كنت أتأمل بشكل كبير مؤخراً مفهوم الغباء والأغبياء، لاحظت أننا نهتم ونتحدث عن الذكاء والأذكياء ولا نعطي الغباء والأغبياء حقهم من التفكير والفهم والتحليل. نبحث دائماً عن الذكاء وسُبل تحقيقه وتنميته ولكننا غالباً لا نفكر في الغباء وطرق تجنبه وفهم أصحابه، والتأكد من أننا لسنا أغبياء!
بدايةً علينا أن نعترف أننا جميعاً مُعرضون للغباء وأننا كنا أغبياء في مراحل أو مواقف معينة في حياتنا، وأننا معرضون لأن نكون أغبياء مستقبلاً ما لم نتحصن بالعلم والمعرفة والتأمل الدائم، وإلا لماذا نسخر من أنفسنا عندما كنا أصغر سناً؟أو أقل تجربة أو أقل انتباها وننعت أنفسنا بالأغبياء؟
ما سبق هو مدخل هام لفهم الغباء وأنواعه، فالجهل هو الصديق المقرب والراعي الرسمي والمسبب للغباء، بل أن الجهل هو مرادف الغباء في القاموس العربي، فما غبى عن الأرض هو ما خفي منها عن الأنظار، وما غبى عن الإنسان ما خفي عنه فلم يعرفه. لذا فالجينات بريئة من الغباء في لسان العرب وفكرهم :)
أما أنواع الغباء فكثيرة، وربما يمكن التعرف على معظمها من خلال عكس نظرية الذكاء المتعدد أو عكس أنواع الذكاء لضدها (لن أقوم بذلك)، ثم إضافة مجموعة أخرى من أنواع الغباء الاجتماعي والعلمي الشائعة. ألخص هنا أهم أنواع الغباء وأكثرها شيوعاً ووضوحاً في حياتنا اليومية:
1. الغباء المنطقي - صاحبه لا يجيد ربط الأفكار ولا تحقيق الاستنتاجات البدهية والمنطقية، ولا علاقة للأسباب بالنتائج لديه ولا يمتلك قدرة تحليلية معتبرة وهو منبر جامح للنقاشات البيزنطية التي لا تنفع وفريسة سهلة للأخبار والأفكار الكاذبة
2. الغباء العاطفي - يتدرج من الحالات المؤذية ولكن غير الخطيرة كاللامبالاة وعدم الشعور بالآخر وافتقاد اللطف وسوء التعامل مع المواقف بما يجعل صاحبه شخصاً مزعجاً غير جذاب وربما مكروهاً، وقد يصل إلى حالات خطيرة كالسايكوباثية والسادية لافتقاد المشاعر الإنسانية الفطرية الأساسية
3. الغباء الخَلقي - من يعانون من قصور عقلي لأسباب بيولوجية في تكوين الدماغ. لديه أيضاً تدريجات واسعة من القصور البسيط الذي يؤثر على الذكاء والبديهة، ويصل إلى الإعاقة العقلية المؤثرة ذهنياً وجسدياً.هذا التعريف لا يعني أنهم يفتقدون للذكاء وسيأتي مزيد من الشرح في التغريدات القادمة
4. الغباء الأخلاقي - وما أكثرهم في حياتنا اليومية. نميل لأن نعتقد بأنهم أشخاص سيئون أو أشرار، لكنهم ليسو كذلك بالضرورة وقد يكونون مجرد أغبياء غير ملمين بالقوانين وبقيم الاحترام والأمانة والنزاهة بسبب بيئتهم ونشأتهم ولو تم تعليمهم قد تتحسن أحوالهم، وقد يكونون أشراراً بإصرار ودراية
5. الغباء العلمي - ناتج ببساطة عن الجهل بالعلم مع إصرار على عدم التعلم وعلى عدم قبول المنطق العلمي في رؤية الحياة وتفسير ظواهرها، وأصحابه يفضلون الخرافات والخزعبلات والأوهام كمسببات للأحداث اليومية التي تتطلب التفسير.
6. الغباء النرجسي - جعل المصلحة الذاتية المنطلق الأساسي في التعامل والتفكير. قد يبدو على هذه النوعية من الأغبياء الصلاح والاستقامة، ولكنها تبرع في إيجاد مبرر لأي فعل وضيع طالما كان في مصلحتها، ويشيع فيها الزهو وتضخم الذات والانتهازية والكذب، وادعاء المظلومية ولعب دور الضحية
7. الغباء الأيديولوجي والزمني - شائع لدى فئات عديدة كالعنصريين والمتعصبين قبلياً وقومياً والجماعات الدينية المتطرفة، ومن يعيشون في الماضي بأفكار رجعية متخلفة، وكذلك من يظنون أنهم يعيشون في المستقبل بما يعتبرونها أفكاراً تقدمية ولكنها أفكار هدامة للفكر والحضارة والأخلاق
وبعد تعداد هذه الأنواع التي لا أدعي أنها الأنواع الوحيدة للغباء، من الضروري كذلك معرفة بعض القوانين الأساسية عن الغباء والأغبياء لفهمهم بشكل أفضل وتحقيق التعامل الأمثل معهم. في هذا الصدد أقتبس أفكار المؤلف والمؤرخ الإيطالي كارلو تشيبولّا من كتابه "القوانين الأساسية للغباء البشري"
ملاحظة: الترجمة والشرح بتصرف شخصي
القانون الأول: الجميع تقريباً يُسيئون تقدير عدد الأغبياء من حولهم وبالتالي يتعاملون مع الناس بناءً على قوانين المنطق والعقل والعلم والأخلاق، ليكتشفو لاحقاً حجم الغباء المقابل وأنهم أخطأوا في افتراض أن من يقابلهم شخص ذكي يتمتع بالمنطق.
القانون الأول: الجميع تقريباً يُسيئون تقدير عدد الأغبياء من حولهم وبالتالي يتعاملون مع الناس بناءً على قوانين المنطق والعقل والعلم والأخلاق، ليكتشفو لاحقاً حجم الغباء المقابل وأنهم أخطأوا في افتراض أن من يقابلهم شخص ذكي يتمتع بالمنطق.
القانون الثاني: الغبي قد يكون غبياً وذكياً في آن واحد، فالغباء صفة مستقلة تماماً عن أي صفات أخرى يتحلى بها الإنسان ويعتقد تشيبولّا أن الغباء صفة تطغى على الذكاء وعلى أي صفة أخرى للإنسان
تعليق: أتفق جزئياً فقد يغلب الغباء في التقييم العام لكن من الضروري رؤية الناس حسب نوع غبائهم
تعليق: أتفق جزئياً فقد يغلب الغباء في التقييم العام لكن من الضروري رؤية الناس حسب نوع غبائهم
القانون الثالث: الشخص الغبي هو من يسبب الأذى والضرر للآخرين دون أن يكسب شيئاً، وهو أيضاً يسبب الأذى والخسارة لنفسه من نفس التصرفات التي يؤذي بها الآخرين.
القانون الرابع: الأشخاص غير الأغبياء عادة لا يجيدون تقدير الأضرار الفادحة التي يسببها الأغبياء والتعامل معهم.
تعليق: مرتبط ارتباطاً مباشراً بالقانون الأول، ويعكس تأملي بإهمالنا لفهم الغباء فلو فهمناه جيداً لتجنبنا الكثير من الأضرار.
تعليق: مرتبط ارتباطاً مباشراً بالقانون الأول، ويعكس تأملي بإهمالنا لفهم الغباء فلو فهمناه جيداً لتجنبنا الكثير من الأضرار.
القانون الخامس: ربما هو نصيحة وتحذير أكثر مما هو قانون، يقول القانون: الغبي شخصٌ خطيرٌ جداً وقد يكون أخطر من المجرمين الخارجين عن القانون في كثير من الأحيان
والتعليق بديهي، المجرمون غالباً أذكياء إن لم يكونوا دهاة
والتعليق بديهي، المجرمون غالباً أذكياء إن لم يكونوا دهاة
أخيراً.. انتهى ولم ينتهي.. أرحب بكل من أراد أن يضيف حجة أو رأياً أو مقولة أو شعراً أو نكتةً يتعلق بالغباء والأغبياء تحت هذه السلسلة من التغريدات التي لا أهدف فيها إلى تقديم حلول للغباء أو توزيع أحكام أو تحقيق فهم شامل.. مجرد محاولة للتأمل والفهم
جاري تحميل الاقتراحات...