د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

12 تغريدة 9 قراءة Oct 13, 2022
يستغل الحشوية جهل الناس باللغة الرمزية عند الصوفية؛ فيتهمونهم بالدجل والتخريف، وأنا لا أقدم تزكية مطلقة لهم.
يوجد عند كثير من المنسوبين إلى التصوف الكثير من الخرافات.
ولكن يجب أن نفهم بأنّ اللغة الرمزية ضرورة تفرضها طبيعة التصوّف؛ لأنّ حقائق الصوفية مستوحاة من عالم خارج المادّة.
لا بد أن تفهم بأنّ الحقائق إذا كانت واضحة استطاع الإنسان التعبير عنها، وإذا كانت غامضة صعب عليه التعبير، حتى يصل الغموض إلى درجة أنّ اللغة تكون مجرد إشارات وتلميحات، وربما تتعمق الحقيقة أكثر وأكثر؛ فيصبح الصمت هو سيّد الموقف حيث لا يستطيع العارِف أن يعبّر عن الحقيقة بلسانه.
وهذا شيء ملاحظ حتى في المعارف غير الروحية، مثل الرياضيات.
كثير من الرياضيات هي رموز وإشارات، ولكي تفهم تلك الرموز يجب عليك أن تدخل إلى منظومة الرياضيات، وتفهم دلالات تلك الرموز حتى تصبح مفهومة لديك.
وهكذا المعارف الروحية تحتاج إلى أن يفهم الإنسان المنظومة الفكرية حتى يفهم الرموز.
كما أنّك عندما تستخدم اللغة الواضحة للتعبير عن حقيقة روحية عميقة فأنت في الحقيقة تشوّه تلك الحقيقة.
لذلك تهيمن اللغة الرمزية على كثير من التراث الصوفي، وليست مشكلتهم أنّ الناس لا يفهمون.
إذا أردت أن تفهم فادخل إلى عالمهم وتدرّج في المعرفة، تماماً مثلما يفعل متعلم الرياضيات.
بالله تخيل معي لو يذهب نحوي إلى عالِم رياضيات ويُنكِر عليه الرموز والإشارات، ويقول له بأنّه يجب عليه أن يكون فصيحاً وواضحاً، وأنّ الرموز دليل على العقم المعرفي والعيّ البلاغي، أو أنّها دليل على التخريف!
يا أحمق؛ طبيعة الرياضيات هي بهذا الشكل، لا تصلح إلا برموز.
وغالباً، كبار الصوفية وفلاسفتهم مثل ابن عربي لا يكتبون للعوام.
هم يكتبون لأتباعهم الذين يفترضون فيهم أنّهم وجدوا الحقيقة التي وجدوها هم.
هو يكتب لشخص داخل المنظومة ويفهم رموزها وإشاراتها، ولا يكتب لحشوي غارق في مستنقع الحشو والسطحية.
ولذلك هم يصرحون بأنّ كتبهم ليست للعوام.
اللغة الصوفية هي أشد أنواع اللغات الباطنية.
الظاهر شيء مختلف عن الباطن.
كيف أفهم الباطن؟
لا بد أن تتعرف على النظام الفكري الذي يحكم العوالم الصوفية، وأحياناً يكون للشخص الواحد عالَم خاص به، مثل ابن عربي فهو عالَم لوحده، والدكتورة هالة فؤاد قضت 20 سنة في محاولة دراسته واكتشافه.
احذر أن تقرأ لابن عربي بعقلية الحشوي.
ابن عربي له تصوّر للوجود لا تستطيع اكتشافه إلا بعقل يستطيع رؤية الأشعّة فوق البنفسجية.
مؤلفاته مشحونة بالرموز والتلميحات، وكل من قرأ له وتعمّق فيه علم أنّه شخص باطني يعيش في الداخل منطق وفلسفة ومفاهيم خاصة؛ يمررها للناس على شكل قطرات.
يُحكى أنّ أحد الفقهاء قال لأبي العباس بن عطاء، وهو من أعلام التصوف؛ بأنّ خروج الصوفية عن اللغة المعتادة والمفهومة لجميع الناس؛ هو شيء من باب التمويه أو ستر لعوار المذهب؛ فرد عليه أبو العباس بهذه الأبيات؛ فقال:
إن تطلبونا لأحكام العبارة
أجبناكم عليها بأعلام الإشارة
نشير بها فنجعلها غموضاً
تقصّر عنه ترجمة العبارة
نرى الأقوال في الأحوال أسرى
كأسرى العارفين ذوي الخسارة
ويقول أبو نصر الطوسي بأنّ علم الصوفية هو علم (إشارات) فإذا أصبح علم (عبارات) اختفى العلم.
الإشارة والرمز جزء من طبيعة التصوّف، وبدونها يختفي التصوّف ويتلاشى.
ويقول في كتاب اللمع بأنّ علم الصوفية معنى مخزون تحت كلام ظاهر لا يظفر به إلا أهله.
المعنى عند الصوفية هو ذوق وشعور.
أما الخيال وكيفية توظيفه في معرفة الحقيقة واستنباطها فهذا قضية أخرى ومبحث كبير وأوصيكم بقراءة هذا الكتاب الموجود في مدوّنتي.
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...