د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

10 تغريدة 7 قراءة Sep 24, 2022
عندما درست نظرية (وحدة الوجود) توقعت أنّها خاصة بابن عربي، فوجدت أنّ جميع فلاسفة الصوفية يثبتونها، ثم وجدت أنّ جميع الديانات تقريباً خرجت فيها تيارات تؤمن بهذه النظرية، ثم وجدت ديانات مستقلة قائمة على هذه النظرية.
(وحدة الوجود) واحدة من أعمق القضايا الفكرية في تاريخ الإنسان.
مثلاً؛ الديانة الفيدية وهي واحدة من أقدم الديانات في العالم ومكانها الهند تقوم على مبدأ أنّ الإله المسمى (براهمان) هو كل الوجود، ويوجد ديانات أخرى شرقاً وغرباً تعتبر نظرية (وحدة الوجود) ركيزة أساسية في نظامها الفكري والعقدي.
وحدة الوجود واحدة من أصعب الأفكار وأكثرها تعقيداً لأنّها تشتمل تناقضات في الظاهر.
الشخص المؤمن بهذه النظرية لا يقول لك بأنني أنا الإله، ولكنه يؤمن بأنّه متصل بالإله بشكل أو بآخر.
البروجكتر هو أقرب مثال يوضح هذه النظرية؛ فالصورة ليست هي البروجكتر ولكنها صادرة عنه ومتصلة به.
وهذا يعني أنّ الخلق مسألة نسبية من منظورنا المادي القاصر، وفي الحقيقة لا يوجد خلق.
الذي يحدث هو أنّ الإله نفسه يوجِد موجودات جديدة صادرة منه هو كمصدر للوجود.
فهو الوجود والموجود صادر عنه ومتصل به.
وبالتأمل نصل في نهاية الأمر إلى حقيقة أنّه ليس ثمّة غير موجود واحد.
حتى من يسمون بـ (الطبائعيين) ويُقال بأنهم ملاحدة يعبدون الطبيعة؛ هم في حقيقة الأمر ناس أدركوا أنّه ليس ثمّة إلا وجود، وذلك الوجود هو الذي يخلق الموجودات، ولكنهم لم يسموا الوجود (إله) بل سموه طبيعة.
في نهاية المطاف؛ الخلاف بينهم وبين الفلاسفة المؤمنين لفظي وشكلي.
عند الفلاسفة؛ الله لا يوصف بأنه (موجود) بل هو الوجود.
وعندهم؛ الله ليس حيّا، بل هو الحياة بذاتها.
والله ليس حكيماً؛ بل هو الحكمة بعينها.
والله ليس قديراً، بل هو القدرة بذاتها.
والله ليس عليماً، بل هو العلم نفسه.
كل صفات الكمال ليست مركبة على الله، بل هي نابعة من ذاته ومتحدة به.
أما النص؛ فكما يقول الفلاسفة هو خطاب باطني، يقدم الحقيقة بشكل بسيط يستطيع العقل العامّي أن يفهمها ويتأثّر بوظيفتها حسب مداركه المادية الضيقة.
ولكن الحقيقة في الباطن ليست كما هي على ظاهر النص.
هي أعمق من ذلك، والفلاسفة يعرفونها، ويعلمون أنّ النص يستبطنها؛ ولذلك يهمّشون النص.
علم الله ليس مثلك أيها الإنسان الذي تعلم أشياء خارجة عنك.
علم الله شيء متصل بذاته؛ لذلك هو يعلم دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء؛ لأنّ ذلك الدبيب حدث فيه هو؛ مثلما تعلم أنت الأشياء التي في جسمك ولله المثل الأعلى.
الله بكل شيء محيط لأنّه هو الوجود.
الله ليس ذاتاً مفارقة للعالم.. العالم بكل أبعاده المادية والمعنوية صادر عن الله ومتصل به؛ مثلما أنّ الصورة الصادرة عن البروجكتر متصلة بمصدرها ونابعة منه.
والفيزياء الحديثة تتحدث عما يسمى الكون الهيلوغرامي، وهي نظرية تؤكد هذا المبدأ.
وابن عربي قديماً قال: الكون ظل الله.
وحدة الوجود ليست بدعة ولا خرافة؛ بل هي حقيقة فلسفية عميقة لا يمكن استيعابها بسهولة.
والتطورات العلمية الحديثة في الفيزياء تؤكدها وتشهد عليها.
ولكن المدهش فعلاً؛ كيف عرفها القدماء بوسائلهم البدائية!
رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...