12 تغريدة 1 قراءة Dec 26, 2022
يعرف المقرّبون مني أني امرئ أعاني في التعامل مع النزوات التي تعتريني تجاه الجمال بكل أنواعه، وأني أصبح تحت وطأته شديد الاندفاع وأفقد رزانتي وأتصرف على نحو سأندم عليهِ في الغالب.
وفي محاولة التخفيف عن نفسي أنّ هذا الطبع النزواتيّ ليس بذلك السوء كنت أتمثل بعجز قول نابغة بني ذُبيَان:
ولستَ بمُستَبْقٍ أخًا لا تلُمّهُ
"على شعثٍ، أيُّ الرجَالِ المُهَذِّبُ"
أي والله، أيُّ الرجال المهذّب، كلنا قليلو أدب أحيانًا وتعترينا نزوات دنيئة تجاه الحياة، وبصرف النظر عن حقيقة أنّ النابغة حتمًا لا يعني ما ذهبتُ إلى تأويله من معنى كلامه، وأنه لو علم بتأويلي لشعره وتوظيفه لتبرير نزواتي لهجاني ببعض بذيء شعرِه،
إلا أنّ ذلك ليس مهمًّا فالنابغة ميّت الآن، ولا أحسَب أن له ورثة ليقاضوني على تأويلي.
رجوعًا إلى "أيُّ الرجَالِ المُهَذِّبُ"، بالفعل أليس من حق المرء أن ينطلق في نزواته في بعض الأحيان دون أن يُقيّده عقله وحسابات المآلات والعواقب، أن يخرج عن التفكير واقعيًّا ويندفع في الواقع وكأنه في حلم يقِظ لا يترتب على أفعال المرء فيه أي أثر خطير؟ أزعم أنه من حقه ذلك بلا شك.
أعلم أنّ هذا الكلام يبدو مرتبكًا ومغزاه ليس بالواضح، سأنبئكم بتأويل ما كتبتُ لأجله هذه الأفكار.
ثمةَ فتاة جميلة جدا، لها روح ليس عليها سيما المعاناة والكدح، "صافية أراكِ يا حبيبتي، كأنما كبُرَتِ خارج الزمن" كما يقول صلاح عبد الصبور، اعترتني نزوة قوية أن أتراسل معها وأبثّ
مشاعري القوية تجاهها، فكرتُ أن أرسل إليها وأقول: "عَينَاكِ، أم غابٌ ينام على وسائِدَ من ظُلَال"، أو مثلًا: "ما كان ضرَّكَ لو عدَلتَ، أما رأت عَينَاكِ قَدَّكْ، وجعلتَ من جفنَيّ مُتَّكَأً، ومن عَينَيَّ مَهدَكْ"،
فخطر في بالي أنها ستقول في نفسها: "مثقف طايرة ليو، كائنات مريبة والله"، فتنازلتُ عن هذه الفكرة.
ثم فكرتُ أن أرسل إليها:" أهلين، ممكن نتعرف" باعتبارها أقلّ ريبةً من الشعر، ففكرتُ أنها ستقول: "الرجل السوداني التقليدي مملّ، أسي ده داير شنو؟"، فعدتُ عن ذلك أيضًا. ثم فكرتُ أن أضيف إلى رسالتي بعض الظرافة بأن أقول مثلًا: "في مجال يا غزال"، وفكرتُ أنها قد تقول:
"ما ناقصين ظرافة وشفع ما جادين"، ثم انقطعت مخيّلتي عن الإتيان بمداخل جيدة ربما عبرها قد أنالُ وصل الفتاة الجميلة أو أذوق رضابها أو حتى أن تنظر إليّ بعين العطف والإعجاب، ولم أجد إلا تساؤلَ درويش أردده في إشفاق وحزن: "هي وحدها، وأنا أمام جمالها وحدي، لماذا لا توحدنا الهشاشة؟"
وكالغالبية العظمى من النزوات التي تركبني وتضطرني كل مرة إلى التماس التبريرات لقلة الأدب وتغيير معاني أشعار الأقدمين، وتثوير الأشعار التي أحفظها بحثًا عن بيت يليق، كالغالبية العظمى منها انتهى بي الحال أدور في هواي وفكري وشعوري،
تجاه فتاة بالكاد تدري بوجودي في العالم، ومن الغيظ أجدني أردّ على تساؤل النابغة: "أيُّ الرجَالِ المُهَذَّبُ؟" بأن أقول "أنا يا سيد الناس، لكن ما بالاختيار والله".

جاري تحميل الاقتراحات...