلام مع قومه فهو يدعوهم إلى
32
التطهر، وهم يقفون له بالمرصاد بالإعراض والتكذيب، والتهديد بالإخراج، بل الأمر بالطرد{أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }.
– وهذه الجريمة بينها لوط عليه السلام لهم من جميع النواحي :
* ففي سورة الأعراف : { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ
33
أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)}.
* وفي سورة الشعراء:{ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165)وَتَذَرُونَ
34
مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)} .
* وفي سورة العنكبوت:{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ(28)أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ
35
السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ } .
*وفي سورة النمل:{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ(54)أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(55)}
*ويتعلق بهذا البيان
36
.. ما عاناه لوط عليه السلام من قومه ومجاهرتهم .
* جوانب الجريمة :
– إتيان الفاحشة مع الذكران.
– هذه الفاحشة لم يسبقهم بها أحدٌ من العالمين.
– أنهم يأتون الفاحشة وهم يبصرون بعضهم بعضاً..وفي نواديهم ومجالس اجتماعهم بشكل جماعي مشاهد من الجميع.
– ويقطعون السبيل .. فهم كانوا
37
في طريق القوافل التجارية فكانوا يتعرضون للناس ويقطعون طريق القوافل وينهبون أموال الناس.
ومما يؤكد أنهم في سبيل القوافل ماذكرته الآيات القرآنية وهي تلفت نظر قريش والعرب بأنهم يمرون عليها{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصبِحِينَ(137)وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(138)}
38
* ألا ترى أن هذه الجريمة هي الآن في القرن الواحد والعشرين فاشية على مستوى العالم كله..ومنه العالم الإسلامي..فالفحش والخبائث ترتكب وفق قوانين مشرعة..وتمارس وهم يشاهدون، ويوافقون.. وتمارس الفاحشة في النوادي والمراقص والشوارع .. لا ينكرون المنكر بل ينكرون على من ينكر المنكر .
39
موقف قوم لوط عليه السلام :
كان موقف الكافرين.من قوم لوط موقف الرفض لما يطلبه منهم لوط عليه السلام وكل النصوص القرآنية تؤكد إصرارهم على جريمتهم .
1- فهم قد كذبوا الرسول{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ}.
2- ولما أكثر عليهم المطالبة بالامتناع عن منكراتهم ، والتشنيع عليهم
40
نهوه أن يخبرهم أو ينهاهم عن أي شيء من ذلك ، وكأنهم فرضوا عليه حظراً أو منعاً من التواصل مع الناس حتى(لا يفسد)عليهم شهواتهم!! وحينما أقبلوا على أضيافه وتصدى لهم صرحوا بقولهم: { قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ }.
3- بل وصل الأمر إلى التهديد بالطرد والإخراج من بينهم
41
ليس لأنه ليس منهم بل لأن هذا هو ديدن ومنهج الكافرين.. فقد قيل لشعيب : { لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } كما سيأتي.. فرغم لطف لوط عليه السلام معهم وتحذيرهم من مغبة ما يفعلون إلا أنهم واجهوه بالتهديد
42
{ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ }[31] فهو تهديد بالطرد والتغريب والإخراج والحرمان من الجنسية كما يفعل طغاة اليوم .
وذنبه هو أنه يدعوهم إلى العفة والطهارة والنظافة والإنسانية وعدم الارتكاس إلى الحيوانية .. بل إن البهائم كل يعرف أين يضع ماءه
43
ولكن الفطر الفاسدة صارت ترى الطهر مرفوضاً ، والحق باطلاً ولهذا فإن الدعاة إلى الله سيكون مصيرهم الطرد من كل البلدان حيث لا قرار لهم إلا السجون أو القتل بسبب طهارتهم واستقامتهم على أمر الله واستنكارهم لتلك الفواحش ، ولهذا قالوا صراحة : { أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ
44
إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }.
لقد وضح السبب .. فإن طهارة المؤمنين ونظافة أفكارهم ، ومعتقدهم ، وسلوكهم ، وكل ما يمارسونه في حياتهم طبقاً لما يقتضيه هذا الدين هو أساس النقمة عليهم من قبل الكافرين .. فهم لا يطيقون أناساً يتطهرون ، وأناساً تكون لديهم عقيدة في الله صحيحة
، ولا سلوك في الواقع نظيف ، ولا أخلاق مستمدة من المنهج الرباني فهم يريدون الجميع في المستنقع ، ولا يريدون أن يروا أناساً خارج المستنقع .. لأن النظيف الذي يتفرج عليهم من بعيد يسبب لهم وخزاً في ضميرهم لا ليعودوا ويرعووا ويرجعوا ويستيقظوا ليصلحوا وإنما يعملون على جر النظيف إلى
46
مستنقعهم أو التنكيل به حتى يخلو الجو لهم .. وهذا سببه مرض نفسي يصيب الإنسان غير السوي .. وليس مرضاً مفروضاً عليه لا يستطيع الفكاك عنه بل هو نفسه وعن طريق ذاته العابدة للهوى هي التي أوقعته في هذا المنحدر وكان بمقدوره أن يستقيم إن لم يتبع هواه وشهواته . وهذا النموذج يتكرر عبر
47
الأجيال وفي ظروف متعددة ، وبيئات مختلفة سواء على مستوى الأفراد أو الأمم والأنظمة..
فالأوروبيون اليوم ما الذي يغيظهم من حجاب المرأة المسلمة؟ أليس هو تميز المرأة المسلمة بلباس نظيف، وسلوك نظيف يجعلهم يشعرون أنهم هم في وسط أوساخ ولهذا يحرصون على سن القوانين لا خوفاً على النظام
48
وإنما لا يريدون أن يصدر عليهم حكم بأنهم غير متطهرين..
ولكن الله سبحانه تكفل للمؤمنين الثابتين بالنصر ، بل والتمكين.. وتوعد أعداء الرسل وأعداء المؤمنين بالهلاك{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ(13)وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِك
49
َ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) }[33] ورغم إمعان الباطل في باطله ، ويزداد الفاجر في فجوره إلا أن الله من ورائهم محيط{ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ }[34] .
4- ثم طلبوا من نبيهم الذي يدعوهم إلى النجاة
50
أن يستعجل لهم بالعذاب { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }.
وهو موقف الاستهزاء والسخرية من نبي الله..وفي نفس الوقت وقاحة في التعامل مع الله .. لأنهم يعلمون أنهم ليسوا على نهج الله الذي يعرفونه وإنهم
51
على باطل مما يدل على أن المعرفة بالله المجردة لا تؤدي إلى الاستقامة ، وإنما لابد أن ترتبط المعرفة بالحب والخوف معاً لكي تؤدي المعرفة عملها .
موقف لوط عليه السلام من قومه :
رغم أن موقف قوم لوط منه ذلك الموقف الصَّلِف إلا أن موقف الرسول الكريم كان هو التبرؤ من عملهم ..
52
– فـــــ :{ قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ }.
فهو لم يتبرأ منهم.. بل من عملهم.. ولم يبغضهم وإنما يبغض صنيعهم ، وهذا ما ينبغي على الداعية إلى الله أن يكون شفيقاً على الناس، غير مبغض لهم، وغير متعال عليهم ، وإنما يكره ويبغض ما يصنعون { إِنِّي لِعَمَلِكُم
53
ْ مِنَ الْقَالِينَ } ثم البراءة من هذه الأعمال لأنه يعلم أنها أعمال تؤدي إلى الهلاك .. هذه البراءة تكون بعدها المفاصلة بين الطريقين: طريق الحق وطريق الباطل كما تبرأ نوح من قومه من قبل .
– ولهذا توجه إلى ربه داعياً له مستنجداً به أن ينجيه مما يعملون: { رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي
54
مِمَّا يَعْمَلُونَ }.
{قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ }.
يوحي هذا الدعاء بأن لوطا عليه السلام يستشعر ويدرك نهاية هؤلاء القوم وأنه يخشى على نفسه وأهله من أن يؤثروا عليه وعلى أهله فيهلكون فصار من غلبة الكفر خائفاً على أهله في بيته.أو أنه يدعوه بأن ينقذه
55
وأهله من بين هؤلاء القوم الذين لابد أن يكون مصيرهم الهلاك .. ومع هذا يدعو الله سبحانه أن ينصره عليهم فقد بغوا وطغوا ، مع أنه لا يملك قوة ، ولا يملك وسيلة لإيقاف جريمتهم تلك .
– وكما عود الله أنبياءه والمؤمنين بأن يستجيب لهم فجاءت الاستجابة فورية { فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ
56
أَجْمَعِينَ(170)إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ(171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ(172) }.
الإهلاك للقوم المسرفين .. والنجاة للمؤمنين
عرض القرآن الكريم قصة تدمير قوم لوط في حلقات:
الحلقة الأولى: عند إبراهيم عليه السلام..حيث تأتيه الملائكة لتبشره بإسحاق فتأتيه على صورة
57
بشر ويسعى لإكرامهم -حسب سجيته في الكرم- ويكتشف أنهم لا يأكلون ثم تتضح حقيقتهم بأنهم ملائكة..(في سورة هود){ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ
58
إِلَيْهِ نَكِرَهُم وَأَوْجَسَ مِنهُم خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرسِلنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَت فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ(71)قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا
59
إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ(72)قَالُوا أَتَعجَبِينَ مِن أَمْرِ اللَّهِ رَحمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ(73)فَلَمَّا ذَهَبَ عَن إِبرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ(74)}
(وفي سورة العنكبوت)
60
{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا ملِكُو أَهْلِ هَذِهِ القَريَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ(31)قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحنُ أَعلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ(32)}.
61
وقد انزعج إبراهيم عليه السلام من خبر الملائكة بأن مهمتهم تدمير القرية { قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ }[40] وقد صدر حكم الله عليهم { إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ }.
62
فمن يقف أمام أمر الله سبحانه .. ومن يرد ما قدره الله وقضاه .. ومن يصمد أمام حكم الله وأمره.. ؟!!
ولهذا نصح الملائكة إبراهيم عليه السلام ألا يجادل في أمر قد قضاه ربه { يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ }[42] .
63
فإبراهيم الحليم الأواه المنيب إلى ربه كان أسرع الخلق إلى امتثال أمر ربه منيباً إليه .
الحلقة الثانية : دخول الملائكة مدينة قوم لوط على شكل شباب حسان ليتحقق أمران:
الأمر الأول : مزيد من امتحان صبر لوط عليه السلام..
والأمر الثاني : ليزداد عتو القوم الكافرين ، وانتفاخ ذواتهم
64
وتكبر جريمتهم وتتضخم وليزدادوا إثماً على إثمهم .. ولكي يأتيهم العذاب في قمة نشوتهم وقمة فجورهم وهي سنة من سنن الله أن يأتي قدره في قمة العتو ليكون هو بداية الهلاك .
وهذا وذاك لاحظناه في المشهد الذي عرضته الآيات (في سورة هود ، والعنكبوت ، والحجر) وكان موقف لوط لما شاهد هؤلاء
65
الشباب في حالة من الضيق لما يعلمه من قومه وما هم عليه من الفساد. { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ }[].
{ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا}
ومن المؤكد أن لوطاً (ع)
66
ما ضاق بمجيء الضيوف وإنما ضاق مما سيفعله قومه بضيوفه . ولهذا امتحنه الله ليأتي الفرج في وقت الشدة وفي وقت الضيق وهذا يدل على أن النصر لا يأتي إلا حين يبلغ البلاء ذروته وهو درس للدعاة على مدار التاريخ بالصبر والثبات ، وأن شدة المحن هي بداية الفرج .
الحلقة الثالثة : يهرع القوم
67
إلى ضيوف لوط بخيانة من زوجته المتمثلة بإبلاغ قومها ، وهذا معنى الخيانة التي وردت في قوله تعالى { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ
68
مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}.
لقد جاء القوم يهرعون{وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ }[46] .
وهذا مشهد عجيب من هؤلاء القوم فهم ما إن سمعوا بضيوف لوط حتى سارعوا إلى بيت لوط لا لاستقبالهم والحفاوة بهم ولكن ليعملوا السيئات..شيء مخزٍ
69
..ومخجل..فهم يسرعون كما تسرع البهائم دون عقل،ودون روية ودون تفكير ودون حياء ودون خجل..
وفي سورة الحجر جاء تقديم إنباء لوط عليه السلام بحقيقة الملائكة { فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا
70
فِيهِ يَمتَرُونَ(63)وَأَتَيْنَاكَ بِالحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ(64)فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِع أَدبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِت مِنكُم أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ
71
مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ
72
إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) }.
يقول سيد قطبرحمه الله:“قدم السياق هذه الواقعة في القصة لأنها الأنسب لموضوع السورة كله، ثم أكمل ما حدث من قوم لوط قبلها”.
لأنه لو أن الملائكة أخبروا لوطاً بمهمتهم فلن يكون هناك جزع
73
وانزعاج من لوط وخوف على ضيوفه .
إلا أننا في هذه السورة نلحظ التعبير إضافة إلى ما جاء في سورة هود بأنهم جاءوا يهرعون..هنا جاءوا يستبشرون..وهذا الموقف “يكشف عن مدى الشناعة والبشاعة التي وصل إليه القوم في الدنس والفجور في الفاحشة الشاذة المريضة..هذه العلانية الفاضحة في طلب هذا
74
المنكر – فوق المنكر ذاته- شيء بشع لا يكاد الخيال يتصور وقوعه لولا أنه وقع .. إنها حالة من الارتكاس معدومة النظير”[48] .
هذه الصورة التي حدثت قبل قرون تحدث اليوم في هذا القرن فتقام الاحتفالات ، وتسن لها القوانين ، وتفرض على الدول ، ويُستنكر على من يستنكرها .. إنها حالة من
75
الارتكاس مرة أخرى .
الحلقة الرابعة : دفاع لوط عليه السلام عن ضيفه وحواره مع قومه .
فهو في حرج شديد من هذا الموقف لا يريد الفضيحة أمام ضيوفه..ولا يريد قومه أن يرتكبوا ما هم عازمون عليه . ثم هم في بيته.. إنه موقف في غاية الحرج خاصةً أن لوطاً لا يملك شيئاً يستطيع أن يمنعهم مما
76
هم عازمون عليه.
فحاول عليه السلام أن ينهاهم عن عملهم المشين بأكثر من موقف{قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ }[أي عاقل يحول دون هذه الفعلة وكأن القوم لم يعد فيهم أحدرشيد ..
77
وحديثه عن بناته..أما أنه لا يقصد بناته من صلبه وإنما بنات القرية وهن زوجاته.. وهذا لعله يصدقه ما جاء في سورة الشعراء : { وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}.
أو أنه يقصد أن يزوجهم ببناته بالطريق المشروع حتى يقضوا شهواتهم
78
في مكانها الصحيح والطبيعي والفطري ..
الحلقة الخامسة : رفض القوم أي عرض ، وأي استثارة لنخوتهم ورجولتهم ورشدهم –إن كان لهم رشد- فاتجهوا إليه يذكرونه بأنهم قد نهوه عن أن يتدخل بينهم وبين ما يشتهون { قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ }.
وكأنهم تألبوا عليه بل ربما
79
دفعوه بعيداً للاعتداء على ضيوفه.وعبروا عن مطلبهم الخسيس{قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } يا سبحان الله.. فالفاحشة التي يمارسونها هي الحق.. والطهر والنظافة هي الباطل..ويجوز أن قولهم هذا على سبيل الخلاعة والتهكم
80
وأنهم لم يعد لهم رغبة في النساء .. ويصدق هذا ما وصفهم ربهم عن طريق بيان نبيه { إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ }[52]. وظلوا مصرين على موقفهم حتى وصفهم الله سبحانه بقوله: { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ
81
يَعْمَهُونَ }. حتى وصل لوط عليه السلام إلى حالة من الضيق فتمنى أن تكون له عصبة أو قوة تمنع ما هم مقدمون عليه : { قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ }[54] .
ورد في صحيح البخاري قوله صلى الله عليه وسلم : “يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن
82
شديد وهو ربه وخالقه” وقول الرسول ليس تقليلاً من شأن لوط وأنه لم يكن يستند إلى ركن شديد بل الحديث دفع شبهة تمني لوط أن يستند إلى ركن شديد أقوى من ربه لأنه فعلاً يستند إلى سيده وربه .. ولكنه تمنى أن تكون له حينذاك قوة من قوم ليفعل مع أولئك القوم ما يستحقون.
و(أو) في الآية تعني
83
(بل) الاضرابية بمعنى بل آوي إلى ركن شديد .
الحلقة السادسة:الكشف عن حقيقة الموقف وعن أمر الملائكة.. والإعلان عن قرب النصر..والإهلاك{ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ }.{وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا
84
امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) }[57] .
إننا مهما تخيلنا مدى السكينة والفرح والاطمئنان الذي أصاب لوط عليه السلام وهو يسمع هذا كله .. فإنه الآن مستند إلى ركن
85
وأي ركن وإلى قوة وأي قوة وإن حكم الله العزيز الحكيم قد صدر عليهم .. وها هي دعوته تتحقق .. وأن نصر الله قريب { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ }[58] .
لقد جاء النصر .. ألم يطلب النصر من ربه ..
86
فها هو ذا قد جاء ..
وصارت الملائكة تطمئنه { لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ }.
فالله سبحانه هو الذي يطمئنه ويزيل عنه الحزن . سواء على نفسه أو أهله أو قومه .. أو حزنه على زوجه الخائنة .. ولهذا لم يراجع الله في أهله لأنه يعلم حقيقة موقفها.
أما المسرفون
87
فيالها من نتيجة تنتظرهم فهم آتون لقضاء شهوتهم وإذا بهم يقعون في شر أعمالهم .. ويصدر الحكم عليهم في عز انتشائهم، وتصورهم أنهم قد غلبوا لوطاً وانتصروا عليه..
ولهذا ظلوا كما يبدو محاصرين لبيت لوط لعلهم ينالون ما يريدون في أي وقت يتمكنون فيه من اقتحام المنـزل..
والملائكة تطمئن
88
لوطاً..{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}.
وهو“سؤال لإنعاش نفس لوط بعد ما ذاق . لتقريب الموعد وتأكيده فهو قريب مع مطلع الصبح ، ثم يفعل الله بالقوم –بقوته- مالم تكن قوة لوط التي تمناها فاعلة”.
وهكذا يصور المشهد مفارقات عجيبة .. فالقوم في حالة تلمظ
89
شهواتي لاتفعله الحيوانات،ويتحينون الفرصة التي يهجمون بها على بيت لوط لتحقيق ما يريدون..وفي الوقت ذاته كما ستأتي الحلقة التالية نجد لوطاً عليه السلام يستعد للخروج في الليل والقوم لا يشعرون .. ولعلهم كانوا يتطلعون إلى الصبح لارتكاب جريمتهم ولكن الصبح القريب كان ينتظرهم مصير آخر.
90
الحلقة السابعة:النصر والنجاة للمؤمنين..والإهلاك للكافرين.
لقد صدرت التعليمات للوط عليه السلام أن يتحرك ليلاً مصطحباً معه أهله إلا امرأته { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ
91
مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}.
فأسر : السرى.. السير في الليل . وفي سورة القمر:{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ}.
بسحر: أي وقت في السحر.
وفي سورة الحجر:{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ
92
وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}.
بقطع من الليل:أي بجزء من الليل.
ولا يلتفت منكم أحد : أي لا تعمل على أن تجمع أو تفكر في أي شيء في هذا البلد من مال وغيره..أخرجوا بأنفسكم فقط.. فالملائكة كانوا دقيقين في أوامرهم وتفاصيلها
93
وأن على لوط أن يخرج آخرهم ليتأكد من خروجهم . ويأمرهم بعدم الالتفات إلى أي شيء .
{ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ }.
إننا لنتخيل هؤلاء المفسدين وهم ينتظرون الصبح ليهجموا على بيت لوط للاعتداء على الضيوف بينما يخبأ لهم شيء آخر..وعذاب ليس له مثيل..
94
{ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } ياله من تهديد رعيب ولكنهم في غيهم وسكرتهم يعمهون . وهكذا خرج آل لوط من بيوتهم دون أن يشعر القوم بهم فقد طمس الله أعينهم { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ } فلم يعودوا يرون أحداً وهم يظنون أن الصبح سيكون فيه قضاء شهوتهم.
95
وفي الصباح :{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ }.
ففي الوقت الذي يستعدون لارتكاب ما هم مقدمون عليه إذا بعقاب الله الذي ليس له شبيه ولا مثال.. إذا بالصيحة تفجأهم وتزلزل الأرض من تحت أقدامهم ، وأمطرت السماء عليهم حجارة من سجيل منضود { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا
96
عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) }.
{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ } .
{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73)
97
فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) } .
{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ }.
{ جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا }.“وهي صورة للتدمير الكامل الذي يقلب كل شيء ، ويغير المعالم ويمحوها . وهذا القلب
98
وجعل عاليها سافلها أشبه شيء بتلك الفطرة المقلوبة الهابطة المرتكسة من قمة الإنسان إلى درك الحيوان ، بل أحط من الحيوان . فالحيوان واقف ملتزم عند حدود فطرة الحيوان”.
لقد خسف الله بقرى قوم لوط بظاهرة تشبه ظاهرة الزلازل والبراكين ، وتصاحبها أحياناً ظاهرة الخسف وتناثر أحجار ملوثة
99
بالطين وهبوط مدن بكاملها تسيح في الأرض .
ويقال:“أن بحيرة لوط الحالية وجدت بعد هذا الحادث بعد انقلاب عمورة وسدوم في باطن الأرض وهبوط مكانها وامتلائه بالماء، ولكننا لا نعلل ما وقع لهم بأنه كان زلزالاً أو بركاناً عابراً مما يقع في كل حين.فالمنهج الإيماني الذي نحرص عليه في هذه
100
الظلال يبعد كل البعد عن هذه المحاولة .. وليس من الضروري أن يكون ذلك الذي دمر قرى لوط زلزال أو بركان عادي . فقد يريد الله أن ينزل بهم ما يشاء ، وقت ما يشاء ، فيكون ما يشاء ، وفق ما يشاء ، وهذا هو المنهج الإيماني في تفسير معجزات الرسل أجمعين”[72] .
وفي سورة الأعراف (84) :
101
{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا } فلعل المطر المهلك المصحوب بالحجارة والطين يناسب الوحل الذي كانوا يعيشون فيه .
الحلقة الأخيرة : التذكير بمصائر الغابرين لكل ظالم معتد في أي جيل من الأجيال . وقد جاءت التعقيبات على الحادث في الآيات القرآنية بشكل ملفت .
– في سورة الأعراف :
102
{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}.
– وفي سورة هود:{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)}.
حجارة من سجيل : ملوثة بالطين.
103
منضود : متراكم بعضه فوق بعض .
مسومة عند ربك : أي معدة ومجهزة ومرباة لتنمو وتتكاثر وجاهزة لوقت الحاجة.
وما هي من الظالمين ببعيد:فهي قريبة وتحت الطلب وعند الحاجة تطلق فتصيب من يشاء الله . دون حاجة إلى ربط ذلك بالظواهر البركانية.فكما أنزل الله العذاب على قوم لوط فهو ينزله على
104
قوم كذبوا بالنذر قال رسول الله:سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال ونساؤهم بالنساء فإذا كان ذلك فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجين
وهذا الحديث يؤكد على أن المعجزات لم تنقطع.وأن الجهر بالحق قد يصاحبه بعض المعجزات في الأرض إذا صدقت النفوس،وحسن توجهها
105
ويقول رسول الله :“لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا”
وأيضاً هي لكل من يقف مثل هذا الموقف ومازال آثار الخسف حتى اليوم مشاهد .
وهي آية (للمتوسمين) لمن يريد أن يتأمل ويتفرس ويتعظ ويعتبر ويرعوي عن غيه ويرجع
106
إلى ربه ..ولكن يا حسرة على العباد..لا يتعظون ولا يعتبرون..
ولذا فهي آية للمؤمنين بربهم. تزيدهم إيماناً ويقيناً بنصر الله على القوم الظالمين مهما كانت قوتهم ومهما طغى فسادهم فإن الله سبحانه يمهلهم ولكن النتيجة آتية لاريب فيها مهما طال الزمن ، ومهما عانى المؤمنون من ظلم وفسق
107
كيد الكافرين .
– وفي سورة الشعراء:{وَأَمطَرنَا عَلَيهِم مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ(174)وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) }.
فهو ليس مطراً عادياً بل هو (مطر) جاء منكَّراً ليدل
108
على ضخامته وفظاعة تأثيره ولذا ساء مطر المنذرين.. فقد وصف الله هذا المطر بالسيء دليل على مدى السوء الذي يخلفه ..
ثم إن ما حصل آية..آية للكافرين لعلهم يرجعون..وآية للمؤمنين لمزيد من اليقين..وما أكثر الناس بمؤمنين . وهذا ما ينبغي أن يكون كائناً في حس الأنبياء وحس المؤمنين بأن
109
أكثر الناس ليسوا بمؤمنين..
ثم لتأكيد أن هذا التقرير هو من عند الله العزيز الرحيم.. فهو رحيم بعباده فلا رحمة توازي رحمته ، ولا عزة توازي عزته وقوته .
– وفي سورة العنكبوت:{إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(34)
110
وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(35)}.
الرجز الذي سلط عليهم هو المطر المصحوب بالحجارة والطين ثم الخسف وجعل عاليها سافلها.ولكن الآية تبين سبب إهلاك الأمم هو الفسق وأن هذا ليس متوقف عند أمة بعينها.وإنما كلما فسقت أمة من الأمم وغلب عليها فسقها
111
لابد أن قضاء الله سيأتيهم لكي تطهر الأرض من فسقهم .
وهذا ما يبينه ربنا سبحانه في الآية : { وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }.
فهذه الآية متروكة أي تركها الله لم تمح لتشاهدها الأمم.. ولذا شاهدها أهل مكة..ويشاهدها غيرهم ممن يعاصرهم.. وتشاهدها
112
وتشاهدها الأمم إلى يوم القيامة . لكي يعودوا إلى ربهم إن كانوا يريدون العودة . وإن كان لهم عقول يعقلون بها.. ولهذا جاء في سورة الصافات{ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)} فكيف لا تستعملون عقولكم للنظر في مصائر الأقوام
113
الغابرة وتنظروا إلى هذه العاقبة الحزينة .
– أما آيات سورة القمر التي ذكرت قصة لوط وقومه فكانت ذات تعقيبات متتالية:
{ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ
114
نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ(37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ(38)فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ(39) وَلَقَدْ
115
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(40)}.
– فالآيات في هذه السورة لا تحكي القصة – قصة لوط عليه السلام وقومه- وإنما تعرض العبرة والعظة من نهاية كل الأطراف .
– فقوم لوط كذبوا بالنذر.وقد أنذرهم نبيهم ببطش الله إن هم تمادوا فتماروا وجادلوا ورفضوا ذلك الإنذار
116
فكان جزاؤهم الحاصب.
– وآل لوط كانوا شاكرين لربهم فأنعم عليهم بالنجاة في السحر .
– وأن هذا الذي ورد في القرآن الكريم هو سهل ميسر لمن يريد أن يذكر أو أراد شكورا.
– وفي سورة الذاريات:{ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً
117
مِنْ طِينٍ(33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34)فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ(37)}.
فالعظة واضحة في هذه
118
الآيات:فالله سبحانه دمر هذه الأمة كلها التي لا ندري عدد أفرادها ولا عدد بيوتها ، ولا عدد عمرانها..دمرت كلها وفي المقابل الذي نجا بيت واحد..صفته أنه البيت المسلم.
وهذه دلالة عظيمة..فلا يحتقرن المسلم نفسه بأنه غريب في قومه بعيد عن قومه..منبوذ من قومه مطارد من قومه..معادى
119
من قومه.. مرفوض سلوكه في قومه.. فإن تميز المسلم هو سبب نجاته من بين القوم المجرمين المسرفين ، واستقامته هو سبب خروجه من قومه الهلكى دون أن يمسه أذى .
وهذا يرينا مدى أهمية التربية الإسلامية للبيت المسلم . كما جاء في سورة القمر أن هذا البيت كان شاكراً لله رغم ما يعانونه :
120
:{ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ } فهذا هو المطلوب من المسلمين اليوم أن يكونوا مخبتين لربهم ، شاكرين لأنعمه ، راضين بقدره ، رافضين لما يمارسه أقوامهم مهما كانت كثرتهم .
ومن ثم فقد ترك الله تلك الآية باقية مشاهدة حتى اليوم للمؤمنين الذين يخافون العذاب
121
الأليم مبتهلين إلى ربهم ألا يصيبهم ما أصاب القوم المجرمين. قال ابن كثير:“وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها.لرداءتها ودناءتها ، فصارت عبرة ومثلة ، وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته وانتقامه ممن خالف أمره
122
وكذب رسله ، واتبع هواه وعصى مولاه”.
وذكر القصة في أكثر من موضع في القرآن الكريم لهدف العبرة والعظة وليعرفنا سبحانه بأن البشرية عندما تنحرف عن فطرتها وطبيعتها يتدخل الله لتصحيح مسار البشرية.
123
تم
أ. د. عبدالرحمن عبدالواحد الشجاع–رحمه الله
لعل من يود أن يعرف حجم الجريمة يقرأ

جاري تحميل الاقتراحات...