14 تغريدة 2 قراءة Nov 20, 2022
لروح أبو يعقوب السلام
🧵
إلتقيت به لأول مرة قبل سنتين في بيت أقرباء لي يعيشون في مدينة مانشستر. قبل دخولي المنزل نبهني قريبي أن لديه ضيف يعيش حالة من الإكتئاب بسبب عدم قدرته على التأقلم مع الحياة في الغربة، وأنه متلهف للعودة إلى الكويت بأي وسيلة كانت، وقد يطلب مني أن أساعده في ذلك.
أجبت قريبي بأن لا يقلق، وأنني سأحاول أن أقنع صاحبه ببعض ’الكلمات الإيجابية‘ لعله يتقبل واقعه الجديد. قدمنا قريبي إلى بعضنا البعض: "الدكتور أحمد، ولد خالي ... بويعقوب صاحبنا." في البداية كان صامتاً، ولكن لغة جسده ونظراته المتوترة كانت مليئة بالكلام.
بعد قليل جلسنا على الأرض لتناول الغداء. كان أمامي مباشرة، ولكن لا أخفي سرّاً أنني حاولت أن لا تقع عيني في عينه، ليس هرباً من أسئلته المرتقبة، ولكنني لم أحتمل رؤية إنكساره الذي بدا على قسمات وجهه المكسو بالشيب والكمد.
كنت أتظاهر بالتركيز في الأكل، ولكن ما إن رفعت رأسي صدفة حتى وجدته يتفرّس في وجهي، وما هي إلّا ثوان حتى سألني: "كم صارلك هني؟" لم أعطه إجابة مباشرة على سؤاله، وإنما تعمدت أن أسرد له قصة دراستي في كلية لندن الجامعية (UCL) حتى لا أعطيه فرصة الخوض في معاناته أمام الجميع.
بعد الغداء تفرّق الشباب عنّا، البعض في المطبخ لغسل الأطباق، والباقي خرجوا للحديث والتدخين في حديقة المنزل. بقينا أنا وأبو يعقوب في المجلس نشرب الشاي. سألني عن مدى تقبلي للعيش في بريطانيا: "شلون تشوف الحياة هني؟" فأجبته بصراحة أن "الغربة صعبة" ولكنني في مهمة للدراسة.
ولكن بشكل عام هناك أمور إيجابية، فالأبواب هنا مفتوحة لنتعلم ونعمل ونكتسب خبرات جديدة من العيش في مجتمع متعدد الثقافات، فأجابني بأن الأمر مختلف بالنسبة له لأنه تجاوز الخمسين من العمر، ولا يعرف القراءة والكتابة من قبل حتى باللغة العربية، كما أن ليس لديه خبرة في العمل النظامي.
كنت أظن أن مشكلة أبويعقوب ما يسمى "الصدمة الثقافية" وحاجز اللغة (الإنجليزية) والمهارات الذي سيمنعه (مؤقتاً) من العمل. حاولت أن أطمئنه من هذا الجانب بأن النظام الإجتماعي في المملكة المتحدة سيستمر بتوفير المسكن والإعانة الشهرية له، ويتيح له فرص التدريب إلى أن يجد عملاً مناسباً.
ثم سألته: "شنو كان وضعك بالكويت؟" فأجابني أنه كان يسكن في ’الجليب‘ وكان دخله الشهري حوالي 200 د.ك من توصيل طلبة مدارس وعمال. فقلت: "من صجك ... تترك هالبراد والطبيعة الحلوة وترجع الجليب اللي شوارعها كلها مجاري؟ فأجاب بتنهيدة طويلة: "يخوي الكويت بمجاريها عندي أحلى من كل الدول"
كنت ساذجاً عندما أختزلت معاناة أبو يعقوب في أمور مادية وغفلت عن عمق الغبن الذي كان يعيشه. لم أدرك معنى أن يتهجر الإنسان من وطنه ويحرم من أهله ليعيش في الغربة مرغماً كالمسجون. هكذا عبّر عن شعوره قبل وفاته بساعات وهو يجهش بالبكاء: "أحس أني مسجون. فقدت عقلي، مابي أموت بالغربة."
الآن بدأت أفهم معنى مثلنا الشعبي "المربى جتّال." هكذا كان حال الفقيد. حنّ إلى مرباه، وسعى للعودة إليه، ولكن عندما وصل تم منعه من الدخول لأن جنسية ابن شبه الجزيرة العربية في سجلات المطار "صومالي." بقي أبو يعقوب على أمل العودة حتى فارق الحياة بسكتة أصابت قلبه الذي أحب وطنه.
أبو يعقوب من ضمن البدون الذين أكّد صالح الفضالة لصحيفة الجريدة "أن مساعي «الجهاز المركزي» حالت دون بلوغ أعدادهم 440 ألفاً." وما تعرض له يجعلنا نتساءل: أهكذا تخفّض أعداد البدون؟
بالنسبة للمسؤولية الجنائية عمّا تعرض له هذا الإنسان (البدون) الذي تم التضييق عليه ودفعه إلى التهجّر من وطنه، ثم منعه من العودة إليه إلى أن مات كمداً، فهذا سؤال نوجهه للمختصين في القانون.
أمّا الآن وبأسرع وقت ممكن هناك مسؤولية أخلاقية وتاريخية بأن تتم الإستجابة لمناشدات أهل الفقيد أبو يعقوب (وروحه الجريحة) وأن يتم تسهيل عملية نقل جثمانه إلى وطنه الكويت ودفنه فيها. هذا أقل ما يمكن تقديمه لإنسان أفنى حياته حباً خالصاً لأرض وطنه.

جاري تحميل الاقتراحات...