فضل السلف على الخلف@
فضل السلف على الخلف@

@AAlkha89

31 تغريدة 87 قراءة Sep 17, 2022
مسألة حلول الحوادث
مسألة الأفعال الاختيارية هي من أهمّ القضايا التي شكلت صراعًا جوهريا ردحا من الزمن في التاريخ الإسلامي، وهي أيضا من أهم قضايا الصراع العقدي وأكثرها حساسية؛ لما فيها من لطف وخفاء، ويمكن اعتبارها أهم معاقد خلاف ابن تيمية مع مخالفيه، وشغلت حيزا كبيرا من مصنفاته
ورغم أن الشرع الحكيم قد قال كلمته النهائية الفاصلة فيها، فالله يفعل ما يشاء ويختار، وهو على كل شيء قدير، وهو سبحانه الفعال لما يريد، إلا أنه بدخول بعض المسلمين في الفلسفة وعلم الكلام نفى بعضهم ذلك عن الله؛ لشبهات كلامية عنت لهم.
من الأدلة العقلية على الفعل الاختياري أنه من المعلوم أن السموات والأرض أو غيرها من المخلوقات ليست مخلوقة منذ الأزل، بل هي حادثة في وقت معين، فحين خلقها الله عز وجل لا بد أن يفعل الله عز وجل فعلا معينا وهو التخليق، فبخلقه السماء قد فعل فعلا جديدا؛ لأن السماء لم تكن مخلوقة من قبل.
ومعنى ذلك حسب تعبير أهل الكلام أن الله حلّت به الحوادث التي لم تكن موجودة من قبل وفي حديث الشفاعة الطويل حينما يهرع الناس يوم القيامة إلى الأنبياء يقول كل نبي: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله» فقد وصفه الأنبياء..يتبع
واتفقوا كلهم في حديث الشفاعة على أنه يغضب ذلك اليوم غضبًا لم يكن قد غضبه من قبل ولن يغضب بعده مثله، ففعل فعلًا لم يفعله من قبل، ولن يفعله بعده، وهذا صريح في تجدد صفات الأفعال.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما دام الأمر واضحا بهذا الشكل؛ فلماذا نفى المتكلمون كالاشاعرة صفات الأفعال الاختيارية؟
وللجواب عن هذا السؤال ينبغي فهم المسألة بشكل أكثر وضوحا، وقبل ذلك يحسن بيان أقسام صفات الله تعالى باعتبار تعلقها بمشيئته سبحانه وتعريف كلّ قسم:
أقسام صفات الله تعالى:
صفات الله عز وجل تنقسم باعتبار تعلقها بذات الله سبحانه وتعالى ومشيئته واختياره إلى: صفات ذاتية، وصفات فعلية.
فالصفات الذاتية: هي الصفات التي تلازم ذات الباري أزلا وأبدا، كالعلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، ولا تتعلق بالمشيئة والاختيار.
والصفات الفعلية: هي الصفات التي تتعلق بمشيئته تعالى وإرادته، كالاستواء، والنزول، والمجيء، وغيرها.
وهناك نوع ثالث من الصفات فتكون صفة ذات وصفة فعل، مثل: صفة الكلام، فهي صفة ذاتية باعتبار أصلها؛ إذ الله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال متكلما، وصفة فعلية باعتبار آحاد الكلام لتعلقه بمشيئته واختياره، فيتكلم متى شاء، بما شاء، كيف شاء.
مسألة حلول الحوادث والأقوال فيها:
من المعلوم أن الإنسان قبل أن يقوم بفعل معين مثل الكلام؛ فإنه لا بد وأن يحدث بداخله بعض التغيرات والتجهيزات لكي تتهيأ نفسه ليصدر منه صوت، فيبدأ بالانفعال لشيء قد رآه أو سمعه، وهذا الانفعال لم يكن موجودا ثم وجد، ثم تنشأ بداخله إرادة الكلام..يتبع
وهذه الإرادة لم تكن موجودة ثم وجدت، ثم ينشأ الهمّ بالكلام، وهذا الهم لم يكن موجودا ثم وجد، ثم إن المخ يعطي إشارة إلى اللسان بالكلام، ثم في النهاية يتكلم.
فإذا كانت هذه الترتيبات جديدة وحادثة، والله عز وجل منزه عن هذه التغيرات الذاتية، وهي حوادث مخلوقة لم تكن موجودة؛ ولذلك نفى المتكلمون الأفعال الاختيارية مثل: النزول والاستواء والغضب ونحو ذلك، ومصدر الخطأ الجسيم الذي وقع فيه المتكلمون أنهم قاموا بقياس صفات الله على صفات البشر
ومعلوم أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله
وأصبح للمتكلمين مسلكان رئيسيان للهروب من إثبات الأفعال:
أن يقولوا: الفعل هو المفعول المخلوق، والاستواء فعل في العرش سماه استواء، والتجلي هو فعل مخلوق سماه تجليا، والنزول هو فعل مخلوق سماه نزولا، وهذا قول الأشعرية.
أن يجعلوها من باب النسب والإضافات المحضة، من غير دلالة على شيء حقيقي، أو تجدد فعل، فلا يزال آتيا منذ الأزل، ولا يزال متجليا منذ الأزل، وإذا أراد أن يجيء أو يتجلى يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيا أو متجليا، أو يخلق العرش بصفة التحت فيصير مستويا. وهذا قول الكلابية وغيرهم
أو يقولون: هذه أفعال محضة في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة، كما أن الإنسان يصعد إلى السطح فيصير فوقه، ثم يجلس عليه فيصير تحته، والسطح متصف تارة بالفوقية والعلو، وتارة بالتحتية والسفول، من غير قيام صفة فيه ولا تغير. وكذلك إذا ولد للإنسان مولود، فيصير أخوه عما، وأبوه جدا..يتبع
وابنه أخا، وأخو زوجته خالا، وتنسب لهم هذه النسب والإضافات من غير تغير فيهم.
تصريح أئمة الحديث بالفعل الاختياري:
لما كانت هذه القضية من الوضوح بمكان ومن المعلوم بالاضطرار من عقائد السلف، فقد جعل نعيم بن حماد أن فصل ما بين الحي والميت هو الفعل، قال الإمام البخاري: ولقد بيّن نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل
وقال الامام البخاري: "ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق". وقال أيضا: "وقالت الجهمية: الخلق هو المخلوق، وقال أهل العلم: التخليق فعل الله"
وفي حضرة الخليفة المأمون لما أراد بشر المريسيّ أن يلزم عبد العزيز الكناني نفي تجدد الفعل، قال بشر: ويلزمك أنت أيضا أن تقول: إن الله لم يزل يفعل ويخلق، فإذا قلت ذلك ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله.
فقال الكناني الشافعي: "فقلت له: ليس لك أن تحكم علي وتلزمني ما لا يلزمني وتحكي عني ما لم أقل، إنه لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل، فتلزمني ما قلت! وإنما قلت: إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق؛ لأن الفعل صفة لله، يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع"
وفيه أن عبد العزيز الكناني الشافعي نفى أن يكون الله يفعل في كل أوقاته ويتكلم في كل أوقاته كما ألزمه المريسي، بينما وضح له الكناني أن هذا ليس مقصده، بل القصد أن الله فاعل سيفعل، أي: قادر على الفعل بمشيئته
وإن أوضح من أثبت تجدّد الأفعال الحادثة الآحاد لله هو الإمام البخاري رحمه الله، بل إنه زاد على ذلك بأن بيّن موقفه من المقالة المخالفة لما قرره، فنسبها إلى الجهمية، فقال أولا في كتاب التوحيد من صحيحه: "وأن حدَثه لا يشبه حدَث المخلوقين"
وقال كذلك في كتاب التوحيد من صحيحه: "باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق، وهو فعل الرب تبارك وتعالى وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه، وهو الخالق المكوِّن، غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون"
ولما انتشرت شبهة الكلابية صرح العلماء بخلاف مذهبهم:
فقال ابن أبي زيد القيرواني المالكي: "وأنه يجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائيًا والملَك صفًا صفًا"
وقال الحافظ ابن عبد البر ردا على الكلابية سلف الاشعرية: "وفي قول الله عز وجل: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّه لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143] دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجليا للجبل"
وأشار أبو إسماعيل الأنصاري إلى هذا في مناقب أحمد بن حنبل، مما قاله: 'وجاءت طائفة فقالت: لا يتكلّم بعد ما تكلّم فيكون كلامه حادثا. فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر-يعني ابن خزيمة-، فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردِّها كأنه منذر جيش، حتى دوَّن في الدفاتر، وتمكن في السرائر..'
ومما نلاحظه أن الهروي استنكر قول الكلابية أن تجدد الكلام يلزم منه الحدوث؛ لأنه لا يجوز أن نكذب الشرع بعقليات المتكلمين، بل الواجب أن نؤمن بما جاء به القرآن وثيت في السنة كما هو
ومن ذلك أيضا ما قاله الدارمي: “والله -تعالى وتقدس اسمه- كل أسمائه سواء، لم يزل كذلك، ولا يزال، لم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن كذلك، كان خالقًا قبل المخلوقين، ورازقًا قبل المرزوقين، وعالِمًا قبل المعلومين، وسميعًا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيرًا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة”
إذن يمكن أن نلخص ما سبق في ثلاثة مذاهب رئيسية إثننان باطلان واحدة على الحق وهو مذهب السلف:
1- مذهب الأشعرية: أن فعل الله مخلوق منفصِل عنه.
2- مذهب الكلابية والسالمية: أن الأفعال قديمة لا تتعلّق بالمشيئة.
3- السلف وجمهور أهل الحديث: أن أفعال الله متجددة غير مخلوقة. وهوالصحيح
تنبيه مهم:
مع أن جمهور المحدثين يقولون بتجدد الأفعال كما بينا، إلا أن بعضهم لا سيما بعد القرن الرابع الهجري قد يقول عنها: قديمة، وينفي عنها الحدوث؛ لنهي الإمام أحمد عن ذلك، ولأن الحدوث يوهم الخلق، بل يلتزمون أن أفعاله قديمة ويقصدون بها أنها غير مخلوقة.

جاري تحميل الاقتراحات...