10 تغريدة 22 قراءة Dec 26, 2022
فرغتُ بالأمس من قراءة هذا الكتاب، وكما هو المتوقَّع من مولانا رضا زيدان فمقاربته للمسألة فريدة من نوعها، لا يردّ فيها على الإشكالات التي تُورَد على السنة، وإنما يعمد إلى الأسس الفلسفية التي تقوم عليها كل هذه الإشكاليات ليناقشها منهجيًّا، أحسَب أن هذا الكتاب قابل للتفريع إلى خمسة
أضعاف حجمه من الأوراق إذا ما فُصِّلَت أفكاره ورُبطَت بأمثلة ونماذج.
يبدأ الكتاب بعرض تطور عمليات التاريخ في السياق الغربي، من السرد الأسطوري في الحقبة اليونانية، ثم اكتسابه التفريق بين الحقيقي والأسطوري مع هيرودوت، وصولًا إلى نشأته الوضعية في العصر الحديث، ثم التشكيك فيه
كعلم في القرن العشرين من قبل التيارات التفكيكية، ويوضح ضمن كل حقبة الأساس الفلسفي -أو الباراديغم- الذي يصيغ الفرضيات الأساسية لطبيعة المعرفة وشرعيتها، والأدوار الذي يلعبها التاريخ ومدى شرعيته كعلم خلالها.
بعقب ذلك يعرض تصورات المتكلمين لخبر الآحاد بوصفه -يفيد الظن، وليس العلم-، وتفريقهم بينه وبين المتواتر، ونظريتهم في شرط العلم الذي يُخرِج حديث الآحاد عن تعريفه علمًا (عدم قابلية تطرق الشك والاحتمال إليه)، وما يرتبط به من مفهوم الضروري والنظري.
ثم الفصل الأهم من الكتاب -وهو الأصعب، وأزعم أنه غير قابل للفهم إلا لشخص له سابق معرفة إما بمشروع الأستاذ رضا أو اطلاع واسع نسبيا في فلسفة العلم في القرن العشرين، وعلى معرفة ولو عامة بمشروع تقويض الميتافيزيقيا والذي تولّى كبره نيتشة وفتجنشتاين وهيدغر.
وهو مشروع ضخم، يوظفه الأستاذ رضا في مساءلة الشروط التي تضعها الفلسفة بكل أنواعها للعلم والمعرفة، وبشكل أعم اتجاهها نحو التنظير المعرفي، ونحو "تأسيس" المعرفة، أي البدء في التشكيك في كل المعارف ثم اختراع معيار للحقيقة والمعرفة خاص بالفيلسوف -يُطرح بوصفه موضوعيًّا بطبيعة الحال-
ويوظفه لنقد اشتراطات الوضعيين والتفكيكيين أن يكون التاريخ -وعليهِ الحديث- أن يكون على وجه لا يمكن أن يكون عليه ليكون حقيقة ويتجنب التشكيكات الواردة عليه.
هذا الفصل في رأيي غير قابل للفهم إلا بالرجوع إلى "الإجماع الإنساني" و"نحو منهج وصفي للعلم" للأستاذ رضا زيدان.
ويختم بتناول الإطار النظري الذي يتناول عبره المستشرقون السنة النبوية وعلم الحديث، وينتقده على نحو ممتاز مع بيان مدخل الخلل في تصوراتهم للعلم على أخطائهم، وهو أميل من سابقيه إلى كونه نقدًا تقنيًّا تاريخيًّا في معظمه، من كونه فلسفيًّا، وبالطبع لا يخلو من جانب منهجي.
أعتذر لو كان في كلامي عدم دقة -وأعتقد أنه مليء بها-، إذ أني كتبتُ كل الكلام بدون وجود الكتاب بين يدَيّ، بسبب الانشغال الشديد وعدم قدرتي على الجلوس له -كتبت العرض ده في المواصلات-، يدفعني إلى ذلك تقديري للأهمية الشديدة للكتاب، والأهمّ مشروع الأستاذ رضا زيدان كله، أزعم أنه من أهمّ
خمسة مشاريع فلسفية في الوطن العربي حاليًّا، مشروع جذريّ جدا يشكل أرضية قوية جدا لتسويغ الأرضية الإسلامية ومعالجة الإشكالات المثارة حول الحقيقة، والعلم، والمنهج، وغيرها.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

جاري تحميل الاقتراحات...