الدراسات الدينية R.S
الدراسات الدينية R.S

@ayedh_RS

20 تغريدة 23 قراءة Nov 23, 2022
صراع الفلاسفة مع العلم!
ربما سيستغرب بعض القراء من هذا العنوان، لأن العادة الشائعة في معظم الكتب الثقافية والتاريخية المختصة بـ"العلم" هي قراءة عناوين مختلفة ومتنوع من جنس: (صراع العلم مع الدين)، أو (حروب الإيمان مع العلوم)، وهكذا، ومحصلتها أن الدين عدو للعلم وبينهما حرب مستعرة.
والحقيقة أنَّ الفلاسفة -في التاريخ الغربي وغيره من التواريخ- لا يختلفون كثيرًا ولا جوهريًا عن رجال الدين المسيحيين في هذه المسألة من ثلاثة جهات: (١) نوعية وغرض الاشتغال بالعلوم، (٢) وموقفهم السلبي من العلماء والعلوم التجريبية، (٣) التقليد والتعصب للمعلمين والآباء المؤسسين.
وقبل أن ننتقل إلى التاريخ الغربي بالإشارة إلى هذا الجانب، أود أن أؤكد أن كثيرًا من علماء وفقهاء الإسلام كانوا من المشتغلين بالعلوم التطبيقية، ومن المشجعين عليها المطالبين بالاعتناء بها، ويكاد أن يكون معظمهم ممن تعلم أو أتقن العلوم الضرورية كالرياضيات وغيرها من العلوم النافعة.
وقد كان الإمام والفقيه والأصولي العلامة الشافعي على علمٍ ودراية بالطب، وكان يقول: "لا أعلم علمًا بعد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه. ضيعوا [أي المسلمين] ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى". وكان يأسف على إهمال المسلم لمثل هذا العلم العظيم.
وكذلك كان كثير من العلماء والفقهاء والمحدثين، وكان الطبيب المعروف ابن النفيس عالم في الحديث، وله كتاب في مصطلح الحديث، وغيره مئات بل ألوف من فقهاء وعلماء الإسلام، الذين تجد في سيرهم أنهم تعلموا وبرعوا في الطب والهندسة والفلك والرياضيات والجبر والعقاقير ونحو ذلك.
وقد ذكر ابن تيميَّة أنَّ العلوم غير الدينية كالطب والهندسة يتعلمها المسلم من غير المسلمين، وفصل بين الإصابة في العلم التطبيقي والضلال العقائدي، فقال: "الأطباء وأهل الهندسة من أذكياء الناس، ولهم علوم صحيحة طبية وحسابية [وضلالهم في الدين] لا يستلزم منه أن يضلوا في الطب والحساب".
وحث تلميذه ابن قيم الجوزيَّة على أن يكون الطبيب ممارسًا لطبه ومجربًا له، وأن ذلك قوة له في العلم، فلا يكتفي بالمعرفة النظرية، حيث قال: "الطبيب ينتفع به المرضى في علاجهم ودوائهم، والطبيب الذي كان المرض يباشره وعَرَفَ دواءه وعلاجه؛ أحذقُ وأخبرُ من الطبيب الذي إنَّما عرفة وصفًا".
ولا أعرف عالمًا ولا فقيهًا معتبرًا في علوم الإسلام حرَّم الطب أو الهندسة أو الحساب أو نحوها من العلوم، أو تحدث قادحًا في عالِمٍ بسبب اشتغال في علم مشروع من تلك العلوم، ولا يكاد يخلو القدح في شخص عالم تطبيقي أو تعرضه لنكبة في الحضارة الإسلامية العظيمة من ملابسته لهذه الظروف:
(1) أسباب سياسية بحتة أو رئيسة. (2) التباسه بمخالفات وانحرافات عقدية لا علاقة لها بمجال علمه وتطبيقاته. (3) صراع داخلي بين الفلاسفة أنفسهم أو تنافس بين المشتغلين في مجال العلم الواحد، كما حصل في نكبة الفيلسوف الكندي مع أقرانه الرياضيين والفلاسفة حين حسدوه بسبب مكانته عند الخليفة.
ولهذا كانت العلوم في الحضارة الإسلامية في غاية التقدم، ومقصدًا للأمم للتعلم منها، ففي مطلع القرن ١٣ لاحظ الإيطالي هوجو بورجونوني، أن قادة أوروبا يفضلون الذهاب للعلاج لدى أطباء المسلمين، ويدعون أطباءهم الخاصين، فحمله ذلك على أن يدرس ثلاث سنين الطب في البلاد الإسلامية.
وقال المستشرق الفرنسي جيوم بوستل، الذي شغل أول كرسي للغة العربية في الكوليج دي فرانس بباريس عام 1539م: "ليس هناك أحدٌ يستطيع أن يرفض وسائل علاج الطب العربی". وقال هانس كوكلر: "كان أساتذة الطب الأوائل في الجامعات الأوروبية المحدثة في القرن الثاني عشر كلهم طلبة على يد أساتذة عرب".
والحديث في هذا الموضوع يطول، وعليه فلنعد إلى موضوع (صراع العلم مع الدين)…
لنبين أن الفلاسفة في التاريخ الغربي لا يختلفون كثيرًا عن رجال الدين المسيحيين، فتاريخيًا وقفوا موقفًا عدائيًا من العلماء التجريبيين، لأن الفلاسفة بطبعهم، وبما ورثوه من تراث أرسطو اليوناني، يقدسون غالبًا ما هو تجريدي نظري، ويحتقرون العلم التطبيقي العلمي، ويرونه من أخس العلوم.
وفوق ذلك، فإن معظم الفلاسفة هم من أصناف المقلدة والمتعصبة الذين لا يختلفون عن معظم رجال الدين في هذا الجانب، مع أنهم يزعمون تقديس العقل والنظر والتحرر وغير ذلك. لكنهم إذا قال أرسطو شيئًا يخالف العلم التطبيقي الذي يرون نتائجه بأعينهم، فإنهم غالبًا ما ينحازون إلى معلمهم الأول!
يقول ابن تيمية: "تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون إنه من العقليات المعلومة بصريح العقل، فنجد أتباع أرسطو يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات مع أن كثيراً منهم قد يرى بعقله نقيض ما قاله أرسطو، وتجده لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته، أو ينسب النقص في الفهم إلى نفسه".
وهذه حقيقيٌّ في معظم الفلاسفة، فحين يصطدم ابن سينا بكلام شيخه أرسطو ومناقضته لكلام الأطباء، وهو منهم، ينحاز كثيرًا إلى معلمه الأول، ومن ذلك فمثلاً في مسألة مصدر الإحساس أهو في الرأس أم في القلب.
فقد ذهب الأطباء إلى أن مكان ملكات الإحساس هو الدماغ، وذهب أرسطو إلى أن مكان الإحساس هو القلب، ومع أن ابن سينا يُقَرُّ بوعي بأن مذهب الأطباء هو الأكثر وضوحًا للإدراك، إلا أنه يختار مذهب أرسطو ويصفه بأنه الأصدق.
ويتكرر هذا التقليد الأعمى والتعصب عند الفلاسفة في أوروبا، فقد آمنوا بما قرره معلمهم الأول أرسطو، حين أكَّد على أن الأرص ثابتة، وأن العالم السماوي (ما فوق عالم الأرض=عالم الكون والفساد) عالم كاملٌ مثاليٌّ خالٍ من العيوب. لقد كان كلامه واقعيًا في غاية القداسة لديهم.
لكم حين جاء مثلاً العالم التطبيقي المعروف غاليليو، وشكك في عقيدة أرسطو من خلال ملاحظاته العلمية المبنية على التلسكوب الخاص به، فكان ذلك يمثل تحديًا حتى يقيًا للنظرة الأرسطية السائدة، فكان أول من هاجمه -وقبل الكنيسة- هم الفلاسفة، وشنوا عليه حملة منجرة لأنه تجرأ وشكك في كلام أرسطو!
والأمثلة كثيرة جدًا لمواقف الفلاسفة المتعصبة ضد العلوم التطبيقية، ما يثبت تعصبهم وأن معظمهم مقلدة ليس إلا.
وهذا الموضوع حقيقة يستحق الدراسة في رسالة علمية، تكون ربما بعنوان: (موقف الفلاسفة من العلوم التجريبية: من فلاسفة اليونان إلى أوائل فلاسفة عصر النهضة الأوروبي).

جاري تحميل الاقتراحات...