خالد بن ابراهيم الجريوي
خالد بن ابراهيم الجريوي

@k_i_j99

12 تغريدة 15 قراءة Dec 20, 2022
~~~~~~ التنازلات المحمودة ~~~~~~~
تضعنا الحياة منذ الولادة تحت سلطة الخارجيّ ومجهره!
نولد في مجتمعات مختلفة وبيئات متنوّعة، يخضع فيها المنتمي اليها إلى عدة قوانين وقواعد تُفرض عليه، أو ربما يخضع لها اعتيادًا …
تتحكم التقاليد والأعراف به،وكذلك تتحكم العائلة المتمثّلة بالأهل وقواعد البيت فيه وتتعدّى ذلك الى تحديد الأهداف والطموحات!
إزاء كلّ هذا:
ماذا يتوجّب على المرء أن يفعل؟
كيف له أن يواجه هذا الكمّ الهائل من الضغط الخارجيّ الذي يقمعُ كلّ ما هو عفوّي ومتطوّر في الفكر والخيال والآمال؟!
يقول الروائي العالمي خوسيه ساراماغو:
~~
"إن ما يتحتم علينا أن نفعله هو أن نحتمل لا أن نتنازل."
~~
مسألة الصبر والاحتمال هي مرحلة ذكيّة ومهمة وأساسية في حياة الإنسان الى حين تأمين قاعدة مستقلّة وقادرة على المواجهة من أجل فرض القواعد الخاصة بدلًا من الاكتفاء بفعل التلقّي والأخذ!
وما يواجهه الإنسان واقعًا كهذا صعب وخطير،ولكن المشكلة الأكبر تكمن في مفهوم "التنازل"الذي لم يلتفت أغلبنا الى خطورته على المدى البعيد،
يقول أحمد خالد توفيق:
"يبدأ المرء بتنازل بسيط،ثم تتحول حياته كلها إلى استسلام"
والاستسلام هو أقبح أشكال الحياة التي تفقد روحها وجوهرها وأثرها..
ما هو التنازل؟ وكيف يتجلّى مفهومه مع الوقت؟
التنازل هو شكل من أشكال التخلّي عن الشيء الذي نؤمن به ونعتقده ونحبّه!
أمّا مع الوقت، فقد يأخذ أشكالًا وأوجهًا متعدّدة ومختلفة ومتباينة ومنها: الاستسلام، الضعف، الاعتياد، التضحية… وغير ذلك.
متى يتحوّل التنازل الى تضحية كبيرة تستحق الثناء،ومتى يكون استسلامًا وضعفًا يورث الخيبة والفشل؟!
قد يحصل لغط بين المفاهيم،ففي العلاقات الزوجية مثلًا،يُطلب من الزوجين التنازل الى حدّ يفقد فيه الطرفان الشغف في الحياة الزوجية واللذة في الاستمرار! فهل هذه تضحية ام أنه استسلام عقيم؟!
التضحية مرتبطة بزمان ومكان محدّدين، ومنوطة بموقف يكون فيه التنازل عن الحلم أو المشروع أو الهدف نجاةً لشيء أهم وأكبر وأعلى وأسمى، ولكن لا يحمل أبدًا معنى التخلّي عن الشيء نفسه، هو عملية مؤقتة نُرجّحُ فيها الأهمّ على المهمّ من دون أن نخسر ما نريد، بل نرجئه الى أجلٍ غير مسمّى!
يقول جبران خليل جبران:
"في أحد الأيام،ستتنازل مجبرًا عن بعض أحلامك،حتى تعيش واقعك"
فحين يكون الواقع قاسيًا،ستضطر مكرهًا الى أن ترجئ أحلامك لتعيش واقعك بتفاصيله وحيثيّاته،وهذا هو التنازل المؤقّت والذكي.
ويكفينا في الحياة أن نعيش مفهوم التأقلم الذي هو بحدّ ذاته نوع من أنواع التنازل
وقد عبّر عن ذلك محمود درويش في قوله:
~~~
"أكبر تنازل تقدمه في حياتك هو أن تتأقلم"
إنّ الخوض في مفهوم التنازل يعيدنا الى معنى العلاقات وجوهرها،وكيف يتمّ النظر اليها على تنوّعها،كالعلاقات الأسرية والعاطفية والصداقات وغير ذلك،فالإنسان يميل الى فعل الأشياء التي تجعله مقبولاً ومحبوبًا في مجتمعه،الى أن يكتشف بعد حين أنه عاش حياةً لا تشبهه،ولا تمثّله في أغلب أجزائها.
نحتاج أن ننشر ثقافةً واعية تنبني على تقبّل الآخر المختلف، تقبّل كيانه ووجوده، تقبّل أحلامه وطموحاته، تقبّل مساحته الخاصة واحترامها، وأن نتقاسم ما يمكن تقاسمه بدلًا من أن نفرض التنازل ونُلزم الآخر بالخسارة والتخلّي..!
تمسّكوا بكيانكم ووجودكم..
ولا تسمحوا للعواطف أو المواقف أن تجرّكم صوب تنازلات مخيّبة تكسركم من أوّل الطريق وتحطّم فيكم أجمل ما عندكم.
لا تقبلوا الإبتزاز العاطفي أو الاستغلال المجتمعي الذي يشعركم بالنقص كي تضطروا أن تتغيّروا من أجله!
وكونوا صقورًا لاتنزل إلا فوق الجبال .

جاري تحميل الاقتراحات...