Dr. Ibrahim arfaj
Dr. Ibrahim arfaj

@Dr_IbrahimArfaj

21 تغريدة 5 قراءة Nov 28, 2022
الكارثة العالمية الأكبر في التاريخ البشري، والتي غيرت وجه الأرض، وفني البشر عن بكرة أبيهم إلا نزراً يسيراً، وضاعت معها الحضارة الأولى للبشر على الأرض.
مايلي قراءة بسيطة في التاريخ البشري واستشهاد ببعض مكتشفات العلم الحديث، وفرضية تهدف إلى إرضاء الفضول حول ما نجهل في هذا العالم.
في عالم غريب،
كانت فيه جزر بريطانيا وإيرلندا، ومعظم أوروبا، والسهول الكندية وأمريكا الشمالية تقبع تحت وسادة جليدية تصل سماكة بعض أجزاءها إلى ٣ كم،
وكانت جزر إندونيسيا والفلبين واليابان شريطاً قارياً واصلاً بين جنوب آسيا وأستراليا بعد أن انخفضت مستويات البحار ١٢٠ متراً نزولاً.
واختفى الخليج العربي والبحر الأحمر أصبح بخمس عرضه الحالي، والبحر الأبيض المتوسط أصبح بحراً مغلقاً بجسر بري عريض يبرز في وسطه جبل صغير لم يسمى بعد بجبل طارق.
في ذاك العالم، قبل ١٥ ألف عام، وفي أوج العصر الجليدي الأخير، ازدهرت حضارة عريقة، لم يسجلها التاريخ.
حضارة كانت ختام فصل طويل من حياة البشر على الأرض، و أتقن أهلها فنون الزراعة وتربية الماشية والصناعة والبناء، وبرزت قدراتهم في الفلك والرياضيات، تميز أهلها بالعمر الطويل الذي يصل إلى آلاف السنين، وحداثة عهدهم بآدم أبو البشر، وعلمه الأصيل الذي تعلمه من الله مباشرة.
٥٠٠٠ عام تقريباً قبل ذلك؛
اقترب مذنب ضخم من الشمس بسرعة هائلة، وبفعل الجاذبية وقوة المد والجزر مع الشمس والكواكب، تفتت المذنب إلى ملايين الأجزاء، انتشرت في مدار عريض يفصل الكواكب الداخلية الصخرية عن تلك الكواكب الغازية الضخمة، وكونت تيار توريس النيزكي (Taurids Meteor Stream)
هذا التيار النيزكي يقاطع الأرض بشكل دوري، وتفلت منه شهب تضيئ ليالي الشتاء بفوران مذهل وأضواء باهرة، يشبهها أهل الحضارات اللاحقة بالافاعي السماوية، وتبلغ أوجها كل عام بين العاشر من أكتوبر الى العشرين من نوفمبر بمعدل يصل إلى ٥ شهب كل ساعة.
لم يختبر البشر حتى ذلك الحين أية أحداث كارثية على الأرض، ولم يقع عذاب من الله على قوم بالجملة، فكانوا إلى نسيان تعاليم الله أقرب، وعدم تصديق الوعيد والنذير أميل لعدم قدرتهم على القياس بمثله فيمن سبق من آباءهم وأجدادهم. وكان من بين آبائهم من تميز بالصلاح والعدل والتقى.
وكان مما حباهم الله فوق ذلك حب الناس وثقتهم، فلما توفاهم الله فُتِن الناس، فبدأوا بتصويرهم، وصنع منحوتات عنهم، ثم الدعاء والصلاة عندهم، وهكذا حتى عبدوهم وخالفوا فطرتهم ودعوا إلى تمجيد أصنامهم وداً و سواعا و يغوث و يعوق و نسرا. عندها، بعث الله نوحاً فيهم فدعاهم ألف سنة إلا ٥٠ عاما
ولما لم يفلح معهم دعاءه سراً وجهرا، وليلاً ونهارا، وما زادهم الا تجبراً و استكبارا، وعلى الرغم من وعد ربهم بتأخير أجلهم و إمهالهم إلى أجل مسمى، وهم لا يعلمون أن الخطر محدق بهم منذ ٥٠٠٠ عام قبل كفرهم. ولكن أنّى لهم أن يعلموا، وهم لا يصدقون المصدر الوحيد الذي يعلم يقيناً بهذا الخطر
هنا ضاق بهم نوح عليه السلام فدعا عليهم بهلاك عام كما قدر ربه. فأمره ربه ببناء الفلك. وعند الإشارة فار التنور، واضاءت السماء عشرات الآلاف من الشهب والنيازك التي ارتطمت بالأرض تباعاً، منذرة بحدث عالمي كارثي، يمكن قرائته في طبقات الأرض بما يسمى بالحصيرة السوداء (Black Mat)
عندها جمع نوح عليه السلام أهله إلا من سبق عليه القول, والمؤمنين، وزوجين من كل دابة أمره الله بأخذها، وما يكفيهم من زاد و مؤونة، ويحْكِم عليه الفلك، فأمامه امتحان عظيم. هناك في السفينة الخشبية، نوح والمؤمنون والدواب يترقبون الحدث بوجل شديد. وقومه بالخارج يلعبون ويستهزؤن ولا يعلمون
كان أول ما ظهر سديم حالك جهة الشمال، غطى معه قرص الشمس، وأصبح الناس لا يعلمون أهم بليل أم نهار، تبع ذلك أمطار مفاجئة شديدة الغزارة، ثم بدأت الأودية والعيون بالامتلاء تدريجياً، ولكن ليس لوقت طويل، بدأت الأرض في الاهتزاز، وازدادت شدة الرياح وهبت عواصف رعدية زادت من حدة المطر وكميته
وفجاءة أتت سيول جارفة كأنها البحار، حفرت في وجه الأرض أخاديد بلغ عمق بعضها ٥٠ متراً، و ٥ كم عرضاً. بدأت البحار بالهيجان وارتفعت أمواجها إلى مئات الأمتار لتضرب سواحل الأرض وتغرق من فيها. لم يسلم وادي أو جبل وغمرت المياه كل شيء، إلا نوحاً عليه السلام ومن معه، وما شاء الله من البشر.
ما حدث أن الله أمر بالشهب فضربت الجليد الذي تشكل منذ آلاف السنين وقد بدأ في الذوبان تدريجاً، ولكن ارتطام الشهب رفع درجات الحرارة بسرعة أدت إلى ذوبان الثلج بكميات هائلة لا يمكن استيعابها، وأدت إلى تبخر جزء كبير منها فأمطرت الأرض بغزارة شديدة، وغسل الله وجه الأرض جميعاً.
ما حدث ليس بالأمر الهين، وقد احتاجت الحياة حتى تعود إلى طبيعتها إلى قرون عديدة، لم تكن الحياة بعد الكارثة سهلة أبداً، ولم يكن سطح الأرض قابلاً للعيش، والهواء والماء فاسداً، إلا في أماكن نادرة، لن يهدي الله إليها إلا من أراد نجاته، فمن لم يمت غريقاً، مات عطشاً أو جوعاً أو تسمما.
اختلف العلماء في مهبط فلك نوح عليه السلام، ولكن لو طابقنا صريح القرآن، فجبل الجودي جبل عظيم يقع في دولة تركيا حالياً، وبالتحديد في إقليم سيرناك جنوب شرق تركيا، على الحدود مع شمال سوريا والعراق، وعلى بعد ٥٠٠ كم منه غرباً تقع أعجوبة من أهم أعاجيب البناء القديم على الإطلاق.
يوجد أكثر من ٢٠٠ مدينة مبنية تحت الأرض، عن طريق النحت على الصخور في مساحة تقدر بعشرين كيلومتر مربع شمال أضنة، تلك المدن العجيبة أشبه ما تكون ببيوت النمل موزعة على هيكل ثلاثي الأبعاد تصل إلى عشرة أدوار، بمداخل أرضية شديدة العزل ومداخن أكثر من أن تحصى،
وتتألف من غرف ومجالس وممرات داخلية وغرف للماشية ومطابخ وأماكن لقضاء الحاجة وشبكة من الممرات الطويلة التي تجعل من تلك المدن شبكة واحدة ضخمة، ومصدر نقي للماء في باطن الأرض، وتقدر الطاقة الاستيعابية لأكبرها بخمسة وعشرين ألف نسمة في وقت واحد.
لا أحد يعلم إن كان بنّاؤُوها هم الناجون مع نوح عليه السلام، ولكن الدلائل تشير إلى أنها بنيت بعد الكارثة، وأنها تضخمت مع الوقت حتى هجرها الناس، ويبدوا أن أهل ذاك الزمان ساحوا في الأرض بحثاً عن ناجين، فكل الحضارات تذكر تلك الكارثة بروايات فيها من التشابه ما يفوق الاختلاف.
وكلها تتحدث عن أقوام قدموا من جهة البحر تعلموا على أيديهم فنون الزراعة وتربية الماشية والبناء بالصخور العظيمة، وكما هو حال البشر إذا غلو في تمجيد بعضهم، عبد الناس أولئك الرواد, وبنوا في تمجيدهم صروحاً ضخمة، وعادت معها سنة الله في إهلاك الظالمين، وتصريف العذاب على الكافرين.
اعتذر عن الاطالة، وأتمنى أن تكون سلسلة التغريدات قد نالت استحسانكم، وادعوا الله لي ولكم بالصلاح والهداية والتقى.

جاري تحميل الاقتراحات...