Khalid Osman Alfeel
Khalid Osman Alfeel

@KhAlfeel

22 تغريدة 58 قراءة Sep 21, 2022
هل سمعت بالخطة الاقتصادية الوطنية الوحيدة في تاريخ السودان الحديث والتي استمرت لعشرة سنوات؟
شذرات عن الدولة السودانية التنموية المَنسيّة!
كثير ما يشتكي الصحفي السوداني المعروف عثمان ميرغني في منشوراته في الفيسبوك ومقالاته الصحفية عن غياب التخطيط الاستراتيجي والاقتصادي طويل...
المدي في السودان، وهو محق تماماً في هذه الشكوى ومحق في تكراره لهذا الموضوع. وفي كثير من الأوقات تكون غالبية الردود على منشورات الأستاذ عثمان ب"نحن السودانيين ديل ما بنفكر بعيد أصلو، بس بنشوف رزق اليوم باليوم!" أو ما يشابهه من التعبيرات التي تُرجع أصل المشكلة في الثقافة السودانية
التي لا تكترث كثيراً بالتفكير طويل المدي وما يتضمنه من تخطيط وصرامة في المتابعة. من ناحية ثانية، يركز النوع الثاني من التعليقات العامة على شتيمة النخبة السودانية والأحزاب السياسية في السودان، وهي طريقة تفكير انتشرت كثيراً مؤخراً، خصوصاً بعد الفشل المتكرر للأحزاب السياسية والنخبة
السودانية في إحراز أي تقدم اقتصادي أو اجتماعي ملموس للمواطن، أو كما جاء في مقولة المرحوم منصور خالد "النخبة السودانية وإدمان الفشل" والتى أصبحت على لسان كل متذمر من الواقع السياسي.
يمكن للمرء أن يذكر الكثير من الاعتراضات النظرية على هذه الردود والتعليقات، لكن الاعتراض المهم
والجدير بالذكر هنا هي أن هذه الاعتراض لا تتفق مع الواقع ولا مع التاريخ السوداني، فبالفعل استطاع السودانيين والنخبة السياسية والتكنوقراطية في تاريخهم القريب أن يضعوا خطة اقتصادية طويلة المدى استمرت لعشرة سنوات من العام 1961 وحتى العام 1970!
الصورة المرفقة في هذا المقال هي صورة
الدكتور عبد الرحيم ميرغني محمد وكيل وزارة المالية وأول وكيل لقسم التخطيط الاقتصادي بالوزارة والذي عمل لاحقاً كمحافظ لبنك السودان المركزي. في منتصف عام 1961 كان الدكتور عبد الرحيم من أوائل المشتغلين على مبادرة "خطة السبع سنوات للتنمية" والتي تطورت لتصبح "خطة العشر سنوات للتنمية
الاقتصادية والاجتماعية 1961/1962- 1970/1971". هذه الخطة ليس فقط هي أول خطة تنموية اقتصادية طويلة المدي في تاريخ السودان الحديث تنجح في تحقيق متوسط نمو اقتصادي يقدر ب 5% طوال هذه الفترة، لكنها أيضاً الخطة الاقتصادية الوحيدة التي استمرت كموجه للسياسات الاقتصادية بالرغم من تعاقب
نظام عسكري (نظام الفريق عبود) عليها، ثم ثورة أكتوبر وما تلاها من حكومات مدنية في الديمقراطية الثانية. فبالرغم من المشاكسات والصراع السياسي في فترة الديمقراطية الثانية (1964- 1969) والذي كان سبباً في تعاقب ثمان حكومات مختلفة في حكم السودان (8 حكومات في خمسة سنوات،
يعنى الحكومة الواحدة ما كانت تستمر أكثر من 7 شهور ونص!)، مع كل ذلك الاضطراب والتخبط السياسي، استمرت هذه الخطة الاقتصادية والاجتماعية العشرية كمرجع رئيسي لتوجيه القرارات والسياسات الاقتصادية.
في فترة الستينات والسبعينات كان نموذج التخطيط الاقتصادي وتدخل الدولة في الاقتصاد
ودعهما للتحول الصناعي هو النموذج الاقتصادي السائد في دول أفريقيا، وهنالك الكثير من الدراسات التي ناقشت تجارب الدول الأفريقية في التنمية الاقتصادية والصناعية في فترة ما بعد الاستقلال، لكن على المستوى الشخصي لم أجد دراسات كثيرة ناقشت تجربة السودان في التحول الصناعي في هذه الفترة
والعوامل الاقتصادية-الاجتماعية-السياسية المؤثرة على هذا التحول، مع أنه ومن "الونسة العامة" كان معروفاً لدي بأن هذه الفترة قد شهدت تحولات صناعية معتبرة (قصص مصانع بابا نوسة، وصناعة تعليب الفاكهة، وغيرها من القصص). بل أكثر من ذلك، وجدت أغلب الدراسات حول التنمية الصناعية في السودان
تعتبر أن السودان خالي من تجربة التنمية الصناعية الناجحة. وبسبب اهتمامي بهذه القضية فقد خصصت مشروع تخرجي في درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية في العام 2015 لتحليل هذا الأمر وأكملت دراسة بعنوان "الدولة التنموية المَنسية: الاقتصاد السياسي للسياسة الصناعية في
السودان منذ الاستقلال وحتى العام 1969 Forgotten Developmental State: The Political Economy of Industrial Policy in Sudan Since the Independence Until 1969"، وهي دراسة غير مترجمة وأرجو أن أجد الوقت لترجمتها. وأعتقد أن إحدى المساهمات الرئيسية لهذه الدراسة هي كونها بنت جسورًا بين
الدراسات الرئيسية التي بحثت في الاقتصاد السياسي السوداني وبين باقي الدراسات التي حللت سياسات التصنيع والتنمية الصناعية في السودان، ثم فسرت لماذا فشلت سياسات التصنيع في حقب معينة وأحرزت تقدمًا في حقب زمنية أخرى من تاريخ السودان الحديث.
من اطلاعي على التاريخ الاقتصادي السوداني،
وجدت بأن الفترة الممتدة من العام 1959 وحتى العام 1969 شهدت نهضة وتقدمًا صناعيًا حقيقيًا في عدد من الأصعدة والمستويات. فقد شهدت تلك الفترة تطبيق أول وآخر خطة اقتصادية عشرية في تاريخ الاقتصاد السوداني، وهي الخطة التي تحدثنا عنها قبل قليل. كما شهدت تلك الفترة تأسيس البنك الصناعي
السوداني في العام 1961 لتوفير الدعم المالي والفني للقطاع الخاص العامل في قطاع الصادر والصناعات، أما في العام 1967 فقد أسست الحكومة مركز البحوث والاستشارات الصناعية لدعم الشركات الصناعية بالأبحاث والدعم التقني. ولزيادة مراقبة تطبيق السياسات الصناعية بصورة شفافة ودعمها تنفيذًا
أنشأت الحكومة وزارة مستقلة للصناعة في العام 1966 وهي وزارة الصناعة والتعدين. أخيراً، أسست الحكومة مؤسسة التنمية الصناعية في العام 1965 لإدارة الشركات الحكومية العاملة في المجال الصناعي. لذلك لم يكن مستغربًا أن تزيد مساهمة التصنيع في الناتج الإجمالي المحلي من 1% في العام 1958
لتصبح 8.3% في العام 1969، مما يعنى أن القطاع الصناعي كان ينمو بمعدل 66.3% سنويًا، وهذا المعدل من النمو لم يتحقق في أي فترة تاريخية أخرى في تاريخ السودان الحديث لذلك لا يستغرب الإنسان ما ذكره التجاني الطيب، وكيل وزارة المالية في عهد الديمقراطية الثالثة، وما ذكره الأستاذ إبراهيم
منعم منصور حينما أشارا بأن تلك الحقبة بأنها أكثر حقبة تنموية في تاريخ السودان الحديث. أيضًا في هذه المدة تضاعف عدد العاملين في القطاع الصناعي من 11,094 ليصبح 40,443، كما زاد عدد الشركات الصناعية من 83 شركة ليصل إلى 308 شركات. وغيرها من المؤشرات. في تلك الدراسة ناقشت تفصيلًا
الأسباب الهيكلية والاقتصادية-السياسية والتاريخية لحدوث هذا التحول والتطور الصناعي في فترة عبود، ولماذا استمر الأمر في عهد الديمقراطية الثانية.
أخيراً، هنالك الكثير يمكن قوله تلك الفترة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلى استمرارية ذلك النموذج التنموي، وبالرغم من القصور التنفيذي
الذي واجه الخطة الاقتصادية العشرية والمشاكل الكامنة في بعض أجزائها، لكن لعل أهم رسالة وفكرة يجب أن نتذكرها ونستحضرها في هذا الوقت الحاضر هو أن التخلف وغياب التنمية ليس قدراً محتوماً على السودان، وأن غياب التخطيط والإرادية والصرامة في التنفيذ مع فصل الصراع السياسي عن
الأجندة التنموية الوطنية ليست أمراً جديداً على السودانيين فهم قد طبقوا خطة اقتصادية استمرت لعشرة سنوات بالرغم من تعاقب قرابة العشرة حكومات العسكرية والمدنية دون تغيير فيها، هذه الاستمرارية على المستوي الوطني لوحدها جديرة بالثناء والاحتفاء!

جاري تحميل الاقتراحات...