ولهذا، فإنه يحسن الأخذ في الاعتبار هنا، أن فرويد (1939م) دَرَسَ الطب، وكان قريبًا من دوائر الصحة ودائر الأطباء، وكان يعلم أن التدخين مضر بالصحة، وأن تقارير طبية عالمية عديدة في وقته وقبل ذلك حذرت من خطورة التدخين منذ عقود طويلة قبل ولادة فرويد، وحذرته شخصيًا من عاقبت التدخين.
فمثلاً: في عام 1795 ربط الطبيب وَعالم الأحياء القديمة وَعالم البَشَريات والتشريح الألماني صموئيل توماس فون سومرينغ (1830م)، سرطان الشفاه بتدخين الغليون. وفي عام 1798 تحدث الطبيب الأمريكي بنيامين راش (1813م) عن الأخطار الطبية للتبغ.
ثم في بدايات القرن العشرين، بدأت تظهر وتتضح التقارير الطبية التي تربط التدخين بسرطان الرئة، ومنذ ذلك الحين وحتى منتصف القرن الماضي أكدت سلسلة من التقارير الطبية الرئيسة أن التبغ تسبب في مجموعة من الأمراض الخطيرة.
ومع ذلك، كان سيغموند فرويد مدخنًا شرهًا، حيث كان يدخن 20 سيجار يوم. وفي عام 1923م، تم تشخيصه بسرطان الخلايا الحرشفية في الحنك، وخضع لمحنة طويلة امتدت إلى ما 16 عامًا. ومع ذلك رفض بشكل قاطع وصريح الإقلاع عن التدخين.
يقول واسيو لانري أدييمو، قسم جراحة الفم والوجه والفكين بمستشفى جامعة لاغوس التعليمي: "استشار فرويد العديد من المتخصصين، أطباء الأنف والأذن والحنجرة وجراحي الفم والوجه والفكين، خلال محنته مع سرطان الفم. وخضع لـ 34 عملية جراحية قبل وفاته النهائية في عام 1939م من خلال القتل الرحيم".
ومع كل معرفة سيغموند فرويد الطبية السابقة بأضرار وخطورة التدخين ونهايته الوخيمة، فإن شناعة نصيحته ودعوته لقريبه المراهق هاري للتدخين تزداد قبحًا حين نعلم أنه في عام 1908م صدر قانون يجرم بيع الدخان للأطفال، وذلك باسم: (The Children's Act of 1908).
يبين واسيو لانري أدييمو أنَّ أحد الأسباب الرئيسة في محنة وهلاك سيغموند فرويد، هو: استمراره في التساهل في التدخين والمماطلة من جانبه في أخذ نصيحة الأطباء بجدية. ومع إهمال وتساهل وتفريط سيغموند فرويد في ذلك، فإنه كان ينصح ويحث الأطفال والمراهقين بالتدخين، مع علمه بخطورته وضرره!
يقول بريوني ديفيز: "على الرغم من تشخيص فرويد بسرطان الفم عام 1923، إلا أنه استمر بالتدخين لوفاته عام 1939. من الواضح أن التدخين وفر له مصدر سرور، وتربط نظرياته في التحليل النفسي هذا بمتعة الفم، مثل مص الإبهام والتقبيل، فكل ذلك يرضي الرغبة في تكرار التجربة الحسية الأولى للرضع"!
ويذكر بريوني ديفيز أن فرويد خضع لما يقارب 34 عملية جراحية خطيرة وكبيرة، حيث تم فيها إزالة غالبية الحنك العلوي، وتُرك تجويفه الأنفي مفتوحًا على الفم، فتطلب طرفًا صناعيًا عن طريق الفم للسماح له بالتحدث والأكل، وتسبب له في تهيج وتقرح مستمر في الأنسجة الرخوة للفم.
ومع ذلك، وبعد كل تلك المصائب التي أصابته بسبب التدخين، كَتَبَ فرويد قبيل موته إلى شقيقه ألكسندر يحثه على التدخين، حيث قال له: "أود منك أن تستولي على السيجار الجيد الذي تراكم معي على مر السنين، حيث لا يزال بإمكانك الانغماس في مثل هذه المتعة، أما بالنسبة لي فلم أعد قادرًا على ذلك".
جاري تحميل الاقتراحات...