تعيش باكستان منذ سنوات تقلبات داخلية سياسية أثَّرت على سياساتها الخارجية، ويعود سبب ذلك إلى موقف حركة الانصاف بقيادة عمران خان والاستراتيجية التي اتخذها مع معارضيه، مما أدخل باكستان في نفق أكثر ظلمة من ذي قبل، وفوق ذلك ضربت باكستان فيضانات قلبت عليها ظهر المِجنّ.
هذه الحالة ستظل ترافق باكستان إلى أن تجد باكستان مخرجا لنفسها ينحصر في قوة الاقتصاد، وهذا يعتبر غير ممكن نظرا لشح مواردها، إضافة إلى المشاكل الاقتصادية العالمية التي تزيد الطين بلَّة، فالغلاء المعيشي قصم أظهر كثير من الدول بعد المشاكل الروسية الأوكرانية الأخيرة.
استمعتُ إلى عدد من المحللين الباكستانيين، وقُمتُ بربط عدد من الأمور مع بعضها للخروج بصورة يمكن من خلالها شرح ما حدث في باكستان خلال الأشهر الخمس أو الست الماضية، وما يجري الآن، وما سيحدث في الفترة القادمة، بناء على بعض المعطيات.
سير الأحداث الداخلية في إقليم بنجاب تدل على أن حزب الرابطة الاسلامية (فصيل نواز) سيعود ليسحب البساط من تحت أقدام حركة الانصاف الباكستانية والتي بقيادة عمران خان وتعاون عدد من أعضاء البرلمان من حزب الرابطة الاسلامية (فصيل القائد الأعظم) استطاعت عمل حكومة هزيلة جدا في الاقليم.
يهدد رئيس الوزراء الأسبق عمران خان -رغم سوء ما تعيشه باكستان بسبب الفيضانات- النظام الباكستاني بمؤسساته بحشد مسيرة طويلة نحو إسلام آباد زُعم الضغط على الحكومة الفيدرالية لانهائها من جهة، ومن جهة أخرى لعمل انتخابات مبكرة، ولكن في ظل الظروف الحالية من الصعب أن تنجح مساعي عمران خان.
سبب تهديد ومحاولات ضغط عمران خان هو أنه يعيش في زهو الحشود التي تساعده، ويرى أنه من خلال عمل انتخابات مبكرة يستطيع العودة وبقوة إلى سدة الحكم بأغلبية برلمانية تمثل ثلاث أرباع البرلمان، ولكنه في تقديري أنه لا يستطيع عمل المسيرة، ولا حتى الفوز بأغلبية ساحقة في الانتخابات القادمة.
قامت حركة الانصاف الباكستانية بطرح كروت شعبوية من خلال تصريحا قائدها عمران خان، منها استخدام الدين وربطه بعاطفة الحشود الجياشة، وكذلك الكرت السياسي من خلال استثارة مشاعر أنصاره بالحديث ضد أمريكا، لكنه عاد مؤخرا ليلتقي بشخصيات أمريكية اتضح معه أن ما فعله مجرد تكسُّبٌ سياسي.
فمن غير المنطقي أنك تحشد أصوات الناس من خلال التهييج، والتثوير، والتأليب، والتجييش ضد بلد -مستغلا بذلك نمطية التفكير الشرقي ضد الغرب- ثم تعود لتصافح أفراد ذلك البلد في لقاءات في الردهات الخلفية، ظنا أنها ستبقى في الخفاء، وهذا يعني بطبيعة الحال عدم تصديق أي خطاب سياسي آني شعبوي.
كذلك يحاول أن يعود إلى مسار المصالحة مع المؤسسات العسكرية الباكستانية عن طريق مغازلتها بتصريحات مزدوجة، تارة يتخذ من الشعب قوته مهددا، وتارة يعودُ مثل أي سياسي يطلب العفو من مؤسسات الدولة والانخراط في السياسة النمطية الباكستانية من خلال التصريحات في تجمعاته وفي الإعلام.
ستظل باكستان في الفترة القادمة تعاني من اضطرابات اقتصادية، خصوصا بعد الفيضانات التي زادت من مشاكلها، بالاضافة إلى غلاء المعيشة التي تشهدها، فالحكومة الحالية ذات الائتلاف السياسي غير قادرة حتى الآن على ضبط بوصلة المعيشة والاقتصاد، مما قد ينذر في المرحلة القادمة باحتجاجات شعبية.
فقد وصلت الأمور إلى ذروتها بسبب غلاء المعيشة والكهرباء، وهي الأمور التي ساهمت بشكل مباشر في تدمير صورة الأحزاب المؤتلفة، كونها لم تنجح حتى الآن في استخراج باكستان من المستنقع الذي قامت حركة الانصاف بإيقاع باكستان فيه، كونها أهملت الجانب الاقتصادي، وسعت خلف تكسب سياسي مستمر.
في رأيي أن عامل الاستقرار السياسي أهم نقطة يجب التركيز عليها من قبل الساسة الباكستانيين، حتى يمكن التفكير مليا دون تردد في ميثاق معيشي يُخرج باكستان من دائرة السَّوء الاقتصادية، وهذا لا يمكن إلا من خلال توافق سياسي طويل الأمد، والخروج عن المصالح الحزبية.
هل إذا دخلت باكستان في انتخابات مبكرة، وتأتي حكومة جديدة، تتعدل أوضاع باكستان الاقتصادية؟ الجواب: لا، سواء بقيت هذه الحكومة، أو حكومة قادمة مؤتلفة أو هزيلة ليست القرارات في يدها، ستظل الأمور كما هي، الاقتصاد القوي يحتاج إلى توافق سياسي، وميثاق معيشي طويل الأمد.
جاري تحميل الاقتراحات...