25 تغريدة 21 قراءة Oct 16, 2022
أتذكر جيدًا يومها، كنت ذاهبة للعمل، يومي العاشر في العمل كنت سعيدة. مررت بجانبه وهو نائم كحمل وديع في مجلسه الذي يحب البقاء و النوم فيه، تسميه أمي صومعته. مشيت بهدوء خشية ايقاضه، كان هذا في الساعة الثالثة ظهرًا
في الساعة الخامسة كنت في وقت استراحة وارسلت لأمي امازحها مقلبًا كان متداولًا حينها، كانت تقرأ رسائلي ولا ترد، اتصل، وتغلق الخط في وجهي، غضبت منها قليلًا لأنها قتلت المقلب ووقتي للمرح محدود فالعمل ينادي. كانت تصارع اسوأ لحظات حياتها حينها، عندما جاءت لأبي بالغداء فاذا به لا يتحرك.
في الساعة التاسعة جاءت الي أختي وأمسكت بيدي وقالت تعالي معي، قلت ماذا يحدث؟ قالت اخي في الخارج يجب ان نذهب. هناك امرًا قد حدث. ارتعبت وتبادرت في ذهني جميع الأفكار الا فكرة ان أبي يموت. ذهبت لمديرتي وقلت لها سأخرج هناك حالة في منزلي تستدعي خروجي. قالت لا عليك اذهبي.
ذهبت مع أختي ممسكة بيدها، لا أحد منا يعلم ما ينتظره، كانت أطول خطوات حياتي مشيًا. حين وصلنا الى السيارة فإذا بأخي يجلس في مقعد الراكب وكان السائق خالي! هناك شيء غريب حقًا يحدث، هناك مصيبة.
ركبنا السيارة، ماذا يحدث يا ياسر؟ ماذا يحدث يا خالي، والدك تعبان قليلًا وسنذهب الى المنزل، قال خالي.
والدي؟ أتقصد نوافًا؟ انه لا يتعب ابدًا. قل غيرها! أرجوك. لا أحد يضحك ويقول انه مقلب، انهم صادقين تمامًا و أبي في مشكلة لا يمكنه حلها كجميع المشاكل.
بكينا كثيرًا في السيارة، دعونا الله، لا احد يعلم مصيره ياسر وجهه بلا أي تعبير، صامت كعادته يفكر أي ورطة وضعه فيها والدي هذه المرة. خالي يتصل كثيرًا بالمستشفى ويقول رموزًا لا احد يفهمها.
وصلنا الى المنزل، المصيبة. جدتي لأمي هنا. ترتدي عبائتها السوداء، لحظة يا جدتي قالوا لنا انه متعب قليلًا أرجوك اخلعي عبائتك، ارجوك. ليس الان ليس في هذه اللحظة.
أمي جالسة في الصالة تحدق في العدم وفي وجهها بكاء العالم كله لكنها لا تبكي، انها هادئة تمامًا. ولكنها هي ايضًا ترتدي عبائتها السوداء. عندما رأيت هذا المنظر علمت ان الموت كان حاضرًا هنا. هذه الوجوه المرعوبة لا يمكن ان تحدث الا بفعل شيءٍ واحد و انا في هذه اللحظة اصبحت أعرفه جيدًا.
لم استطع ان اتمالك نفسي ابدًا وجاءت نوبة الهلع، ارجوك انت ايضًا ليس الان، لكنها كانت اقوى من كل شيء، هي تعلم أكثر منا جميعًا بما سيحل بنا، اختنقت. شعرت بروحي تخرج وقلبي لم يعد قادرًا على ان يقوم بعمله بالشكل المطلوب، أشعر بأنني اموت لكنني لا أموت.
استطعت بشكل ما بفعل هذه الدراما ان آخذ جميع الانتباه، انا اسفة يا أبي لا احد يستحق الانتباه الان سواك سوا قلبك، قلبك الجميل، قلبك الكبير، قلبك القوي. قلبي تافه وضعيف أتركوه عنكم ارجوكم هناك قلب عظيم في مكان يصارع الموت.
أذكر انني كنت اقول لهم دعوني، أرجوكم لما انتم مشغولين بي! ان أبي يموت. اتركوني واذهبوا لأبي، انقذوا ابي. ان مثلي يتعذب فقط ولا يموت. اتركوني.
جاء الاسعاف، اخذوني. كان هو نفسه الاسعاف الذي حمل جسد أبي قبل ساعات، ربما نفس المسعف، رائحة الموت، الإنارة شديدة البياض. السقف المليء بنظرات الموتى الأخيرة. اغمضت عيني ودخلت في سبات عميق.
استيقضت. اللعنة، ما زلت في نفس المصيبة، اليس من المفترض ان يكون كل هذا حلم بشع واصحو منه الآن؟ اليست هذه هي الخطة، هذا ما يحدث فقط في الأفلام! اما الان انا استيقظ في المستشفى، الذي يرقد في أحد غرفه أبي، يصارع الموت. تارة يغلبه وتارة يُغلب، ايهما سيفوز في هذه اللعبة الحقيرة؟
أعطوني ابرة مسكنة للألم، يا دكتور هذا الألم لا يمكن تسكينه أبدًا. انه الم في الروح كيف لم تدرس هذا في كل سنوات دراستك التعيسة؟ كان جرحي حينها أقوى من كل مهدئ للأعصاب، لم استطع ان اهدأ ابدًا و الجميع كان يكذب، ظلوا يرددون انه في الانعاش، اخبِروني انه مات لكي أصرخ، اريد ان أصرخ!
لكن لا أحد يخبرك الحقيقة، انهم يأجلونها، او انهم ينتظرون متطوعًا شجاعا يزف لي هذا الخبر الذي أعلم عنه منذ ان كنت ممسكة بيد أختي ذاهبة معها ببلاهة الى حياتنا الجديدة.
دقائق حتى دخل علي عمي، عمي الذي لم يسبق لي اراه في حياتي ابدًا لكنني خمنت انه عمي لأن له سحنة أبي ويشبهه كثيرًا الا انه يبدو أطول واضخم و أبيض. يعود ذلك لجيناته المصرية لوالدته، التي كانت السبب في مقاطعته لأبي وبقية أخوته من والدهم.
أتذكر انه وضع يده الضخمة على رأسي وقال انا عمك فهد، ابعدت يده وقلت قل لي ماذا حدث هل عاد قلبه للعمل! قال كلمات كثيرة يرددها المؤمنين الذين لم اكن منهم في تلك اللحظة. ثم قال والدك يطلب منك الدعاء الان. صرخت، تلك الصرخة التي أمسكتها منذ ساعات، او ربما منذ ولادتي.
قلت له كاذب. اخرج من هنا، من انت حتى تقرر انه مات، انت تكره والدي و والدي يكرهك وانا اكرهك واكرهكم جميعًا. اخرجوا واتركوني. قال لي من قال انني اكرهه؟ لقد كنت معه البارحة. لقد قابلته في المحطة، وكان يشرب لبنًا. تحدثنا قليلًا وكان سعيد جدا.
ابتسمت، هل لأنه يشرب لبن؟ ام لأنني مشتاقة للحديث عنه منذ الان. لقد اشتقت اليه منذ هذه اللحظة. أكمِل، تحدث عنه. قلت له ببراءة وماذا ايضًا، ماذا قال؟ وكأنني استسلمت لحقيقة انه رحل. كان هذا الهدوء الغريب بفعل ابرتهم اللعينة، لم يكن من المفترض ان اهدأ، كان ابي يستحق الصراخ، واللطم.
حالما صدق هو انني احببته، وانني استسلمت، حتى عدت ابعده عني واضرب جسده الضخم وابكي، بكيت كثيرًا حتى خارت قواي. وعلمت حينها حقًا انه رحل.
كانت تلك ابشع ليالي حياتي، ربما لن يكون هناك ابشع منها، في تلك الليلة تحديدًا تغير كل شيء، كل شيء، عاد الجميع بعدها للمنزل لكن هذه المرة بدون ابي. نمنا تلك الليلة مُحاطين بالجميع، ما عدا ابي. ولم ارى امي تبكي ابدا حتى لحظتنا هذه، يالقوة تلك المرأة.
عندما مررت بجانب المجلس بعد عودتنا من المستشفى كان هناك تلك العلامات التي نراها في الأفلام في مسرح الجريمة، علامة صفراء على الارض ممنوع الاقتراب. وكان المكان مغلقًا بشطرطون أصفر. اهذا مسرح جريمة؟ ام لأن ابي مات تُعد هذه جريمة، اوافقكم الرأي! انها جريمة حقًا.
تبين لي بعد ذلك انه لابد من التحقيق في الامر لانه حبيبي كان نائمًا تلك الليلة مشعلًا بجانبه قليلًا من الجمر، كانت ليلته باردة، وهو كان مجنون، لا شيء يقف في وجه جنونه، من ينام مع جمر مشتعل يا أبي؟ غيرك. قالوا بعد التحقيق انه لم يختنق بسبب الجمر. وانما قلبه توقف فقط.
اما عني انا فأفضل ان اصدق انه مات بسبب اختناقه بالجمر،وسأعلن الجمر عدوي للأبد،لأنه لايمكن لشخص مثله ان يموت هكذا ببساطة، كما كتبوا في شهادة الوفاة، توقف نبضات القلب، هكذا تموتون أنتم لا أبي.
أبي يجب ان تكون لنهايته قضية وموقف او جريمة. أن تكون لنهايته عداوة مع شيءٍ ما.
غير الموت.
@rattibha رتب

جاري تحميل الاقتراحات...