Khalid Osman Alfeel
Khalid Osman Alfeel

@KhAlfeel

21 تغريدة Nov 25, 2022
التنمية تحت وعود النيوليبرالية: تحرير أسعار الدواء في السودان كتجسيد لمنهجية الحكومات الانتقالية في إدارة الاقتصاد.
إذا تأملت في جوهر الصراع السياسي الممتدة لشهور في السودان ستجد أنه متمركز حول سؤال "من يحكم؟ ولماذا يحكم هو دون غيره (الشرعية السياسية)؟ وماهي الإجراءات التي تحقق
هذه الشرعية السياسية"، وهذا مهم ومفيد، لكنك في نفس الوقت ستجد أن هنالك أجندة مهمة متعلقة بحال الناس وهمومهم وتحدياتهم اليومية (والتي ينبغي أن تكون من المعايير الرئيسية لتحديد الحلفاء/الخصوم السياسيين) غائبة بشكل كبير، وإذا ذكرت فهي تذكر كوسيلة للضرب السياسي وليس جزء أصيلاً من
الخطاب أو الأهداف السياسية. عدم التفاف أو تمركز الصراع السياسي حول هموم عامة الناس هو من الأسباب الرئيسية التي تجعل السياسة السودانية، كما وصفها أليكس دي وال، تتصف بكونها "شديدة الحركة، مع الوقوف في نفس المكان"، بمعنى أنك ترى الكثير من التفاعل والتصريحات والتحالفات لكن هذه
الحركة نادراً ما تُفضي إلى تقدم ملموس في حياة الناس أو تحقيق إصلاح سياسي مؤسسي.
في هذا السياق، ففي يوم السبت الماضي الموافق 19 نوفمبر 2022 عقدت وزارة الصحة ورشة عمل بعنوان "إصلاح تمويل النظام الصحي" حضرها وشارك فيها وزير المالية نفسه، وكان من ضمن توصياتها "اعتماد سعر الدولار
المحرر في تسعير الدواء بواسطة الإمدادات الطبية"، وهو الأمر الذي سينتج عنه ارتفاع عالي في أسعار الأدوية كما أن تسعيرة هذه الأدوية ستترك للتجار بشكل كامل. هذا القرار ليس مستبعداً من الحكومة الانتقالية التي قررت رفع يديها تماماً في توفير أي دعم اجتماعي، ومع أن الأيام القليلة القادمة
ستكشف كل الحقائق، فأنني أود أن استغل هذه السانحة لأجادل بأن التعليم والصحة من أهم الملفات التي تكشف فاعلية وأداء السياسات والرؤية الاقتصادية للحكومات الانتقالية المتتالية التي تعاقبت على حكم السودان منذ أغسطس 2019، وهذه الرؤية والسياسات هي من بنات أفكار عراب الإصلاح الاقتصادي
في الفترة الانتقالية الدكتور إبراهيم البدوي، وكل من جاءوا بعده استمروا فقط في تطبيق هذه الرؤية ونفس السياسات دون تغيير يذكر. الفكرة ببساطة بأن الدكتور البدوي ومن جاءوا بعده كانوا دائماً في "خطابهم وأدائهم الاقتصادي يقولون نصف الحقيقة و/أو يقومون بالتطبيق الناقص للحلول، على أحسن
الفروض. وعلى أسوء الفروض، كانت المبادرات الاجتماعية للحكومات الانتقالية مجرد تكتيك خطابي/سياسي لتمرير قرارات رفع الدعم عن المحروقات وتوحيد أسعار الصرف وغيرها من سياسات صندوق النقد الدولي"، وسأتحدث ببعض الوصف لهذه المنهجية في هذا المقال.
جادل البدوي ومن ساروا على طريقه بأن رفع
الدعم وتحرير أسعار الوقود والكهرباء هي أهم التحديات في طريق الإصلاح الاقتصادي، وأن الأموال التي ستتوفر من رفع الدعم ستوجه لدعم الإنفاق على التعليم والصحة ومشاريع التنمية، وهو فعلاً ما نصت عليه موازنة العام 2020 التي هدفت إلى زيادة الصرف الفعلي على التعليم مرتين ونصف وثلاث مرات
بالنسبة للصحة، كما التزمت بمجانية التعليم الأساسي وتوفير الوجبة المدرسية المجانية في كل المدارس الحكومية، ومجانية العلاج بالحوادث والمستشفيات الحكومية وغيرها من الدعم التنموي الحقيقي للمواطنين. لكل هل فعلاً قام البدوي ومن جاء بعده بتوجيه هذه الموارد لدعم التعليم والصحة والتنمية؟
في الحقيقة هذا لم يحدث ولم تهتم الحكومة أصلاً بتحسين ظروف الصحة والتعليم. ففي يناير 2020، أي في فترة تولى البدوي لوزارة المالية، مثلاً، ألغى بنك السودان تخصيص نسبة 10% من حصيلة الصادرات غير النفطية، كانت توجه إلى استيراد الدواء، ومنذ ذلك الوقت انطلقت أزمة حادة للدواء في السودان.
بل إن قرار الحكومة بتحرير سعر الصرف قد أدي لزيادة كبيرة في أسعار الأدوية المنقذة للحياة وخلق ندرة حادة في بعض الأدوية الضرورية لأمراض السكري وضغط الدعم، هذه الزيادة في أسعار الأدوية بلغت في بعض الحالات 250%. استمر هذا الوضع الكارثي لقطاع الصحة على امتداد الفترة الانتقالية،
ففي أبريل 2021 صرحت وزارة الصحة الاتحادية بأن نسبة توافر الأدوية الأساسية والضرورية للحياة في السودان تبلغ 40% فقط. من ناحية أخرى، فحتى سبتمبر 2022 لا زالت ميزانية التعليم لم تراوح 1.3% من ميزانية الدولة، كما أن 60% من المدارس الحكومية "لا تصلح لوجود الطلاب فيها، بسبب
قدم مبانيها وإهمال صيانتها"، ولا يخفى على أحد الهجرة المتصاعدة للأسر السودانية إلى مصر وغيرها من الدول لإكمال دراسة أبنائهم هرباً من واقع التعليم في السودان. أما برنامج التحويلات النقدية للأسر السودانية فإن الحكومة نفسها قد قررت أن كل ميزانيته ستأتي من التمويل والمنح الخارجية.
في هذا السياق أشار الدكتور التجاني الطيب، وكيل وزارة المالية في عهد الديمقراطية الثالثة، في لقاء مهم على قناة سودان بكرة (أفضل قناة قامت بالتغطية الشأن الاقتصادي في الثلاث سنوات الماضية بلا منازع، شكراً لحسام محجوب والفريق العامل) إلى نقطة شديدة الأهمية وهي أن الأموال التي توفرت
من رفع الدعم لم تٌخصص لدعم التنمية وإنما ذهبت لتمويل منصرفات دولاب الدولة والنخبة السياسية الجديدة، فقال في ذلك: "في موازنة 2022 قامت الحكومة برفع الدعم كلياً، مع ذلك عندما تدرس موازنة 2022 ستجد أن الدعم قفز من 870 مليار جنيه في العام 2021 ليصل إلى 931 مليار جنيه في موازنة 2022،
بمعنى أنك رفعت الدعم لكن العجز على الإنفاق على التنمية في الموازنة ظل أكبر في العام 2021 وكذلك في العام 2022 فأين ذهب الدعم؟ هذا يعنى بأن الأموال والإيرادات التي توفرت من رفع الدعم ذهبت في منصرفات "الحساب الجاري" ولم تذهب لدعم التنمية وهذا ما حدث في 2021 وفي 2022، وهذا نفس
النهج الاقتصادي لحكومة الإنقاذ والذي اتبعته في 2013 ثم في 2016 ثم في 2018 قبل الثورة".
السؤال بسيط هنا، إذا كانت الحجة الرئيسية لرفع الدعم والتحرير الكامل لكل الأسعار (وقود، كهرباء، دواء، إلخ) هو "إعادة توجيه" هذا الدعم للجهات الفقيرة والهشة، لماذا إذاً لم نرى أثر هذا الدعم
الموجه على قطاعات الصحة أو التعليم أو التنمية؟ وإذا أرادت الحكومة أن تخرج إلينا في الأيام القادمة لتبرر تحرير أسعار الدواء المرتقبة وتذكر لنا نفس الحجج السابقة التي ذُكرت لتبرير رفع الدعم عن الوقود والكهرباء وغيره، ما الذي يضمن أن الفقراء والمهمشين سيستفيدون من هذا القرار؟
أكاد أجزم أن المستفيد الوحيد من قرار تحرير أسعار الأدوية هو الحكومة نفسها ولا أحد غيرها، وأن الحكومة حينما تريد أن تجيز هذا القرار ستخرج بعدة مبادرات وهمية (مجرد حبر على ورق، أو أفيال بيضاء white elephants projects زي ما قال الخواجة)
وستزعم أنها ستعيد توجيه الدعم لهذه المبادرات بغرض "ترشيد الدعم في القطاع الصحي"!

جاري تحميل الاقتراحات...