لتصبح 14% في عام 1998، ثم واصلت انخفاضها بعد ذلك لتصل 8% في العام 2000، وفي نفس العام انخفض عجز الموازنة ليصل إلى 1% فقط. وهذه الفترة بالمناسبة كانت هي فترة البداية الفعلية للعقوبات الأمريكيّة على الاقتصاد السوداني، مع ملاحظة أنه البترول بدأ تصديره في أواخر 1998.
بالإضافة لنزاهته المعروفة وورعه عن الفساد والحرام، ففي صفتين كانوا معروفات عن المرحوم عبد الوهاب ممكن الزول يعتبرهم كانوا من الأسباب الرئيسي لكفاءته وحسن إدارته للوزارة وقدرته على تحقيق إنجازات ملموسة في فترة صعبة جداً اقتصادياً وسياسياً.
لتعليق الأول..
لتعليق الأول..
الصفة الأولى، أنه الدكتور كان عنده تواصل مباشر ومستمر مع أصحاب الشركات الخاصة والتجار في السوق وكان بابه مفتوح ليهم، بسألهم طوالي وبعرف منهم الحاصل والتطورات في السوق التجاري، وفي السوق الأسود، وأي اخبار أو شكاوى ليهم. الصفة الثانية أنه المرحوم عبد الوهاب كان عنده درجة كبيرة من
الاستقلالية في اتخاذ القرار، يعنى كان لمن يكون عايز يطبق قرار، لا بشتغل بشركات خاصة ولا بالحكومة ولا بالمؤتمر الوطني. ومعروف عنه انه كان لمن عمر البشير يأمر بإخراج مبلغ ماليّ معين في إطار الدعاية السياسية والقروش دي تكون أكثر عن الحصة المحددة لرئاسة الجمهوريّة، كان عبد الوهاب
برجع أي طلب زي دا وبقول ليهم "أمشو للبشير خلوه يديكم القروش من عنده".
ومن أكثر الإجراءات الصرامة التي اتخذها المرحوم والتي تعكس بشكل كبير لعنصر الاستقلالية لديه هو القرار الذي أصدره بإلغاء الامتيازات الجمركية والإعفاءات الممنوحة لشركات ومنظمات الإسلاميين بدون أي استثناءات.
ومن أكثر الإجراءات الصرامة التي اتخذها المرحوم والتي تعكس بشكل كبير لعنصر الاستقلالية لديه هو القرار الذي أصدره بإلغاء الامتيازات الجمركية والإعفاءات الممنوحة لشركات ومنظمات الإسلاميين بدون أي استثناءات.
وقتها وقف كثير من الإسلاميين ضده واتهموه باستهداف التنظيم، لكن الرجل لم يهتم بهم ولا بكلامهم، وتصاعد الخلاف بين دكتور عبد الوهاب وبين مخالفيه حتى وصل الخلاف إلى مستوي رئيس البرلمان وقتها، الدكتور حسن التربي رحمه الله. وعندما أكثر عليه الإسلاميين الكلام،
قذف بمفتاح السيارة الحكومية أمام طاولة رئيس البرلمان وأخذ تاكسي إلى بيته ثم خيرهم بين أن تسقط الإعفاءات كلها أو أن يبحثوا عن وزير آخر للمالية!
أما الزول القاعد في الصورة الشمال دي، فهو بروفيسور علم الاجتماع السياسي الأمريكي بيتر إيفانز Peter Evans الذي كان مهتماً بدراسة الأسباب
أما الزول القاعد في الصورة الشمال دي، فهو بروفيسور علم الاجتماع السياسي الأمريكي بيتر إيفانز Peter Evans الذي كان مهتماً بدراسة الأسباب
الإدارية والتنظيمية وراء نجاح نموذج "الدولة التنموية" وتجارب الإصلاح الاقتصادي في دول شرق آسيا زي كوريا الجنوبية وتايوان وغيرها. عمك إيفان دا قال أنه واحد من أهم أسباب نجاح الدول دي أنه مؤسسات النخبة السياسية والحكومة، كانت بتطبيق فلسفة إدارية معينة اسمها
"الاستقلالية المضمنة Embedded Autonomy" في إدارتها لطبيعة العلاقة بين الدولة وبين القطاع الخاص.
هذه الفلسفة تعنى أن يكون لمؤسسات الدولة ومسؤولين الحكوميين علاقة عمل وثيقة مع الرأسماليين تجعلهم على علم مستمر بتطورات الصناعة والاقتصاد والتحديات العملية والإدارية التي تواجه شركات
هذه الفلسفة تعنى أن يكون لمؤسسات الدولة ومسؤولين الحكوميين علاقة عمل وثيقة مع الرأسماليين تجعلهم على علم مستمر بتطورات الصناعة والاقتصاد والتحديات العملية والإدارية التي تواجه شركات
القطاع الخاص وذلك يساعدهم بالضرورة في تحسين الأداء وتعديل السياسات والخطط (وهذا ما تعكسه كلمة مضمنة)، ولكن لديهم في نفس الوقت القدرة على توجيه وضبط ممارسات هؤلاء الرأسماليين وحركة المال عموماً بما يتسق مع الرؤية الاستراتيجية والخطة التنموية للدولة (وهو ما تعكسه كلمة الاستقلالية).
وبعداك وضح إيفانز أنه فيما يتعلق بأساليب ضبط وتوجيه الدولة للقطاع الخاص بما يتوافق مع الخطة الصناعية فقد استخدمت دول شرق آسيا آليات الرقابة المتبادلة حيث تمنح الدولة مزايا ومساعدات معينة للشركات الخاصة (سواء كانت إعفاءات ضريبية، أو حماية من المنتجات المنافسة عبر الجمارك،
أو أراضي أو دعم مالي وفني أو غير ذلك) في مقابل تحقيق أهداف أداء معينة (مثل زيادة نسبة الصادرات، أو نقل التكنولوجيا من الشركات الأجنبية للشركات المحلية، أو زيادة درجة التعقيد والقيمة المضافة في المنتج النهائي، زيادة الإنتاجية في الأيدي العاملة وتكنولوجيا الإنتاج، وغيرها من
المؤشرات شديدة الصلة بالتحول الصناعي). وفي حالة عجز الشركة عن تحقيق هذه الأهداف يسحب الدعم منها ويعطى لشركات أخري قادرة على الالتزام بتحقيق تلك الأهداف.
أوضح إيفانز وغيره أنه الفلسفة والممارسة الإدارية دي تختلف عن تصورات الاقتصادية السائدة في الغرب وقتها، وتحديداً السائدة عند
أوضح إيفانز وغيره أنه الفلسفة والممارسة الإدارية دي تختلف عن تصورات الاقتصادية السائدة في الغرب وقتها، وتحديداً السائدة عند
المدرسة النيوليبرالية واقتصاد السوق الحر، عن طبيعة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص. حيث أن النيوليبرالية ترى بضرورة بناء علاقات محدودة وضيقة بين الوكالات الحكومية والشركات الخاصة، وذلك خوفاً من تأثير وسيطرة القطاع الخاص على الدولة وقراراتها عبر شراء ذمم المسؤولين الحكوميين
الانتهازيين. من ناحية ثانية، لا ترى هذه المدرسة وجود أي مبرر يذكر لتوفير حماية جمركية أو دعم انتقائي لشركات خاصة معينة. لكن تجربة دول شرق آسيا الإدارية العامة والتي تتصف ب"الاستقلالية المضمنة" قد أثبتت بأن هذا التصور السائد لدي الغرب ليس بالضرورة صحيحاً، وربما هنالك خيارات بديلة.
أخيراً، الفرق بين ما قام به المرحوم عبد الوهاب عثمان من "استقلالية مضمنة" كان سلوك شخصي فردي لم يصمد كثيراً أمام طريقة إدارة الدولة في عهد الإنقاذ، أما ما قامت به دول شرق آسيا فهو جعل "الاستقلالية المضمنة" طريقة عمل مؤسسية تعمل به كلها الوزارات الاستراتيجية لديها. بمعنى آخر،
بدل أن يكون لديهم عبد الوهاب عثمان لأربعة سنوات فقط، استطاعت هذه الدول أن توفر الظروف المؤسسية لظهور أكثر من وزير مشابه لعبد الوهاب عثمان لعشرات السنوات. وهذا الاستمرارية والمؤسسية، عزيزي القارئ، هي ما يصنع الكثير من الفروق بين الدول والأمم!
جاري تحميل الاقتراحات...