الكواكبي
الكواكبي

@ElKoakbi

8 تغريدة 1 قراءة Oct 11, 2022
⚪ *اقرأ صمت أخيك
فلعل عزة النفس أسكتته
دخل غريبٌ على أحد الحكماء الأثرياء. فجلس يستمع إلى الحكيم وهو يُعلّم تلامذته ولا يبدو على الغريب ملامح طالب العلم، ولكنه بدا كعزيزُ قومٍ أذلّتهُ الحياة
وأخذ يستمع للشيخ بأدبٍ وإنصات، وفي يده قارورةُ فيها ما يشبه الماء لا تفارقه.
قطع الحكيم حديثه، والتفت إلى الغريب، وتفرّس في وجهه
ثم سأله: ألك حاجةٌ نقضيها لك
أم لك سؤال فنجيبك
فقال الغريب: لا هذا ولا ذاك، وإنما أنا تاجر سمعتُ عن علمك وخُلُقك ومروءتك فجئتُ أبيعك هذه القارورةَ التي أقسمتُ ألّا أبيعَها إلا لمن يقدّر قيمتها وأنت -دون ريبٍ- حقيقٌ بها وجدير.
قال الشيخ: ناولنيها، فناوله إياها، فأخذ الشيخ يتأملها ويحرك رأسه إعجاباً بها، ثم التفت إلى الضيف فقال له: بكم تبيعها؟
قال: بمئة دينار، فرد الشيخ: هذا قليل عليها، سأعطيك مئةً وخمسين! فقال الضيف: بل مئةٌ كاملةٌ لا تزيد ولا تنقص
فقال الشيخ لابنه: ادخل عند أمك وأحضر منها مئةَ دينار.
وفعلاً استلم المبلغ، ومضى في حال سبيله حامداً شاكراً، ثم انفضَّ المجلسُ وخرج الحاضرون، وجميعهم متعجبون من هذا الماء الذي اشتراه شيخُهم بمئة دينار
دخل الشيخ إلى مخدعه للنوم، ولكنّ الفضول دعا ولده إلى فحص القارورة ومعرفةِ ما فيها، حتى تأكد -بما لا يترك للشك مجالاً أنه ماءٌ عاديّ!
فدخل إلى والده مسرعاً مندهشاً صارخاً: يا حكيم الحكماء، لقد خدعك الغريب فوالله ما زاد على أن باعك ماءً عادياً بمئة دينار ولا أدري أأعجبُ من دهائه وخبثه، أم من طيبتك وتسرعك؟!
فابتسم الحكيم ضاحكاً، وقال لولده:
يا بني، لقد نظرتَ ببصرك فرأيتَه ماءً عاديّاً، أما أنا، فقد نظرتُ ببصيرتي
فرأيتُه جاء يحمل ماءَ وجهه الذي أبَتْ عليه عزَّةُ نفسه أن يُريقَه أمام الحاضرين بالتذلُّل والسؤال، وكانت له حاجةٌ إلى مبلغٍ لا يريد أكثر منه.
والحمد لله الذي وفقني لإجابته وحِفْظِ ماء وجهه أمام الحاضرين.
ولو أقسمتُ ألفَ مرّةٍ أنّ ما دفعتُه له فيه لقليل، لما حَنَثْتُ في يميني.
أن استطعتَ أن تفهم حاجةَ أخيك قبل أن يتكلم فافعل،فذلك هو الأجملُ تفقَّدْ أهلك وجيرانك فربما في ضيقٍ وحاجةٍ وعَوَزٍ، ولكن الحياء وحفظَهم لماء وجوههم منعهم من مذلة السؤال!فاقرأ حاجتهم قبل أن يتكلموا. وما أجملَ قولَ من قال:
إذا لم تستطع أن تقرأ صمْتَ أخيك
فلن تستطيع أن تسمع كلامه⚘

جاري تحميل الاقتراحات...