جدا وقتها و قبل أن ينتصف اليوم الدراسي في مدرستنا الفقيرة المتواضعة ذات الفصول الكئيبة الجدران و الرائحة وأثناء حصة الحساب دخل إلى فصلنا الاستاذ "جاد المولى" ناظر المدرسة
و الحقيقة إن الراجل كان طول بعرض و ملامحه أقرب لملامح الفنان محمد رضا وكانت السيجارة لا تفارق يده
(٢)
و الحقيقة إن الراجل كان طول بعرض و ملامحه أقرب لملامح الفنان محمد رضا وكانت السيجارة لا تفارق يده
(٢)
و بمجرد دخوله للفصل وقفنا فى رهبة و تحفز تمهيداً لما هو قادم
توقف أ/جاد المولى فى منتصف الفصل وفغر فاه كاشفا عن أسنان محطمة متآكلة ضربها التسوس فحولها لشئ أقرب لكهف مظلم ،و حدق فينا للحظة و أشار لساعة يده و قال بصوته الجهورى موجها حديثه للبؤساء الواقفين أمامه:
النهارده و بعد
(٣)
توقف أ/جاد المولى فى منتصف الفصل وفغر فاه كاشفا عن أسنان محطمة متآكلة ضربها التسوس فحولها لشئ أقرب لكهف مظلم ،و حدق فينا للحظة و أشار لساعة يده و قال بصوته الجهورى موجها حديثه للبؤساء الواقفين أمامه:
النهارده و بعد
(٣)
وجهى ..و استطرد:
يعنى كل عيل منكم يكون واجهه مشرفة للمدرسة،و للبلد و تحيوا الريس بكل قوتكم و تحولت عيناه لصورة أشبه بملامح المرحوم يوسف وهبي في فيلم "سفير جهنم" و هو يتوعدنا قائلا:
خلينى أشوف عيل منكم مش بيحيي الريس، ثم استدار في قوة موجهاً حديثه للطلبة الجالسين في المقاعد
(٥)
يعنى كل عيل منكم يكون واجهه مشرفة للمدرسة،و للبلد و تحيوا الريس بكل قوتكم و تحولت عيناه لصورة أشبه بملامح المرحوم يوسف وهبي في فيلم "سفير جهنم" و هو يتوعدنا قائلا:
خلينى أشوف عيل منكم مش بيحيي الريس، ثم استدار في قوة موجهاً حديثه للطلبة الجالسين في المقاعد
(٥)
الأخيرة من الفصل فأنتفضوا في رعب حينما جلجل صوته قائلا:
و عمكم شيخون (يقصد فراش المدرسة) هيكون معانا و أى تقصير من اى كلب منكم مش هيكون له عندى غير العصابة و الكرباج
و تلاحظ لى أن عم شيخون الفراش كان يقف بجوار باب الفصل يستمع فى بهجة و طرب لكلمات الناظر الذى استكمل بقوله:
(٦)
و عمكم شيخون (يقصد فراش المدرسة) هيكون معانا و أى تقصير من اى كلب منكم مش هيكون له عندى غير العصابة و الكرباج
و تلاحظ لى أن عم شيخون الفراش كان يقف بجوار باب الفصل يستمع فى بهجة و طرب لكلمات الناظر الذى استكمل بقوله:
(٦)
و دلوقتى هتتحركوا في طوابير لمحطة السكه الحديد..كل مُدرس يرافق فصله
و بعد أقل من ٥ دقايق كنا نسير في طوابير طولية امتدت لمسافة طويلة و نحن أشبه بأسرى يقادون إلى السجون، و الجوع يضربنا من كل اتجاه و محطة القطار كانت بعيدة ،و كانت نظرات أهل البلد لنا و كأننا في موكب تكريم مثلا
(٧)
و بعد أقل من ٥ دقايق كنا نسير في طوابير طولية امتدت لمسافة طويلة و نحن أشبه بأسرى يقادون إلى السجون، و الجوع يضربنا من كل اتجاه و محطة القطار كانت بعيدة ،و كانت نظرات أهل البلد لنا و كأننا في موكب تكريم مثلا
(٧)
وصلنا إلى محطة القطار ،لم يكن هناك أحد سوانا
أعطى الاستاذ جاد المولى الاذن لعم شيخون بأن يجلسنا صفوف متراصة خلف بعضها على رصيف القطار الذى ضاق بالتلاميذ المتوافدين لتحية القطار الذى يستقله الرئيس و كان من يخالف كلام عم شيخون الفراش يجد عصاه الثقيلة قد نزلت لتشيع الالم في جسده
(٨)
أعطى الاستاذ جاد المولى الاذن لعم شيخون بأن يجلسنا صفوف متراصة خلف بعضها على رصيف القطار الذى ضاق بالتلاميذ المتوافدين لتحية القطار الذى يستقله الرئيس و كان من يخالف كلام عم شيخون الفراش يجد عصاه الثقيلة قد نزلت لتشيع الالم في جسده
(٨)
وفى نفس الوقت و على الرصيف المقابل لنا وصل تلاميذ مدرسة القومية العربية الابتدائيه لنفس السبب الذى أتينا من أجله,كانوا أكثر بؤسا منا،و أكثر جربا،ملابسهم المهلهلة لم تختلف كثيرا عما نرتديه و فجأة وجدنا الاستاذ جاد المولى بيننا و هو يصرخ و كأننا جنود فى حرب طروادة:
اول ما القطر
(٩)
اول ما القطر
(٩)
يقرب من المحطة تسقفوا بكل قوتكم..و يا ويله اللى مش هيسقف.. شيخون هيفرمه
و بسبب الهلع من كلام حضرة الناظر بدأنا في التصفيق المبكر.. لدرجة أننا كنا نصفق بلا وعى و بلا داعى و كلما هدأت حدة التصفيق نزلت عصا عم شيخون الفراش لتلسع وجوهنا و ظهورنا،و استمر هذا الوضع لأكثر من ساعة من
(١٠)
و بسبب الهلع من كلام حضرة الناظر بدأنا في التصفيق المبكر.. لدرجة أننا كنا نصفق بلا وعى و بلا داعى و كلما هدأت حدة التصفيق نزلت عصا عم شيخون الفراش لتلسع وجوهنا و ظهورنا،و استمر هذا الوضع لأكثر من ساعة من
(١٠)
التصفيق المستمر..كل هذا و قطار الرئيس لم يعبر بعد..
و رغبة منا فى إضاعة الوقت لحين مرور قطار الرئيس بدأنا في استفزاز طلبة مدرسة القومية العربية و تبادلنا معهم السباب و الشتائم بلا سبب اللهم إضاعة الوقت ليس إلا..لكن الأمر تطور حينما قام أحد طلبة مدرستنا البائسة بقذف طلبة
(١١)
و رغبة منا فى إضاعة الوقت لحين مرور قطار الرئيس بدأنا في استفزاز طلبة مدرسة القومية العربية و تبادلنا معهم السباب و الشتائم بلا سبب اللهم إضاعة الوقت ليس إلا..لكن الأمر تطور حينما قام أحد طلبة مدرستنا البائسة بقذف طلبة
(١١)
المدرسة الأخرى بالطوب والحجارة..و تطور الأمر أكثر حينما نزل بعض الطلبة من المدرستين إلى شريط السكة الحديد لزوم الحصول على الحجارة و الزلط و تبادل الطرفان القصف و القذف المتبادل مما أسفر عن سقوط عدد من الاصابات من المدرستين الأمر الذي أدى لحضور ا/جاد المولى لوقف المعركة بين
(١٢)
(١٢)
طلبة المدرستين..و من الرصيف المقابل دار عتاب شديد اللهجة بين ناظر مدرستنا و ناظر مدرسة القومية العربية ألقي كلاهما باللوم على الآخر و تأججت المعركة الكلامية بينهما بعد أن تدخل عم شيخون الفراش لإشعال فتيل الأزمة و عدنا من جديد لتبادل إلقاء الطوب و الزلط و لم ينجح فض الاشتباك
(١٣)
(١٣)
إلا حينما أنطلق ميكروفون المحطة بصوت هادر قائلا:
" قطار السيد الرئيس يصلنا بعد ١٠ دقايق من الآن من فضلكم التزموا الهدوء و كفاية خناق"
فُض الاشتباك و وجدنا الاستاذ جاد المولى يصرخ فينا و هو يرفع حاجبه الأيمن:
قطر الريس هيعدى بعد شويه..عاوز تصفيق حاد من كل تلميذ واقف قدامى..
(١٤)
" قطار السيد الرئيس يصلنا بعد ١٠ دقايق من الآن من فضلكم التزموا الهدوء و كفاية خناق"
فُض الاشتباك و وجدنا الاستاذ جاد المولى يصرخ فينا و هو يرفع حاجبه الأيمن:
قطر الريس هيعدى بعد شويه..عاوز تصفيق حاد من كل تلميذ واقف قدامى..
(١٤)
و أول ما الريس يشوح لنا بيده اللى يعرف يزغرد يزغرد و اللى يعرف يرقص يرقص و لو الريس طلًع راسه من شباك القطر و شوح لكم بيده لازم تصقفوا و تتنططوا بقوة..فاهمين يا شوية جاموس ؟
و أشرنا برؤوسنا في علامة ضمنية على أننا فاهمين ،رغم عدم استيعابنا لما يحدث و أمر الناظر بإعادة رصنا
(١٥)
و أشرنا برؤوسنا في علامة ضمنية على أننا فاهمين ،رغم عدم استيعابنا لما يحدث و أمر الناظر بإعادة رصنا
(١٥)
فى طوابير منتظمة بطول الرصيف و وجدنا الاستاذ جاد يدلف لحجرة ناظر محطة القطار و جائنا صوته عبر ميكروفون المحطة و كأنه الشيخ حسنى فى فيلم الكيت كات:
إحنا عايشين احلى عيشة و مرتاحين آخر راحة فى ظل حكم الرئيس..و انتم يا ولاد مستقبلكم هيكون اخضر بلون براز البقر الصغير بإذن الله
(١٦)
إحنا عايشين احلى عيشة و مرتاحين آخر راحة فى ظل حكم الرئيس..و انتم يا ولاد مستقبلكم هيكون اخضر بلون براز البقر الصغير بإذن الله
(١٦)
ثم توقف أ/جاد للحظات و همهم أحدهم ببعض الكلمات أمامه فعاد صوته عبر ميكروفون المحطة بلهجة تعلوها الفرحة قائلا:
ناظر المحطة بلغنى أن قطر الريس هيعدى بعد ٤ دقايق..سقفوا..سقفوا بكل طاقتكم يا ولاد الكلب
و وجدنا أنفسنا بنصفق بشكل جنوني و شاركنا الناظر و المدرسين و عمال المحطة فى
(١٧)
ناظر المحطة بلغنى أن قطر الريس هيعدى بعد ٤ دقايق..سقفوا..سقفوا بكل طاقتكم يا ولاد الكلب
و وجدنا أنفسنا بنصفق بشكل جنوني و شاركنا الناظر و المدرسين و عمال المحطة فى
(١٧)
التصفيق و شاركنا أيضا عم شيخون الفراش بالكرباج الخاص به في لسوعة وجوهنا
إلى أن حانت اللحظة و سمعنا صافرة قطار الرئيس يقترب من المحطة
دق قلبي فى عنف و أنا أترقب المشهد و أتخيل أن الرئيس وقتها سيشير لى بيده فى حركة اعتدنا رؤيتها و لم أنتبه لكرباج عم شيخون و هو يسلخ جلدى و وجهى
(١٨)
إلى أن حانت اللحظة و سمعنا صافرة قطار الرئيس يقترب من المحطة
دق قلبي فى عنف و أنا أترقب المشهد و أتخيل أن الرئيس وقتها سيشير لى بيده فى حركة اعتدنا رؤيتها و لم أنتبه لكرباج عم شيخون و هو يسلخ جلدى و وجهى
(١٨)
مطالبا إياى بالتصفيق المدوى..و أقترب صوت القطار أكثر و أكثر و شعرت برهبة شديدة مع صافرته ،و اشتد عواء الاستاذ جاد و هو يصرخ فينا سقفوا يا ولاد الكلب.. و بسرعة البرق عبر القطار المحطة لافحا إيانا بموجة ترابية عاصفة و تطايرت حبات الرمل في وجوهنا و كنا مستمرين في التصفيق و نحن
(١٩)
(١٩)
نتخيل أن الرئيس سيخرج يده لنا..و لكنه لم يخرجها..
ثم هدء كل شيء..
و نظر لنا الاستاذ جاد المولى فى فخر و قال و صوته يموج بالاستحسان:
براوة يا ولاد..رفعتوا راسي قدام الريس..و أكيد هو شافكم و انتوا بتسقفوا..يالا يا عيال النهارده اجازة خلاص..
عدنا إلى منازلنا و آثار عصا عم شيخون
(٢٠)
ثم هدء كل شيء..
و نظر لنا الاستاذ جاد المولى فى فخر و قال و صوته يموج بالاستحسان:
براوة يا ولاد..رفعتوا راسي قدام الريس..و أكيد هو شافكم و انتوا بتسقفوا..يالا يا عيال النهارده اجازة خلاص..
عدنا إلى منازلنا و آثار عصا عم شيخون
(٢٠)
مازالت ترسم ملامحها على أجسادنا..
و ظل السؤال يدور في ذهنى وقتها : هو احنا كنا بنصفق ليه ؟
و لم أجد الإجابة لهذا السؤال.. إلا بعد أن ترك الرئيس السلطة..
انتهت الحكاية..و مازال التصفيق مستمرا..
تمت.
و ظل السؤال يدور في ذهنى وقتها : هو احنا كنا بنصفق ليه ؟
و لم أجد الإجابة لهذا السؤال.. إلا بعد أن ترك الرئيس السلطة..
انتهت الحكاية..و مازال التصفيق مستمرا..
تمت.
جاري تحميل الاقتراحات...