يوسف الدموكي
يوسف الدموكي

@yousefaldomouky

8 تغريدة 38 قراءة Sep 16, 2022
حين قال محمود درويش: «أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي»، لم يتفلسف، لم يحدثنا عن أشياء خارقة تصنعها أمه في الصباح، لم يحكِ لنا عن مشروبٍ مستحيلٍ تعده على ضوء القمر بدلا من نار «السبرتاية»، لم يصف لنا شيئًا يُصنع من السحاب بدلا من العجين..
كل ما اشتاق إليه وقاله ببساطة أنه يحن إلى شيء متوافر بكثرة في كل مكان، في كل شارعٍ ستجد مخبزا يعد لك الخبز ومقهى يصنع لك القهوة.
الحكاية ببساطة أنه الشوق البسيط المعقد، السهل الممتنع، أنك تريد شيئًا عاديا جدا، بسيطا جدا، تافها جدا، من شخصٍ بعينه، من إنسانٍ محدد، له شكل وهيئة وقلب وعين لن تجدهم في سواه، له نفَسٌ يجعل من البُنّ مشروبًا اسمه «قهوة أمي»، ومن القمح مأكولا اسمه «خبز أمي».
أنا أيضًا أشتاق، وأبكاني في الصباح أن صديقا لي عانق أمه لأول مرة منذ ثلاث سنوات، ويبكيني في المساء عد الشهور التي لم أعانق فيها أمي، ويبكيني ما بين كل صباحٍ ومساءٍ أن الأيام تمضي فارغةً، غير موقَّعةٍ بأنفاسها…
ويؤلمني أنني لم أقل هذا الكلام إلا حين جربت البُعد، وأنني لم أعرف كيف أقول لها «وحشتيني» إلا حين صار الهاتف هو منسق اللقاءات الصوتية بيننا، منذ أن أصبحت علاقة ابنٍ بأمه مجرد «سنترال».
وأبي.. كنتُ أرى أبي أبًا طوال الوقت، إلا حين أراه بجوار أمه، فأجده طفلًا، وأقول لأصحابي المجهولين الذين أحتفظ بهم في أعماقي: أتريدون رؤية أبي وهو طفل؟ انظروا إليه في عيني جدتي.
وأفكر دائمًا: صحيحٌ أن العلوم على تطورها لم تخلق لنا آلةً تستطيع الرجوع بنا إلى الماضي، لكن الله خلق لنا آلةً من لحمٍ ودمٍ، تجد في حضنها وقتك الضائع وزمانك المنهوب، اسمها أمّ، ومجرد ذكر الحرفين بضم شفتيك عند الميم، مع استمرار ضمك لشفتيك لثوانٍ معدودة، يُبكي..
وخلصت إلى أن «درويش» في قصيدته كان يقصد أن يقول نيابةً عنا جميعا: «أحِن إلى كل شيء عادي جدا، يتحول إلى شيء خارق جدا، حين تصنعه أمي».

جاري تحميل الاقتراحات...