وتوماس كان يختلف عن ابن رشد في الأسلوب والمنهج وفي أصول المعتقدات، وإن كان يتلقي معه في تعظيم أرسطو وتراثه الفلسفي وقراءته قراءة كاثوليكية، ومع هذا فإن ذلك لا يمنع من استفادته من ابن رشد، والاستفادة شيء والمتابعة شيء آخر، ولا شك أنه استفاد من ابن رشد ومن ابن سينا وغيرهما.
وقد ذكر توماس ابن رشد في كتبه أكثر من خمسمائة مرة، وذكر ابن سينا حوالي ثلاثمائة مرة، ورد عليهما وشنع، ومع ذلك استفاد منهما خصوصًا ابن رشد، ومع كونه العدو اللدود له، إلا أنه استنجد به لترويج فلسفة أرسطو داخل الأوساط المسيحية الأفلاطونية، وقطع الطريق أيضًا أمام الرشدية اللاتينية.
ومسألة كثرة اقتباسات وإشارات توماس إلى ابن رشد، فليست دليلاً على المتابعة والتقليد، فاقتباساته من ابن سينا وغيره أيضًا كثيرة، واقتباساته كانت في معظمها للرد والدحض، وإلا اعتبرنا اقتباسات وإشارات ابن تيميَّة في منهاج السنة لابن مطهر الحلي وفي الدرء للفخر الرازي دليل متابعته لهما.
لقد كانت اقتباسات توماس وإشارته إلى ابن رشد في حقيقتها للنقد والدحض في معظمها، وكذلك من أجل الاستفادة. وله رسالة مشهورة بالعنوان: "في وحدة العقل ردًّا على الرشدين". أكثر فيها من إيراد اسمه واسم اتباعه والرد عليهم ودحض قولهم، وهذا القول أحد الأقوال التي كفرت بها الكنيسة الرشديين.
وكان ابن رشد واتباعه من الرشدين اللاتينيين يعتقدون بـ(وحدة العقل) -التي أنكرها كثير من الباحثين المعاصرين ويظهر أنها ثابتة النسبة لابن رشد- فجرد توماس لهم هذه رسالة كاملة لدحض آرائهم، ولا يمكن اعتبار اقتباساته تلك منهم وإشارته لهم في رسالته أنها متابعة لهم فيها أو في غيرها.
وقطعًا لم يكن توماس الأكويني أوغسطيني المذهب كسائر الكاثوليك قبله الذين انبهروا بقراءة أغسطين، لكنه كان أرسطيًا مروجًا لفلسفته داخل الكنيسة التي تبنتها بسببه، وقد استفاد في ذلك من ابن رشد والرشديين، وتبنى بعض أدلتهم وأقتبس منهم وأشار إليهم كثيرًا. وكذلك فعل مع ابن سينا وغيره.
لقد كان توماس الأكويني مثله في ذلك -فهم وتلقي أرسطو وتراثه- مثل الرشديين اللاتينيين إلى حد كبير، الذين كانوا كلهم يعتمدون في فهم أرسطو ومعرفة آرائه على شروحات ابن شد، فهو عندهم العمدة في فهم وشرح كلام أرسطو، وإن خالف توماس ابن رشد في أصول فلسفية.
أما بالنسبة لبونافنتورا، فمرة أخرى هناك فرق بين الاستفادة والتأثر وبين الانتماء، فهو استفاد وتأثر بأرسطو وشراحه، لكنه لم يكن أرسطيًا بل كان أوغسطينيًا أفلاطونيًا. يقول يوسف كرم: "كان أوغسطين مرجعه الأكبر، إليه يذهب ميله الروحي…وتبعًا لهذا الاتجاه يفضل أفلاطون على أرسطو".
جاري تحميل الاقتراحات...