فرغت منذ عدة أيام من ترجمة حوالي النصف من كتاب "تجارب معايشة الاكتئاب" لماثيو راتكليف، وهو من أفضل ما قرأتُ في الحديث عن ماهية الاكتئاب وما تتكون منه تجربة معايشته، فالكاتب انطلاقًا من الفلسفة الظاهراتية (أي الفينمنولوجيا) يحاول فهمه لا كشعور داخليّ تنطوي عليه نفس المكتئب، وإنما
يفهم الشعور من جهة إحساسه بالإمكانيات التي يقدمها العالم أمامه، سواء من ناحية ترقبه لحدوث أمر سارّ أو رُعبه مما تُخفِيه الأيام له، أو اليأس من قابلية إصلاحه، وهي خصيصة حاضرة في الفينمنولوجيا التي لا تتعامل مع النفس منفصلةً عن الواقع والجسد، بل بوصفها جميعًا نسيجًا متفاعلًا.
يبدأ الكتاب بإصلاح تصور شائع عن الاكتئاب، وهو التصور القائل بأنه حالة من ازدياد الشعور بالحزن واليأس والألم وغيرها من الأعراض المزعجة، وتناقص الشعور بالسعادة والفرح والأمل وغيرها من الأعراض السارّة، ومكمن الخطأ في ذلك أنّ كل هذه المشاعر ليس اختلافها بين المكتئب وغير المكتئب
اختلافًا كميًّا، وإنما اختلاف نوعيّ.
الأقرب لفهم الاختلاف بين الاكتئاب وغيره هو التفكير في الاختلاف بين مرض الفصام [السكيزوفرينيا] وبين الطبيعيّ، فكما أنّ مريض الفصام يعيش في عالم مختلف تمامًا عن العالم الطبيعي، ويرى الأشياء تنطوي على معانٍ ودلالات مختلفة، فكذا الاكتئاب كذلك.
الأقرب لفهم الاختلاف بين الاكتئاب وغيره هو التفكير في الاختلاف بين مرض الفصام [السكيزوفرينيا] وبين الطبيعيّ، فكما أنّ مريض الفصام يعيش في عالم مختلف تمامًا عن العالم الطبيعي، ويرى الأشياء تنطوي على معانٍ ودلالات مختلفة، فكذا الاكتئاب كذلك.
وهي شكوى متكررة عند المكتئبين أنهم يعيشون في "عالم مختلف، عالم غريب" ولذا يصعب على الناس استكناه طبيعة مشاكلهم، وعمق تأثيرها عليهم.
"استيقظتُ في عالم غريب. لَكأنما تغير كل شيء ريثما كنت نائمًا: كأني استيقظتُ لا داخل وعيي العادي، وإنما في كابوس.
(Rowe, 1978, pp.268-9)"
"استيقظتُ في عالم غريب. لَكأنما تغير كل شيء ريثما كنت نائمًا: كأني استيقظتُ لا داخل وعيي العادي، وإنما في كابوس.
(Rowe, 1978, pp.268-9)"
مم يتكون الاكتئاب إذًا؟
يبدأ الكاتب -مستندًا على الظاهراتية- بمفهوم "العالم -عالم الشخص-" يجب فهمه على أنه إحساس بالواقع والانتماء، هذا الإحساس هو ما يشكّل البنية/الهيكل العام لتجارب المعايشة التي يكون في إمكان المرء الانخراط فيها، ويتضمن الإحساس بالسكنى الآمنة في الوجود.
يبدأ الكاتب -مستندًا على الظاهراتية- بمفهوم "العالم -عالم الشخص-" يجب فهمه على أنه إحساس بالواقع والانتماء، هذا الإحساس هو ما يشكّل البنية/الهيكل العام لتجارب المعايشة التي يكون في إمكان المرء الانخراط فيها، ويتضمن الإحساس بالسكنى الآمنة في الوجود.
في الاكتئاب يطرأ تغيير عميق على هذا الإحساس، وعليهِ على البنية/الهيكل العام لمعايشة العالم، وبذا يفقد المرء سُكنَاه في العالم ويبدو كل شيء فيه متزعزعًا ناقصًا مُوحِشًا على نحو واضح، وتتأثر أعمق المشاعر التي تَصِل في الحال الطبيعي الفرد بالعالم، فيُصاب في جوهر إحساسه بكل شيء.
"إنك تدري أنّك فقدتَ الحياة نفسها. لقد خسرتُ الأرض الصالحة للسكنى. لقد خسرتَ الترحاب الذي يدعوك لأن تعيش، الترحاب الذي يبسطه الكون لكل منا في كل لحظة. لقد فقدتَ أمرًا لا يعرفه الناس حتى. لذلك فإنه من الصعب شرحُه. (اقتبسه هورستين، Hornstein, 2009, p.213)"
مم يتكون هذا الإحساس بالانتماء إلى الواقع وما هي التغييرات التي تطرأ عليه؟
يقسّم الكاتب المشاعر لنوعين، المشاعر القصدية -وهي المشاعر التي تثور إزاء موضوع معين-، والمشاعر الوجودية -وهو الكيفية التي يجد عبرها نفسه في العالم، والإمكانيات التي يقدمها له-
من نماذج المشاعر الوجودية:
يقسّم الكاتب المشاعر لنوعين، المشاعر القصدية -وهي المشاعر التي تثور إزاء موضوع معين-، والمشاعر الوجودية -وهو الكيفية التي يجد عبرها نفسه في العالم، والإمكانيات التي يقدمها له-
من نماذج المشاعر الوجودية:
"يتحدث الناس أحيانًا عن شعورهم بأنهم أحياء، أو ميّتون، أو بالبُعد، أو منقطعون، أو مُبعَدون، أو مستوحشون، أو معزولون، متصلون\منتمون إلى عالم آخَر، أو غير مكترثين بأي شيء، أو مغمورون، أو مختنقون، أو مقطوعون، أو ضائعون، أو منفصلون، أو عكرو المزاج، أو [أن يشعر الفرد] بأنه ليس نفسه"
تعتمد المشاعر القصدية التي يعايشها الفرد على شعوره الوجودي بالعالم، وفهم تجارب معايشة الاكتئاب ممكن استنادًا على هذا التفريق المهم، خُذ على سبيل المثال الفرق بين الأمل القصدي والأمل الوجودي، كل تجربة معايشة طبيعية للعالم تنطوي على الإحساس بإمكانية تغير الأوضاع إلى الأحسن
وعلى إمكانية حدوث أشياء سارة، وقد يخيب أمل امرئ في حدوث أمر ما فيتأثر أمله القصدي، ولكن يظلّ إحساسه بأنّ للعالم -والمستقبل- ما يقدمه له قائمًا، إذ أن الأمل الوجودي جزء من "عالَم" الفرد، أي من إحساسه بالواقع والانتماء.
خُذ حالة شخص مكتئب، قد تجده يقول لك "لا أملَ"، وحين تذهب في الحديث معه وتقدّم له العديد من الأمثلة لأشياء سارة تحدث وقد تحدث لا تجد أي استجابة، كلاكما ربما يُصَاب بالإحباط من عدم فهم الآخر له، المكتئب مضطربٌ أمله الوجودي وعالَمه خالٍ من إمكانية حدوث أمر سارّ، ويهيمن على شعوره
عدم الثقة في حدوث شيء جيد (يمكن القول أن مستقبلات معنى "جيد" تتعطل تمامًا)، يصاحب ذلك شعور غامر بأنّ سوء العاقبة سيحدث لا محالة في أي وقت، لا مهربَ منه، فيهيمن الخوف والارتياع على المكتئب على نحو يجعله لا يرى الوجود سوى معاناة لانهائية مستمرة لا مخرج منها.
تتضمن المشاعر الوجودية -ذات الدور الضخم المهم والذي عادة ما نكون غافلين عنه في شعورنا بالسكنى المريحة في العالم- والاضطرابات التي تُصيبها في حالة الاكتئاب:
فقدان الأمل، وإحساس الانتماء إلى العالم (الخوف والارتياع من الوجود)، الإحساس بالذنب الوجودي غير القابل للمسامحة، والوحدة
فقدان الأمل، وإحساس الانتماء إلى العالم (الخوف والارتياع من الوجود)، الإحساس بالذنب الوجودي غير القابل للمسامحة، والوحدة
وفقدان حرية الإرادة والفاعلية، وتغير معايشة الوقت (الزمان بوصفه زحفًا ثقيلًا قاسيًا على جسد الشخص)، تغير إحساسه بجسده (الإنهاك والإجهاد الدائم)، الاستيحاش والخوف من الآخرين، وغير ذلك.
يحاول الكتاب وضع وصف تفصيلي لطبيعة هذه التغيرات التي تطرأ على المشاعر الوجودية، وما تتكون منه.
يحاول الكتاب وضع وصف تفصيلي لطبيعة هذه التغيرات التي تطرأ على المشاعر الوجودية، وما تتكون منه.
ملاحظة ختامية عن الكتاب:
مما يكرره ماثيو راتكليف وجود تباين/تغاير في تجارب معايشة الاكتئاب، هنالك موضوعات/ثيمات أساسية تجدها متكررة في الغالب من تجارب معايشة الاكتئاب، ولكن تغلب بعض الموضوعات على حالة اكتئاب معينة أكثر من غيرها، وتغلب على الأخرى سواها، وهكذا.
مما يكرره ماثيو راتكليف وجود تباين/تغاير في تجارب معايشة الاكتئاب، هنالك موضوعات/ثيمات أساسية تجدها متكررة في الغالب من تجارب معايشة الاكتئاب، ولكن تغلب بعض الموضوعات على حالة اكتئاب معينة أكثر من غيرها، وتغلب على الأخرى سواها، وهكذا.
ملاحظة أخرى: الكتاب لا يحاول فهم أسباب الاكتئاب أو علاجه (ليس مقصوده الأساسي على الأقل)، وإنما فقط يعمل على فهم تجربة معايشة الاكتئاب كما هي، وما يعنيه أن يكون الفرد مكتئبًا
ملاحظة طريفة:
وجدتُ مع قراءة كل فصل من الكتاب أني كتبتُ نصًّا ما يعبر عن ذلك المعنى بالضبط، وهي نصوص يرجع بعضها إلى قبل خمس سنوات كنتُ أحاول فيها التعبير عن أزمات نفسية أمرّ بها، إحداها قصيدة تحاول وصف الاكتئاب، تقع من توصيف الكاتب وقع الحافر على الحافر.
وجدتُ مع قراءة كل فصل من الكتاب أني كتبتُ نصًّا ما يعبر عن ذلك المعنى بالضبط، وهي نصوص يرجع بعضها إلى قبل خمس سنوات كنتُ أحاول فيها التعبير عن أزمات نفسية أمرّ بها، إحداها قصيدة تحاول وصف الاكتئاب، تقع من توصيف الكاتب وقع الحافر على الحافر.
ليس شعرًا حقيقيًّا، ولكنه كلام منظوم:
"هِيَ لَحظَةٌ
وتمرَّدَتْ ألفٌ مِنَ الأوطَانِ
تسكُنُ في دَمِي
وتُركتُ وحدِي في وجودٍ
مُظلمٍ صَعبٍ ثَقِيلْ
لَا نورَ يَلمَعُ فِي سمَاءِ الناسِ
أو عَينَي فتَاةٍ
أو عَلَى قَلبِي الحَسِيرِ
ليفتحَ الأمَلَ/السبيلْ
"هِيَ لَحظَةٌ
وتمرَّدَتْ ألفٌ مِنَ الأوطَانِ
تسكُنُ في دَمِي
وتُركتُ وحدِي في وجودٍ
مُظلمٍ صَعبٍ ثَقِيلْ
لَا نورَ يَلمَعُ فِي سمَاءِ الناسِ
أو عَينَي فتَاةٍ
أو عَلَى قَلبِي الحَسِيرِ
ليفتحَ الأمَلَ/السبيلْ
هِيَ لحظةٌ
وورَاءَهَا لا لحظَةٌ أُخرَى تُبشِّر باقتِرابٍ مِن مكوثٍ
أو برَاحٍ في الرحيلْ
لَا عِطرَ في الأزهَارِ
لَا لَونًا يُرنِّقُ في الطبِيعَةِ
لَا مُوسيقَى فِي غِناءِ العندَلِيبِ
ولَا عزَاءً في "أُحِبّكَ"
لحظَةٌ
مِن بعدِهَا انطفَأ الوُجُود
وغَابَ فِي حُزنٍ جَلِيل"
وورَاءَهَا لا لحظَةٌ أُخرَى تُبشِّر باقتِرابٍ مِن مكوثٍ
أو برَاحٍ في الرحيلْ
لَا عِطرَ في الأزهَارِ
لَا لَونًا يُرنِّقُ في الطبِيعَةِ
لَا مُوسيقَى فِي غِناءِ العندَلِيبِ
ولَا عزَاءً في "أُحِبّكَ"
لحظَةٌ
مِن بعدِهَا انطفَأ الوُجُود
وغَابَ فِي حُزنٍ جَلِيل"
جاري تحميل الاقتراحات...