عيسى محمد
عيسى محمد

@abofatma3

23 تغريدة 62 قراءة Oct 04, 2022
ثريد الفلسفة البابلية القديمة
1/ تعود الحضارة البابلية في بلاد ما بين النهريين إلى الألف الثالثة قبل الميلاد ، حيث كانت أولى الحضارات العظيمة في هذه المنطقة هي حضارة السومريين ، ورغم أن السومريين لم يستطيعوا أن يخلقوا لأنفسهم فلسفة منظمة بالمعنى المعروف
2/ إلا أنهم شغلوا بتأمل الكون وتساءلوا عن طبيعته وأصله ، وقد أخذ عنهم البابليون والآشوريين هذا الميراث الثقافي الحضاري ، أو نقلوا عنهم الكتابة بالخط المسماري
3/ ، كما نقلوا عنهم كنوز ثمينة من أدبهم وديانتهم وأساطيرهم وتشريعاتهم وطوروا كل ذلك إن معالم الفكر البابلي قد أثرت إلى حد كبير في بلورة بعض معالم الفكر اليوناني القديم قبل ظهور الفلسفة عند اليونان .
4/ أصل الكون وفلسفة نشأة الوجود والعالم
تشير النصوص السومرية القديمة أنهم قد بلوروا مواقفهم من مسألة أصل الوجود وخلق الأشياء بالنقاط التالية :
ـ في البدء كان " البحر الأول " الذي وجد منذ الأزل .
ـ أن هذا البحر قد ولد " الجبل الكوني " المؤلف من السماء والأرض متحدتين .
5/ ـ بمقتضى تصورهم للآلهة على هيئة البشر كان الإله " آن ، أي السماء " مذكرا ، والإله " كى ، أي الأرض " كانت الأنثى ، ومن اتحادهما ولد الإله " أنليل ، أي الهواء " .
6/ ـ فصل الإله " أنليل " السماء عن الأرض ، وإذا كان أبوه الإله " آن " قد أختص بالسماء ، فأنه " أي انليل " قد أخذ أمه الأرض وهيأ اتحاده بأمه الأرض المسرح لتنظيم الكون أي خلق الإنسان والحيوان والنبات وتأسيس المدنية .
7/أما عن أساليب الخلق التي اتبعتها تلك الآلهة الخالقة، وضع الفلاسفة السومرية مبدأ صار عقيدة سائدة في جميع الشرق الأدنى وهو مبدأ القوة الخالقة للكلمة الإلهية، هذا المبدأ كان كل ما ينبغي للإله الخالق أن يفعله هو أن يصمم ويقول "الكلمة"وينطق بالاسم أسم الشيء المراد خلقه فيتم الخلق .
8/ انتفع البابليون بالنصوص السومرية في نشأة الوجود وقصة الخلق ، وقدموا نظرية شبيهة بالنظرية السومرية ، حيث ردت النظرية البابلية أصل الأشياء إلى ماء أزلي ، أختلط عذبه بمالحه
9/ ومثل العذوبة فيه " آبو ، وهو مذكر " ومثلت الملوحة منه " تيامة ، وهي أنثى " وقالوا معبرين عن ذلك " حينما في العلا لم يكن للسماء ذكر ، وفي الدنا لم يكن للأرض اسم ، ولم يكن من شيء غير آبو والدهم وتيامة أمهم " .
10/ وافترضت النظرية نشأة أجيال الأرباب في جوف ماء البحر " تيامة " جيلا بعد جيل ، وكان كل جيل منهم يفوق من سبقه حتى انعقدت ألوية الحكمة بينهم للإله " إيا EA " الذي كان محبوبا من البشر ومن رفاقه من الآلهة في آن واحد
11/ وكان ابنه " مردوخ أو مردوك " الذي فاقت قدرته كل الحدود هو الذي عهد إليه بالرئاسة ، رئاسة مجمع الآلهة عند البابليين ، عندما كانت بابل هي مركز الدول القومية التي سيطرت على معظم بلاد ما بين النهريين .
12/ إن كل ذلك يؤكد بما لا يدع مجالا لشك أن المفكر الشرقي القديم سواء كان مصريا أو بابليا هو أول من أعلن في تأملاته أن أصل العالم هو الماء ، وأنه عن الماء بمساعدة الإله الخالق " أيا كان أسمه " كان كل شيء حي وكانت كل الكائنات .
13/ ملحمة جلجامش وفلسفة الحياة والموت
تعتبر ملحمة جلجامش من عيون الأدب الشرقي القديم ، وهي خير نص يصور لنا الفكر ما بين النهرين القديم سواء في عصر الحضارة السومرية أو البابلية أو الأشورية
عبرت هذه الملحمة عن رأي ما بين النهرين القديم في العالم والحياة
14/ فهو يؤمن بأن الإنسان إنما خلق من أجل غرض واحد فقط هو عبادة الآلهة وخدمتها ، وحينما يتوفر له وقت التأمل يجد أن الحياة عبث وأن الموت قادم لا محالة ، وهو لا يعرف المصير الذي ينتظره ، ومن ثم ينتابه الشك والالتباس حول حقيقة الحياة وحقيقة الموت.
15/ إن الإنسان ما بين النهرين قد انتابه الخوف والقلق إزاء العالم الآخر ، وهذا عكس ما كان لدى الإنسان المصري القديم الذي كان لرأيه الثابت حول الحياة والموت أثره في إيمانه باستمرار الحياة للإنسان بعد الموت " الخلود "
16/ أما بالنسبة لإنسان ما بين النهرين القديم فإن الحياة قلق وعمل وهم ، وسيعقبها الموت الذي جعلته الآلهة للإنسان وحده دون الآلهة .
وقد عبرت ملحمة جلجامش عن كل ذلك حيث صورت الصراع بين الإنسان والموت ، وضرورة قبول الإنسان لهذه الحقيقة المرة الظالمة حقيقة الموت .
17/ إن الناظر في ملحمة جلجامش يجد فيها الأصل الآسيوي للفكر اليوناني ، فقد سبقت الالياذة بألف وخمسمائة عام تقريبا ، كما أن هناك تشابها وتماثلا بينها وبين الأوذيسة
18/ والمعروف أن الالياذة والأوذيسة قد أثرت أبلغ تأثير في الحياة اليونانية وفي الإنسان اليوناني ، وبالتالي فقد أسهمتا في ظهور الفلسفة عند اليونان عبر التأثر بهذه الملحمة البابلية الشهيرة .
19/ خاتمة
إن الحضارة البابلية تعادل من حيث القيمة التاريخية الحضارة المصرية والهندية والصينية ، وذلك نظرا لما تركته من أثار أدبية وعلمية فيها.
20/ إن التراث الفلسفي لبابل القديمة لا يتوقف عند هذين المثالين، وإنما هناك من النصوص الأخرى التي تعبر عن الفكر البابلي وموقف الإنسان من الطبيعة والحياة الإلوهية مثل "لدلول بيل نيميقى" أي سامتدحن رب الحكمة، وإرشادات شورباك، وحوار السيد والعبد والمناظرات التي كتبت على لسان الحيوان
21/ وكذلك مساهمتهم في الرياضة والفلك ، وإنشائهم لأول مكتبة في التاريخ ، وهي مكتبة " أشور بنيال " وهو واحد من كبار الحكام آنذاك.
كذلك إقامتهم لأول شريعة في التاريخ تعرف بقوانين حمورابي ، كما ساهمت هذه الحضارة في بعض الأفكار الفلسفية .
22/ من هنا نجد أن الذي وصلنا من ملاحم ومدونات السومريين والبابليين والأشوريين لا يمثل إلا نزرا يسيرا من نصوصهم الفكرية والعقلية يكاد يقتصر على الجزء الذي سمحت به وحافظت عليه السلطات الرسمية للدولة التي وجد في مكتباتها
23/ وهذا يفسر أن جميع الملاحم والتراتيل التي بلغتنا تتمحور حول تمجيد ديانات الملوك والعقائد الرسمية للدولة دون الفكر الفلسفي الحر والنقدي بالضرورة والذي قد يعثر عليه يوما ما .
أنتهى

جاري تحميل الاقتراحات...