دومًا ما كنتُ أرى أنّ "البيان" أو "الإيضاح" في العلاقات الإنسانيّة غالٍ، وأنه فعل إخلاص وصدق وتواضع، وهو أثمن عطايانا لمن أخلصناهم وقرّبناهم، إنّه يُفصح عن حقيقة أن علاقتي بك رفيعة وتعنيني، ويهمّني ألا يكدّر صفوها أخطائي، وسوء فهمنا المُشترك، وحتى عوارض الدُّنيا، ونفثاث الشياطين.
الحالة الإنسانيّة العامّة من الانتهاض للدفاع عن النّفس، وشيوع أقوال التبرير حال الخصام، أنزلت فعل "البيان" فيها منزلةً أدنى من منزلته التي يستحقّها؛ هناك فرقٌ جوهري بين التبرير، وبين البيان؛ الأول: فعلٌ أناني في جذره وهدمي، أما الثاني: فعلُ إخلاص وبناء وتواضع وصدق.
في التبرير تنشط النّفس للدفاع عن موقفها، سواءً لنبل الغاية في رغبة الحفاظ على مكانتها عند الآخر، أو لغيرها؛ وهي التملّص من مُسؤولية الفعل أو القول، اختيار التبرير فيه استخفافٌ بالعلاقة وبالآخر وبإمكاناته في الفهم والتفهّم والاستيعاب، لذلك هو فعلٌ هدمي ووصاية مهما كان نبيل الغاية.
في البيان ضرورة الصّدق، وسرد الحدث كما هو في الواقع وفي النوايا وأفعالها، في البيان انفتاحٌ على إمكانية خسارة المكانة عند الآخر، في البيان انفتاحٌ على إمكانيّة عيش الألم مُجدّدًا لإنهائه بموقف سليم يليق به، في البيان احترامٌ لأنفسنا والآخر وأنه يستحقّ الحقيقة؛ لذلك هو فعلٌ بنائي.
إحدى التجلّيات الكُبرى في السيرة للفرق ما بين الأمرين - مع مراعاة المقامات واختلافهن - هو في قوله تعالى: ﴿وعلى الثّلاثة الذين خُلِّفوا﴾، حين اختاروا الصِّدق فيما اختار المنافقون التبرير، وابتلوا بالهجر ابتلاءً مُزلزلاً، حتى أذن الله تعالى بتوبتهم، وجعل ذنبهم رفعةً وعلوًّا.
جاري تحميل الاقتراحات...