ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

18 تغريدة 52 قراءة Oct 26, 2022
باب أسود لامع يتوسط أحد الشوارع الاعتيادية في قلب لندن، لكنه ليس بالبساطة التي يبدو عليها، إنه باب لبيت سياسي بامتياز، حكم ذات يوم ربع مساحة الكرة الأرضية وتحت سقفه حُدِدت مصائر كثير من الأمم، وعلى أعتابه وقف أهم الساسة العالميين على مدى القرون الثلاثة الأخيرة.
حياكم تحت
لكل بناء اسم يميزه، لكن البساطة البادية في واجهة هذا المنزل انسحبت كذلك على اسمه فهو "10 داوننغ ستريت" نِسبة لعنوانه، تتوقف البساطة عند ذلك الحد، حيث محتواه الداخلي زاخر بالمقتنات الثمينة أما مساحته فهي مبهرة؛ يضاف إلى هذا قدر لا نهائي من العراقة والحكايا والقصص.
يعود تاريخ هذا المنزل العريق إلى ما قبل 300 عام من الآن، حيث مُنح على سبيل الهدية من الملك جورج الثاني إلى رئيس الوزارء حينذاك السيد روبرت والبول، قَبِل والبول الهدية لكنه اشترط أن يقبلها مُهداةً لمنصبه ووظيفته وليس لشخصه.
بعد ذلك عهد والبول بالمنزل إلى المهندس المعماري "وليام كنت" أحد أبرز المعماريين في عصره، والذي أجرى عديد من التغييرات في المنزل، من ضمنها توسعته عبر ضم منزلين آخرين إليه، ليصبح على ما هو عليه حاليًا من هيئة وتقسيم.
أما عن بساطة المنزل والذي يبدو للمار من شارع داوننغ كأي منزل آخر، فالسر يرجع إلى والبول الذي عُرف بالتواضع وعدم الاهتمام بالمظهر، فيما لم يرد الساسة البريطانيين بعده إجراء أي تعديلات جوهرية على البناء نظراً لقيمته التاريخية ونظراً لكونه معبراً عن المساواة بين القادة وبقية الشعب.
يتكون المبنى من 3 طوابق ويحوي نحو 100 غرفة منوعة ما بين مكاتب وقاعات مؤتمرات واستقبال وقاعات للجلوس وتناول الطعام، فيما يمثل الطابق الثالث سكناً خاصًا لرئيس الوزراء وضيوفه، يطل المنزل من الخلف على حديقة خاصة تبلغ مساحتها ٢١٠٠م٢.
رغم حجمه وموقعه الملائم بالقرب من البرلمان، إلا أن القليل من رؤساء الوزراء الأوائل عاشوا فيه، وذلك راجع إلى الحالة المزرية التي كان عليها البناء حينذاك، ففي منتصف القرن الماضي كان عدد الأشخاص المسموح لهم في الطوابق العليا محدودًا خوفًا من انهيار الجدران الحاملة.
نظرًا لقيمته التاريخية اتخذ رئيس الوزراء البريطاني حينذاك هارولد ماكميلان قرارًا بإعادة بنائه باستخدام أكبر قدر ممكن من القطع والتصميمات الأصلية، ومع إعادة فحص الطوب الخارجي للمبنى، اتضح أن اللون الأسود الذي عليه ليس إلا نتاج قرنين من التلوث وأن الطوب الأصلي مصبوغ بالأصفر.
رغم تلك المفاجئة غير المتصورة عن لون واجهة المنزل؛ نظف الطوب الأصفر الأصلي للبناء، وطلي البناء في الأخير باللون الأسود المعروف به المنزل، واستغرقت إعادة البناء أربع سنوات، بتكلفة بلغت 3 مليون جنيه استرليني.
إمعاناً في البساطة الانجليزية لم يكن المستوى الأمني فيما قبل العام 1991 جيدا بل كان يتألف أمن المنزل من ضابطين فقط أحدهما يقف أمام الباب فيما الثاني يقف خلفه، بينما وصول الجماهير إلى المنزل متاحاً ببساطة، لكن الأمر تغير بعد هجوم بمدفع هاون نفذته عناصر من الجيش الجمهوري الأيرلندي
بعد الهجوم وضعت بوابة للتفتيش وفريق أمني في بداية الشارع، بينما الباب الأسود ذو التاريخ الطويل المصنوع من خشب السنديان تم استبداله بآخر معدني مضاد للتفجير وتم طلائه بمادة خاصة مقاومة للانصهار، وهذا يفسر اللمعان الشديد الذي عليه الباب (أما عن الباب الأصلي فقد أودع متحف تشرشل).
بالحديث عن الباب فلا داعي للقلق من فقدان المفتاح أو نحو ذلك، فالباب الشهير للمنزل لا يوجد له مفتاح، إذ أنه مصمم فقط ليفتح من الداخل، وهناك دائمًا من يقوم بواجبه لفتحه أمام السياسيين والزوار.
كذلك لم يكن اللون الأسود اللون الوحيد الذي حظي به الباب، بل غير اللون الأسود للباب إلى اللون الأخضر عام 1908 من قبل رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هربرت هنري أسكويث، وذلك احتفالاً باستضافة لندن للأولمبياد.
على جدران الدرج الرئيسي للمنزل تصطف صور رؤساء وزراء بريطانيا السابقين بحسب الترتيب الزمني.
اما الغرفة الخاصة: فهي غرفة تتوسط المنزل؛ تميزت بتقليد غريب، حيث جرت العادة أن يتغير لونها ومعه اسمها مع كل رئيس وزراء جديد للبلاد، مارغريت تاتشر أشهر من اتبع هذا التقليد حيث حولتها من الأزرق إلى الأخضر، حاليا تسمى الغرفة بـ Terracotta Room حيث أنها بلون الطين الخزفي أو القرميدي
غرفة مجلس الوزراء، التي تقع في الطابق العلوي، مفصولة عن بقية المنزل بأبواب عازلة للصوت، يجتمع مجلس الوزراء أسبوعيًا ، كل خميس.
في عام 2012 نشرت صحيفة "التلغراف" خبراً غريباً يتحدث عن سرقة تعرض لها المنزل رقم 11 خلال الفترة الأولى من تولي رئاسة توني بلير رئاسة الوزراء في بريطانيا، المنزل رقم 11 على بعد أمتار قليلة من المنزل رقم 10 وهو مخصص لسكن وزير المالية، وهو أمر يثير التندر بكل تأكيد!
الآن ولأول مرة في التاريخ، سيسكن هذا المنزل الذي كان في يوم من الأيام رمزًا للارستقراطية والإمبريالية الغربية، رجل من أصول هندية عانت أمته ذات يوم من ويلات الاستعمار البريطاني، هكذا تدور الأزمنة ووتتبدل الأحوال وما علينا إلا أن نشاهد ونتأمل ونستخلص العبر

جاري تحميل الاقتراحات...